الدعوة السلفية والتحديات المعاصرة

الدعوة السلفية والتحديات المعاصرة

المحاضرة بعنوان الدعوة السلفية والتحديات المعاصرة، والتي كانت باستراحة الهداية بمنطقة كبد بدولة الكويت يوم الجمعة 6 جمادى الأولى 1446هـ الموافق 8 نوفمبر 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الدعوة السلفية وخصائصها

الدعوة السلفية هي الإسلام الصحيح الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، وهي شمولية لجميع جوانب الدين. السلفية هي اتباع طريق النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين.

دور العلم في الدعوة السلفية ومواجهة التحديات

الدعوة السلفية تحتاج إلى الاعتناء بالعلم النافع لمواجهة البدع والانحرافات، وتفاوت الناس في ثباتهم على الحق يعود إلى تفاوت مقدار العلم لديهم. يجب الاعتناء بالعلم ليحصن أهل الدعوة أنفسهم ومجتمعهم من الشرور.

مواجهة التحديات المعاصرة وترتيب الأولويات

يجب على المسلمين مواجهة التحديات المعاصرة مثل انتشار التقنيات الحديثة بضبط التعامل معها بضوابط شرعية، وترتيب أولوياتهم وفق الضوابط الشرعية، ومراعاة المصالح والمفاسد. يجب الرجوع إلى العلماء الربانيين لتمييز ذلك.

التفريغ النصي الكامل

والآن مع الجزء الخاص بالشيخ الفاضل ضيفنا الجليل الشيخ عبدالله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث في الفيوش والشحر في جمهورية اليمن الشقيقة. وشرفنا الشيخ، ونقول له: نحبك في الله. أسأل الله عز وجل أن ينفع به. وعنوان المحاضرة كما سبق بيان ذلك: الدعوة السلفية والتحديات المعاصرة. أسأل الله عز وجل أن يسدده في قوله وعمله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بزيارة آبائنا وإخواننا في هذه البلدة الطيبة المباركة، وفي هذه المنطقة المباركة، وعلى وجه أخص لإخواننا في هذه المؤسسة المباركة، مؤسسة هداية، ومن فيها من الإخوة والأحبة. ونشكر لهم جهودهم المباركة، وكذلك أعمالهم الخير النافع. نسأل الله عز وجل أن يجزيهم خير الجزاء. وبادئا لبدء أكرر الشكر، تبعا لما ذكر أخونا دكتور عارف حفظه الله تعالى، لهذه البلاد الطيبة المباركة، ومن فيها من الجهود المباركة العظيمة التي يقومون بها في خدمة الإسلام والمسلمين. وكذلك من هذه الحفاوة والإكرام الذي نرى آثاره في مثل هذه المجالس الطيبة المباركة. فجزى الله خيرا كل من كان سببا في هذا الخير، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي الجميع خير الجزاء. ونشكر كذلك أخانا الدكتور على ما قدم في مقدمته، ونقول له: أحبك الله الذي حببتنا فيه. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياه وإياكم من المتحابين والمتعاونين والمتناصرين في نصرة دينه وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها الأحبة، سمعتم موضوع هذه الكلمة والمشاركة في هذه الليلة، موضوع عظيم. وكما سمعنا في مقدمة أخينا دكتور عارف، هذا الموضوع قد طرقه الكثير من العلماء والدعاة والمشايخ والفضلاء. وحقيقة هو يتناول جوانب كثيرة: خصائص ومميزات، وكذلك أصول وفروع وضوابط، وكذلك تحديات خارجية وداخلية، وأوجه حلولها وعلاجها. وكل ذلك لا يمكن استيعابه وحصره في مثل مجلسنا هذا. ولكن حسبنا في هذه الدقائق المعدودات واللحظات اليسيرات أن نتذاكر أهم ما يمكن ذكره مما يعيننا على ما فيه الخير في حاضرنا ومستقبلنا، فيما يتعلق بدين الله عز وجل