المحاضرة بعنوان الحث على الألفة والاجتماع، والتي كانت في اجتماع مسجد التوحيد بتريم يوم الأربعاء 15 ذو الحجة 1441هـ الموافق 5 أغسطس 2020م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك كلمته بالحمد والثناء على الله ويشكر القائمين على الاجتماع المبارك، ويؤكد على أهمية التمسك بالكتاب والسنة لتحقيق الهداية والقوة. هذه الاجتماعات تهدف إلى تعزيز الدعوة ونشر العلم.
يؤكد على أهمية التعاون ونشر العلم لتحقيق الخير ودفع الشر، ويحذر من دعاة الجهل والسوء والضلال الذين يسببون الفتن. ضرورة التمسك بالدين والتعاون لتحقيق الألفة والمحبة والقوة لأهل الحق.
يؤكد على أهمية التلاحم والتآلف بين المؤمنين لتحقيق الخير ونصرة الدعوة، ويشير إلى أن تقوى الله والتجاوز والعفو والصفح وإفشاء السلام من أعظم أسباب ذلك. يجب على المؤمنين التجاوز عن الأخطاء لتحقيق الألفة والمحبة.
العفو والتجاوز عن الآخرين سبب لإكرام الله ورفع الدرجات، وهذه الصفة تميز الأنبياء والصالحين. نسأل الله التوفيق لكل خير والبعد عن كل سوء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعين ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فأحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، أحمده الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي يسر مثل هذه الاجتماعات المباركة، وهذه المجالس النافعة التي ينفع الله عز وجل بها العباد والبلاد، ففي هذا اليوم الخامس عشر من ذي الحجة لعام 1441 للهجرة، يقام هذا الاجتماع المبارك الذي يقيمه إخواننا في مسجد التوحيد، ويشارك فيه من يشارك من المشايخ الفضلاء الذين أتوا من عدة مناطق للمشاركة في هذا الخير ونفع الناس في مثل هذه الأوقات. وهذه من أعظم النعم التي ينبغي أن نتعاون في زيادتها وقوتها وظهور أثرها في المجتمع، فجزى الله خيرًا الإخوة والمشايخ القائمون على هذا الخير والمشاركون فيه، سواء من كان في مسجد التوحيد، ومن كان في حضرموت الوادي، أو من جاء من المناطق الأخرى من حضرموت الساحل أو من المراكز الأخرى، فنشكر الجميع على هذا الخير والتعاون عليه، ونسأل الله عز وجل أن يجزي الجميع خير الجزاء. كما لا ننسى أن نشكر كل من ساهم في إنجاح هذه الاجتماعات المباركة النافعة، سواء بمشاركة علمية ومعنوية أو بمشاركة حسية، فنسأل الله عز وجل أن يجزي الجميع خير الجزاء، ونشكر المشايخ الفضلاء الذين تعبوا في السفر وجاءوا من أماكن عدة ويشاركون في هذا الخير، نسأل الله عز وجل أن يجزي الجميع خير الجزاء وأن يبارك في جهود الجميع. ولا يخفى عليكم أيها الأحبة أن هذه الدعوة المباركة، دعوة الكتاب والسنة، دعوة قوتها بارتباطها لهذين الأصلين العظيمين الذين هما سبب النصر والقوة والتوفيق والتأييد من الله سبحانه وتعالى، ففي ﴿مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ﴾ وغيره، الحديث عن ابن عباس، ومعناه الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ترك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنة نبيه»، فالتمسك بالكتاب والسنة من أعظم أسباب الهداية والسلامة من الضلال، ومن أعظم أسباب القوة والنصر والتأييد والتوفيق. ولهذا فنحن بحاجة للتذكير بهما وإليهما، فدعوتها للسنة والجماعة، دعوة من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذه الدعوة المباركة بالعلم وبالتمسك بالكتاب والسنة والتواصي بالحق في ذلك والتعاون عليه والصبر في الدعوة فيه، تؤتي ثمارها بإذن الله تعالى. وهذه الاجتماعات المباركة هي من أسباب حصول هذا المقصود العظيم الذي به قوة أهل الحق ونصرتهم، ولذلك ينبغي أن نكثر من هذه الاجتماعات واللقاءات النافعة القائمة على العلم والداعية