الدرس في تفسير سورة النجم من تفسير الجلالين 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالمرجع والمصير بعد الموت، وخلق الزوجين، والنشأة الأخرى. كما تطرق إلى قراءة "وأن" بالفتح أو الكسر وتأثير ذلك على المعنى.
توضيح معاني الآيات القرآنية المتعلقة بأفعال الله سبحانه وتعالى، حيث يملك الأمور كلها في الدنيا والآخرة، ويجازي الكافرين والمؤمنين حسب أعمالهم.
تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بعظمة الله سبحانه وتعالى وقدرته، حيث يملك الموت والحياة، وخلق الأشياء المختلفة والمتضادة لحكمة.
تعقيب على تفسير الآيات القرآنية وتأكيد على علم الله تعالى، مع ذكر عذاب الله تعالى للأمم السابقة والصلاة على النبي محمد وآله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَأَن إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا، وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وأن عليه النشأة الأخرى، وأنه هو أغنى وأقنى، وأنه هو رب الشعرى. قال رحمه الله: «وأن» بالفتح عطفًا، وقرئ بالكسر استئنافًا، وكذا ما بعدها، فليكون مضمون الجملة على الثاني. ﴿إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ المرجع والمصير بعد الموت، فيجازي الكافر بما كان من كفره، والمؤمن والمحسن بما كان من إيمانه وإحسانه. ففيه تسلية للمؤمنين. وأنه هو أضحك من شاء، أفرحه، وأبكى من شاء، أحزنه. وأنه هو أمات في الدنيا، وأحيا للبعث. وأنه خلق الزوجين، الصفين، الذكر والأنثى، من نطفة مني إذا تمنى، تصب في الرحم. وأن عليه النشأة -بالمد والقصر- الأخرى، الخلق الآخر للبعث بعد الخلق الأول. وأنه هو أغنى الناس بالكفاية بالأموال، وأقنى أعطى المال المتخذ قنية. وأنه هو رب الشعرى، وهو كوكب خلف الجوزاء، كانت تُعبد في الجاهلية. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، لازلنا في هذه السورة العظيمة التي تحاجج المشركين في مكان عبادتهم، وتتوعدهم بالوعيد الشديد والعذاب الأكيد. لما كان منهم من مواقفهم مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. ومن ذلك هذه الآيات، والتي فيها من التهديد والوعيد ما فيه عظة للكافرين والمجرمين، وتسلية للمؤمنين والمسلمين. وقوله «وأن» بالفتح عطفًا، وقرئ بالكسر. أشار بالتعليق أنه قرئ استئنافًا، والمقصود أنه يبين أنه جاء وجه آخر، ويتغير المعنى. كما أشار: فبالعطف يكون حكمه حكم ما قبله، وبالفتح وبالكسر يكون استئنافًا، فلا يكون مضمونه مضمون ما قبلها، كما أشار إليه رحمه الله تعالى. وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ المرجع والمصير بعد الموت، هذا كذلك تهديد ووعيد. ومعناه: سيجازي الكافر بما كان من كفره، والمؤمن والمحسن بما كان من إيمانه وإحسانه. ففيه كذلك تسلية للمؤمنين. وأنه أضحك وأبكى، قال: من شاء أفرحه، من شاء أحزنه. والمعنى أنه سبحانه وتعالى يملك ذلك كله في الدنيا وفي الآخرة. فإن وقع مثل ذلك في الدنيا، وهو يوقعه لحكمة. فإن شاء وقع للكافر شيء من الضحك -ألا ما يكون من استهزاء وسخرية- لكنه يقع بإذن الله