عموما، وما يتعلق بموضوعنا خصوصا. أيها الأحبة، الدعوة السلفية كما قال بعض أهل العلم، وذكر الإمام البربهاري رحمه الله تعالى في كتابه: «أنه كالسنة، السنة هي الإسلام، والإسلام هو السنة». فالسلفية هي السنة، والسنة هي السلفية، والسلفية هي الإسلام الصحيح، والإسلام الصحيح هو السلفية. الدعوة السلفية دعوة سلفنا الصالح، أخذ كما قال بعض أهل العلم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح، حين قال لابنته فاطمة: «أنت سلف لي». ومعناه: تبع. فالسلف تبع النبي صلى الله عليه وسلم، أثنى الله عز وجل عليهم في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، بل أمرنا الله عز وجل أن لا نأخذ الدين إلا بتدينهم وفهمهم. كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾. فالواجب على أهل الإسلام أن يأخذوا الإسلام الصحيح بما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية المشهور الذي في أوله: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت من العيون وجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فإنه سيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». رواه أهل السنن، حديث العرباض بإسناد صحيح. وهكذا في حديث عبد الله بن عمر المشهور عند ابن أبي عاصم والإمام أحمد بإسناد صحيح: «افترقت اليهود إلى 71 فرقة، وافترقت النصارى إلى 72 فرقة، وستفترق أمتي إلى 73 فرقة، كلها في النار إلا واحدة». جاء في رواية في هذه الرواية معناها صحيح، ويحسنها بعض أهل العلم، وفيها شيء من الضعف، ولكن معناها صحيح. قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». فالدين الحق هو باتباع طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابة الأخيار، ومن تبعهم بمن سار بسير هؤلاء الأخيار من التابعين واتباع التابعين. وجاء في الصحيحين كذلك عن عدد من الصحابة، عن أبي سعيد وجماعة: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». الحديث. هذه وغيرها تدلنا على أن السلفية هو هذا الدين الصاف النقي الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم. وأنه ثانيا يتناول كل هذا الدين: عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقا وسلوكا وآدابا. أن ندخل في هذا الدين من جميع جوانبه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. أن يدخلوا في هذا الإسلام من جميع جوانبه وأبوابه. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في الأحاديث السابقة أن الناس ستفترق في هذه الأمة، وأن الناجي من كان قد سار على طريقه وهديه كما سمعنا في الأحاديث المتقدمة. بل قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وأول المؤمنين ذكرا وقصدا في هذه الآية هم الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان. فأيها المسلمون عباد الله، السلفية هي الصفاء والنقاء، السلفية هي الثبات على ذلكم الأصيل الذي ترك لنا من تركة النبي صلى الله عليه وسلم. وثانيا السلفية الشمولية في هذا الدين التي تقتضي الدخول فيه من جميع أبوابه وجوانبه، لا أن نعتني بباب ونترك أبوابا أخرى. ثالثا: السلفية أيها الأحبة هو علم وعمل. ولهذا كان الإيمان كما جاء عن عدد من الأئمة: أنه قول وعمل، وفصل اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. فالإيمان أيها الأحبة هو شمولية هذا الدين بأن ندخل فيه من