للعلم، لأن العلم مفتاح كل خير، ولأن العلم أيضًا مغلاق كل شر. ولهذا كان كما في حديث أبي هريرة في «البخاري» وغيره: «من علامات الساعة رفع العلم ونزول الجهل»، فبرفع العلم يكثر دعاة السوء والضلال، ويتسلط هؤلاء على المجتمع، فعند ذلك لا تسأل عن الشر الذي يكون في المجتمعات بسبب نزع العلم، وكذلك وجود الجهل ودعاة الجهالة. وفي حديث «ابن عمر» في الصحيح، كذلك في الصحيحين: «إن الله يأخذ هذا العلم انتزاعًا ينتزعه من قلوب الناس، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»، وها نحن نرى في مجتمعاتنا القريبة والبعيدة آثار دعاة الجهل والسوء في المجتمع، كيف يضلون أممًا من الناس بتسيئهم المجتمع بعيدًا عن العلم والنصيحة والتفكير تارة، وببث الشبهات والجهالات والضلالات تارة أخرى، فيكون سببًا في حصول السوء والشر في المجتمع. فإن المجتمعات مليئة بالفتن بسبب دعاة السوء والضلال، فدعاة السوء والضلال من أعظم أسباب حصول الشر في المجتمع، ولذلك نحن بحاجة أن نبث العلم وأن نتعاون كل بحسبه في بث هذا العلم ونشره، فإنه من أعظم أسباب حصول الخير ودفع الشر عن مجتمعاتنا، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. كما أننا نحث أنفسنا وإخواننا وآباءنا وأبناءنا على الحرص على التعاون وبذل أسباب المحبة التي بها يحصل التناصر في الخير، فإن القلوب إذا كانت مشحونة وكانت متنافرة وكانت متباعدة، لا شك لا يكون مع هذا الحال التعاون والتناصر وقوة أهل الحق. ولهذا قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، فالقوة تذهب بالتنازع والخلاف، فلذلك ينبغي أن يتعاون أهل الحق على نبذ أسباب التنازع وأسباب الخلاف، وبذل الأسباب الحسية والمعنوية القريبة والبعيدة التي يحصل بها الاجتماع والألفة والأخوة والمحبة، وهو من أعظم أسباب قوة أهل الحق. فبهذه الألفة والمحبة، وكذلك التعاون يحصل الخير ويتحقق ما نرجوه من الخير في مجتمعاتنا، ولهذا قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، لأن الاعتصام سبب للقوة والنصر، والتفرق سبب للشر والفساد. ولهذا كان الاجتماع من صفة أهل الإيمان، والتفرق من صفة أهل الكفر والطغيان، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، فأهل التفرق هم أشبه ما يكون بأهل الكفر والفجور، وأما أهل الإيمان فمن أعظم صفاتهم الاجتماع والألفة، والألفة إنما تكون بالحق الذي أنزله الله بالكتاب والسنة. أن نقيم هذا في قلوبنا ونقيمه في أقوالنا وأعمالنا ومواقفنا، فنترك حظوظ النفس ونترك أمراض القلوب التي هي من أعظم أسباب تفرقة الصف بحصول الشحناء والبغضاء بحصول التنافر، فإذا أقمنا دين الله عز وجل بحق وصدق، ومررنا على قلوبنا وعلى أعمالنا وأقوالنا ومواقفنا، فوالله لن نرى إلا كل خير. ولهذا أمر الله عز وجل في أثناء هذه الآيات بالتقوى، لأنه إذا تحقق التقوى بصدق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، فإذا تحقق التقوى بحق وصدق، فإنه يمرر صاحبه الدين بحق وصدق على قوله وفعله ومواقفه بظاهره وباطنه، وعند ذلك لا تسأل عن الخير الذي يكون في المجتمع. والله عز وجل إنما يؤلف بيننا إذا نحن عملنا بدين الله عز وجل وأقبلنا على الله وصدقنا مع الله في العمل بالعلم، فالله عز وجل القائل: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فهذا التأليف له سبب لا بد أن يبدله أهل الحق من الانصياع والانقياد للحق. ولهذا كان من أعظم صفات الإيمان تولي بعضهم بعضًا وموالاة بعضهم بعضًا وتعاون بعضهم مع بعض في القيام بهذا الدين، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. فلذلك نحن بحاجة أن نعيد مثل هذه المعاني في واقعنا ونحققها حتى يحصل الخير الذي نرجوه، لا