ولحكمة. وما بعده مما يكون من عذاب الله وعقابه، سيكون فيه عظيم العظة والعبرة. فهو سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل. فإن وقع مثل ذلك، ليس معناه على وجه لا يقدر أن يمنعه الله سبحانه وتعالى العظيم، بل لحكمة، يستدرج الكافرين والمجرمين، حتى إذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر سبحانه وتعالى. وكأنه يقول للكافرين -على ما تقدم من سخريتهم وأذيتهم- إنما نمهلكم، ونقدر على معاجلة عقوبتكم، ولكن لحكمة يؤجل ذلك. فهو الذي جعل هؤلاء يضحكون، وهو الذي قادر أن يجعلهم يبكون، فيعاجلهم بالعقوبة، فتمحوا تلك العقوبة. وأنه أمات -قال- في الدنيا، وأحيا -قال- للبعث. وهذا يحتمل على هذا الترتيب ما ذكره رحمه الله، ويحتمل -كما ذكر بعض المفسرين- أنه سبحانه وتعالى هو الذي يملك ذلك، سواء في الدنيا أو في الآخرة، أي جنس الموت والحياة. فهناك موت وحياة في هذه الدنيا، وهكذا كذلك في الدار الآخرة: حياة المؤمنين، وحياة الكافرين. وفي الآخرة لا يوجد موت، ولكنه يكون عذاب، وما يكون في البرزخ فهو كذلك ليس فيه معنى الموت الذي في الدنيا. فموت البرزخ على خلاف ما يعتقده المشركون، فإن الله عز وجل يحييهم حياة خاصة. والمقصود أنه كذلك تهديد ووعيد للكافرين. ولهذا قدم الموت قبل الحياة، وكأنه يقول لهم: إن الموت الذي تخافون وتفرون منه، الله العظيم يملكه، وقادر على أن يعاجلكم به؛ لأن ذلك كله بأمر الله، في يد الله. وقوله: «وأنه خلق الزوجين» قال: الصنفين، الذكر والأنثى. والمعنى: أن الأشياء المختلفة والمتضادة، الله الذي خلقها لحكمة. ومن ذلك الضحك والبكاء، والموت والحياة، كل ذلك لحكمة. وكما أنه خلق هذا الإنسان من نطفة، وتدرج في هذه الحياة، كل ذلك بحكمة الله سبحانه وتعالى. وكما أنه يعاجل من شاء بالموت وبالعقوبة، وكل هذا تذكير بعظمة الله سبحانه وتعالى، وواسع قدرته، وإحاطته بخلقه. وأنه أغنى وأقنى، كذلك هذه الأفعال المتضادة هي بيد الله عز وجل. وهذه يعلمها البر والفاجر، والمؤمن والكافر، إذا كان يؤمن بأصل وجود الله سبحانه وتعالى. فيعلم أن الذي خلق الخلق هو الله، والذي كذلك أمدهم بما يكون به استمرار حياتهم ونشأتهم هو الله. وأنه كذلك الذي وزع الأرزاق، فجعل هذا غنيًا، وهذا فقيرًا، هو الله. فإذا كان كذلك، فالمعنى: أنه قادر سبحانه وتعالى أن يعاجل الكافر والفاجر بما شاء من العقوبة، وأن يخصه بأحد هذه الأضداد بمقتضى معاني ربوبيته وإحاطته وقدرته. وكذلك فيه تسلية للمؤمنين والمسلمين؛ لأن التذكير بهذا تذكير بعظمة الله، وعظمة إحاطته وقدرته. وأنه رب الشعرى، قال: وكوكب. وبعضهم ذكر أن المقصود بالكوكب، وكل ما يدخل في معنى عموم هذا اللفظ، فيكون المقصود الكوكب في السماء، وكذلك ما يكون في الأرض مما يعبده المشركون، تشبيهًا بذلك الكوكب. فكل ذلك من مخلوقات الله، مقدورًا لله سبحانه وتعالى. فكيف تعبد من دون الله؟ بل واجب عبادة الله سبحانه وتعالى وحده. ولهذا سيأتي بعده -إن شاء الله- أنه يتوعدهم بعذاب كعذاب الأمم السابقة. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبي محمد وآله، سلام.