يمكننا أن نتعاون على الخير وفي قلوبنا تنافر، وفي قلوبنا أمراض تطغى على ما ينبغي أن يحققه المسلم مع أخيه المسلم، والمؤمن مع أخيه المؤمن. فلو تأملنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، ثم نظرنا في واقعنا لوجدنا أن الكثير منا -إلا من رحم الله- بعيد تمام البعد من تحقيق هذا المعنى العظيم في حديث النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. فما أحوجنا أن نعيد النظر في ما يجري في واقعنا، وأن نصحح الكثير من الأخطاء، وأن نجتهد في بذل الأسباب التي تعيد المحبة والألفة وكذلك الأخوة، ومن أعظمها تقوى الله سبحانه وتعالى، فتقوى الله كما تقدم معنا مفتاح كل خير، والعمل بالعلم الذي هو تحقيق للتقوى، أن نمرر هذا العلم الذي علمنا على جوارحنا. ما أكثر ما نعلم وما أقل ما نعمل بما نعلم، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا رشدنا، فلذلك ينبغي علينا أن نعيد النظر في كثير من الأشياء التي نحن نرى آثارها السيئة قد عزلت الكثير من الناس عن الخير وأبعدتهم عن التعاون فيه. ومن أعظمها ما تقدم من حصول البغضاء والشحناء التي تفرق الصف، ومن أعظم أسباب الشحناء والبغضاء أمراض القلوب كالحسد، وكذلك الغل والانتقام وعدم العفو والصفح، فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، فإذا حصل خطأ من أخيك، فبادره بالعفو والصفح والتغافل التي هي من أعظم صفات أهل الإيمان. فأهل الإيمان أهل تغافل، أهل تجاوز، ولا يحمل غلًا لإخوانه، ولهذا جاء في وصف المؤمن أنه هو صاحب هذا الوصف في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه «ابن ماجة» وغيره بإسناد صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: «أي الناس أفضل؟»، فقال عليه الصلاة والسلام: «كل مخموم القلب، صدوق اللسان»، قالوا: «يا رسول الله، صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟»، قال: «هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد». فهذه الغصائل هي من التقوى، من التقوى أن لا يكون في قلبك غل ولا حسد ولا بغي ولا إثم لأحد، فتجاوز وعف واصفح وتغافل، وهذا من أعظم أسباب حصول الألفة وإعادة المحبة، ولا تقول: «ظلمني وأخطأ علي»، وكذلك: «أخذ حقي» ونحو ذلك، فالخطأ يرد، وكل ابن آدم خطأ. فإذا أردت الخير لهذه الدعوة المباركة، فاضحِ بالتجاوز والعفو والصفح لله سبحانه وتعالى، حتى يحصل الخير الذي نرجوه ونحبه لأنفسنا ولدعوتنا، فهذه الدعوة المباركة تحتاج إلى تضحية، ومن أعظم التضحية العمل بالعلم، ومن العمل بالعلم التجاوز والعفو والصفح والتغافل، والحرص على بذل أسباب المحبة التي تعيننا على تلاحم الصف وقوته ونصرة الحق أهله. وكذلك أن نحرص على إفشاء السلام، فهو من أعظم أسباب التحاب، فقد جاء النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث بأمره عليه الصلاة والسلام بإفشاء السلام، فإفشاء السلام ليس المقصود السلام الحسي، بل كذلك السلام المعنوي. فأنت حين تفشي السلام بلسانك، ينبغي أن تبادر كذلك بقلبك، وبأن يكون في قلبك سلامة، في صدرك سلام لإخوانك، حتى لو حصلت منهم أخطاء تتركها وتتجاوز عنها لله سبحانه وتعالى، وترجو ما عند الله سبحانه وتعالى، فإن ما عند الله أعظم مما عند الناس. ومن أعظم ما يكون سببًا لإكرام الله عز وجل لك أن تعفو وتتجاوز، فيعفو الله عز وجل عنك ويتجاوز ويرفع درجتك ومنزلتك، وهذه هي طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن سار بسيرهم من الصديقين والشهداء والصالحين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعلنا وإياكم مفاتيح خير وأهل خير، وأن يبعد عنا كل سوء وضير، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.