جميع جوانبه وجميع أبوابه. فإذا كان كذلك علمنا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، وأن السلفية هي الإسلام، والإسلام هو السلفية. فالإسلام الصافي النقي دون تغيير ولا تبديل هو طريق السنة، وهو طريق السلف الصالح. إذن ينبغي أن نفهم هذا، وأن ندين الله به، وأن نعمل به، وأن نوصله للناس. ولا شك أنه قد دخل في هذا الدين من التغيير والتبديل ما جعل الكثير من المنتسبين إليه على خلاف الصفاء والنقاء الذي كان عليه سلفنا الصالحون الذين هم خير قدوة لنبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. ونرى ذلك من خلال تلك الأحاديث الكثيرة التي بين فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما يحصل في هذه الأمة من الافتراق، منها تلك الأحاديث: حديث العرباض، وحديث عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن مسعود. خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا مستقيما وخطوطا عن يمينه ويساره، وقال: «هذا صراط الله، وهذه سبل الشيطان، على كل سبيل من الشيطان يدعو إليه». فإذن يا أيها السلفي، كيف يمكنك أن تسير على ذلك الصراط المستقيم وتلزم ذلك الدين القويم بغير علم؟ إذن من أول أولويات هذه الدعوة المباركة الاعتناء بالعلم. ومن ثانيا العمل به، وهو برهانه. وكما قيل: «العلم شجرة، والعمل ثمرة، والشجرة بدون ثمر لا فائدة منها». ولذلك ينبغي أن نبرهن أقوالنا وعلمنا بالعمل. ومما ينبغي أن يقرر في هذه التوطئة أن هذه الدعوة المباركة دعوة صفاء ونقاء، وقد جاء الكدر من خارجها، ليس منها، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتابعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله. وفي رواية: فارس والروم. قال: من القوم إلا هم». فالدخن دخل من الأمم السابقة، ومن غير أهلي هذا الدين. وعند ذلك حصل التغيير والتبديل. ولذلك لم يكن هناك بدع ومحدثات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر منها في كل خطبة، خطبة الحاجة. ومتى وقعت؟ وقعت حين كسر الباب الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، كما بحديث حذيفة عند مسلم، حين قال حذيفة لعمر: «دونك ودونها باب. قال: يكسر أم يفتح؟ قال: بل يكسر». وذلك أذن ألا يغلق بعد ذلك. وكان ذاك الباب هو عمر رضي الله عنه أرضاه. فحين قتل عمر بدأت الفتن، وظهرت البدع. وجاءت بدعة الخوارج التي بدأت في عهد عثمان رضي الله عنه أرضاه، ثم جاءت بدعة الرفض والتي بدأت في عهد علي رضي الله عنه أرضاه، ثم جاءت بدعة النصب والتي وقعت في عهد علي رضي الله عنه أرضاه. ثم ظهرت البدع بعد ذلك في العقائد، في الأسماء والصفات، وفي باب القدر، وغيرها من المباحث الكثيرة. لأجل أن نعرف أنه قد دخل في هذا الدين في جوانب كثيرة من البدع والمحدثات والانحرافات والضلالات ما يجعلنا أن نخاف أن نقع في تلك الضلالات والانحرافات والبدع والمخالفات، سواء كانت عقدية أو تعبدية أو معاملات أو أخلاق أو آداب أو سلوك أو منهاج أو غير ذلك. وما الذي يقي وينجي بعد فضل الله سبحانه وتعالى؟ الاعتناء بالعلم النافع والعمل الصالح. فلذلك من أول التحديات الداخلية التي ينبغي أن يعتني بها أهل هذه الدعوة المباركة الاعتناء بالعلم النافع. فإن ضعف الاعتناء بالعلم النافع سبب لحصول الضعف والخلل في ثبات الناس، وإيصالهم إلى هذا الإسلام الصاف النقي، وهي الدعوة السلفية. ولذلك تجد الناس متفاوتون في ثباتهم على هذا الحق والهدى، ومعرفتهم لهذه السلفية، بتفاوت هذا المقدار من العلم، مصداقا لقول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. المسلم بأصل فطرته على الإسلام الصحيح، لكنه إذا جاهل الإسلام الصحيح بقلة علمه، فإنه قد يقع في مخالفات عقدية، أو مخالفات دون ذلك في أمور تعبدية أو غير ذلك. فلذلك نحن نحتاج أن نعتني بالعلم عناية خاصة، يكون بها حماية هذه الدعوة وأهل الإسلام الصحيح من تلك الشرور والآفات الكثيرة التي ابتليت بها المجتمعات، وخصوصا في زمننا المعاصر. إذا كانت البدع في زمن الصحابة قد بدأت بذاك العدد القليل، فما بالك مع تراكم البدع والضلالات على مر هذه السنون؟ تمر السنون والأعوام، وتتراكم فيها من الضلالات ما يقتضي كثرة الشرور والآفات. وزد على ذلك تكالب أهل الباطل، وهذا من التحديات الخارجية التي سيشار إليها على وجه الاختصار. تكالبهم في إدخال هذه الشرور على أهل الإسلام. وهذا من قديم الزمان. الزنادقة الذين أدخلوا في هذا الدين ما ليس منه، سواء بالخلافات والصراعات والفتن، أو بالتحريف والتبديل. تعرفون ما فعله عبد الله بن سبأ عليه لعنة الله، حين فعل تلك الفتنة، وهو يهودي من أهل اليمن، منافق أظهر الإسلام وأضمر اليهودية، وفعل الذي فعل من الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه أرضاه. ولم يزل أمثال عبد الله بن سبأ إلى يومنا هذا، من يدخل في الدين ويطعن ويشوه فيه، ويثير الفتن والخلافات والصراعات. وهكذا كذلك من حرف وبدل، كذاك اليهودي الذي أراد أن يحرف القرآن، فكتب مجموعة من الأوراق من القرآن، وذهب ليبيعها في السوق، فاكتشفها المسلمون لأنهم حافظوا هذا القرآن، وتكفل الله بحفظه. حافظوه بلوظه ومعناه وحروفه، ما ترك شيئا من القرآن إلا حفظ. فسرعان ما رجعت إليه الأوراق أنها مزيفة. وهكذا ذاك الذي وضع أحاديث في الحلال والحرام، وجئ به ليقتل عند هارون الرشيد، فقال: «قد وعيت كذا وكذا حديثا». فقال له الجهابذة: عبد الرحمن بن مهدي، وفلان وفلان من أئمة الحديث. فنخلوا الحديث نخلا، وميزوا الصحيح من الضعيف. ولم يزل أمثال هؤلاء إلى زماننا هذا. ولكن بفضل الله سبحانه وتعالى، الله حافظ دينه. المقصود من هذا أيها الأحبة، ينبغي أن يكون هناك حمية في المجتمع، ليس على مستوى العامة وطلبة العلم، بل حتى على مستوى المشايخ والدعاة. أن يكون هناك حمية علمية يتبين بها أن هذا الدين قد يخترق، يخترق من خلال صناعة الخلافات والصراعات التي قد تكون داخل هذه الدعوة المباركة، من خلال بعض المنافقين الذين ربما يدخلوا هذه الخلافات والصراعات، أو من خلال بعض المقولات والمذاهب الردية التي تدخل كذلك بسبب جهل بعض أفراد هذه الدعوة ببعض تلك المقولات. وكلما كان الإنسان أكثر رسوخا، كان أكثر حيطة ومحمية وحصانة من تلك الشرور والآفات. فإن قال قائل: أن لنا أن نجعل أهل الإسلام وأهل السنة وأهل السلفية جميعا على مستوى واحد من العلم. يقال: صحيح، ليس هذا بالإمكان. لكن نبذل الجهد، ونجعل أصلا واحدا يعيننا على إيجاد هذا التحصين، وهو إجلال أهل العلم الكبار. فالرجوع إليهم صمام أمان لهذه الأمة. متى ما رجع الصغير والكبير إلى العالم، فإنه سيدخل نفسه بذاك الحصن الحصين، وسيحفظ نفسه في الصراط المستقيم، والدين القويم الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابة الكرام. متى ما جاء العام شيئا فرفع السماعة، وسأل: «يا شيخ، ما رأيك بهذا الحديث؟ يا شيخ، ما رأيك بهذه الجماعة؟ يا شيخ، ما رأيك بهذه المسألة؟ يا شيخ، ما رأيك بهذه المعاملة؟ ما حكم هذا الفعل؟». متى ما حصل مثل هذا الاستنصاح، فإن الإنسان في عافية وخير بإذن الله. ولهذا قال الله: ﴿فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. سؤال العلماء يعتبر من أعظم المسائل التي تحفظ به هذه الدعوة من التحديات الكثيرة التي تبتل بها. ولذلك ينبغي أن يعتنى بهذا الباب من قبل العلماء والدعاة والمشايخ، بتيسير طرق الاستفتاء. ومن قبل كذلك طلبة العلم وعامة المسلمين، التوعية بأهمية الاستفتاء. أن يعرف أنه فقير إلى الفتوى، ويحتاج أن يستفتي في أمور عقيدته وعبادته ومعاملته وأخلاقه وعباد وسلوكه ومنهاجه، حتى يحفظ نفسه على الدين القويم والصراط المستقيم، ويحصل نفسه من تلك الشرور والآفات التي ابتليت بها المجتمعات. أنت لا تدري، ربما يدخل عليك شيء بسبب مخلفات ما أنت فيه من مجتمع. إنسان حديث عهد بإسلام، تبقى عنده مخلفات. لكن بالعلم والسؤال والاستمرار في طريق الخير يرتقي في هذا الدين. كما قال الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. درجة درجة حتى تصل بإذن الله سبحانه وتعالى إلى أعلى الدرجات. هكذا تقع خلافات كثيرة في المجتمع، هذه الخلافات لا تدخل فيها بالعواطف، ولا بالمناطقية والقبلية والعنصرية. لكن زنها بميزان الشرع، وأرجعها إلى أهل العلم الكبار. كما جاء في مستدرك الحاكم وغيره، من حديث ابن عباس: «البركة مع أكابركم». الرجوع إلى الأكابر صمام أمان. الرجوع إلى أهل الاستفتاء والاستنباط حمية للمجتمع. ليس كل أحد يجوز له أن يخوض فيما يقع من أمور عظام في المجتمع. بل الواجب إرجاع هذا إلى أهله. وإذا جاءهم أمر من الأمن والخوف، أذاع به. ولو ردوا إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم. ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا. ومن هذه التحديات أيها الأحبة معف العمل بالعلم. نرى أيها الأحبة الفتور الذي دخل على الكثير من أهل الإسلام وأهل السنة وأهل الدعوة السلفية. تعال إلى المسجد في صلاة الفجر، تجد أكثر من يأتيه كبار السن، يمشي بعصا كما يقال: بثلاثة أرجل. فالقوة ليست قوة الجسد، ولكن قوة الإيمان والقلب. أين الشباب؟ أين صاحب النادي والجيم كما يقولون، الذي يرفع العضلات ما شاء الله؟ أين هذا؟ أين ذاك النشاط الذي كان في الملعب؟ أو كان في المسبح؟ ما سبب هذا؟ سبب هذا أيها الأحبة ضعف العمل بالعلم. ضعف العمل بالعلم من التحديات التي ينبغي أن نعتني بعلاجها، وإلا سنبتلى كما نرى اليوم من مظاهر الخلل. أبناء بعض المشايخ والدعاة غير متدينين، بعيدون عن التدين. مظاهر التدين غير موجودة. حالق لحية، مسبل ثوب، ربما مشغل للموسيقى، بعيد من المسجد، لا يصلي بعضهم والعياذ بالله. ما هو السبب؟ السبب تقصيرنا في العلم أولا، ثم بالاعتناء بالعمل ثانيا. يا أخي، حين تأتي إلى المسجد، ائتب ولدك معك. حبب إليه حب وتعظيم المسجد والصلاة. لا ترضى لنفسك أن تأتي إلى المسجد وتترك ولدك نائما على الفراش. رحمة به هذه الرحمة أفسدته. مروا أولادكم، جاء في السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». إذا ربيت ولدك على الصلاة من سبع سنوات، وشددت عليه في عشر سنوات، والله وبالله وتالله لن يبلغ سن البلوغ إلا وأعظم شيء في حياته الصلاة. إذا ربيت ولدك على تعظيم القرآن، وحب القرآن، وحفظ القرآن، لم يصل إلى سن البلوغ إلا وهو بإذن الله حافظ للقرآن. فحفظته بالقرآن. إذا حفظ القرآن، ودخل القرآن في قلبه، فأنت أعنته على حياة مستقيمة في هذه الدنيا، وأبرأت ذمتك عند الله سبحانه وتعالى. جاء في البخاري من حديث عثمان: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». لماذا نرى هذا العزوف عن حلق القرآن؟ لما نرى هذا الضعف والأمية المعاصرة في الكثير من الأبناء، بسبب زهد الكثير من الآباء رحمة ومبالغة في العاطفة، التي كانت سببا في هذا التفلت الذي ابتليت به الكثير من المجتمعات. فلذلك من الأمور التي تحتاج إلى معالجة الاعتناء بهذه التربية. التربية هي عمل، هي من العمل. التربية من العمل: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. كيف يتبع الأب بالإيمان إذا لم يعتني الأب بإيصال الإيمان إلى ماذا؟ إلى الأبناء. الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم، وما ألمنا عملهم من شيء. يعني: حتى ولو حصل النقص، جبر الله عز وجل هذا النقص إكراما للآباء. احرص كلنا يحرص، يا أيها الآباء، ويا أيتها الأمهات، على أن نكون ممن يحرص على العمل بالعلم. ومن ذلك الاعتناء بتربية الأبناء. وذلك سيعيننا بإذن الله تعالى على صلاح الأبناء. اجعل أكبر هم في حياتك إصلاح أبناءك، سواء كانت البنوة النسبية أو كانت البنوة العلمية. أنت يا صاحب الحلقة، يا إمام المسجد، يا خطيب المسجد، من تحتك تتحمل مسؤوليتهم بالأبوة. أنت أب لمن معك. الإمام أب للمأمومين، والخطيب أب لمن تحته، والشيخ أب لطلابه. فينبغي أن يعتني بهذه الأمانة، ويؤديها كما يحبها ربنا سبحانه وتعالى. وبعد ذلك أبشر بالخير، حتى لو حصل شيء من التقصير، سيجبره الله عز وجل لك. وانظر كيف صلاح الآباء يحفظ الأبناء. في قصة أصحاب الكهف، لما ذكر الله عز وجل في قصة الخضر مع موسى عليه الصلاة والسلام: حفظ لليتيمين المال بسبب صلاح من؟ الأباء. وكان أبوهما صالحا. صلاح الآباء كان سببا في حفظ الأبناء. وهكذا كذلك أيها الأحبة، من الأمور التي ابتليت بها هذه الدعوة المباركة وأهل الإسلام في هذا الزمن، هذه التقنيات الحديثة المعاصرة. صارت بلاء وامتحانا. الناس فيها طرفان ووسط. ولذلك يحتاج أن نعيد النظر في التعامل مع هذه الوسائل الذكية التي ابتليت بها مجتمعاتنا. اخترقت هذه الوسائل الذكية البيوت، اخترقت الأسر من خلال وسائل متنوعة كثيرة. هل نمنعها بالمرة؟ أو أننا نفتح الباب؟ أو أننا نضبطها بضوابط؟ لا شك أن الوسط هو الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. لكن الوسط ليس بالعواطف، ولا بالآراء، ولا بالأهواء. اسأل أهل العلم كيف يكون هذا الوسط؟ حتى تستعين بفتاوى أهل العلم على ضبط التعامل مع هذه الوسائل الذكية الحديثة. لا يصلح أن يأخذ الطفل الجوال، فيكون سببا في ضياع وقته، وانحراف سلوكه، وغير ذلك من الأخلاقيات التي تدخل عليه، فضلا عن الشباب الذين هم في سن الطيش. إذا كان صانعوا الأجهزة حدثوا شروطا وضوابط، وجعلوا هناك ضوابط للتعامل مع هذه الأجهزة وبرامجها في بعض الدول، وهي كافرة. تجعل سن للتعامل مع بعض التطبيقات، وسن للتعامل مع بعض الأجهزة. فكيف بنا ونحن أهل الإسلام؟ نحن أولى بأن نضبط هذا الباب بالموازين والضوابط الشرعية الصحيحة. فنحن معاشر الآباء والأمهات وولاة الأمور، نحتاج أن نضبط هذا الباب بالضوابط الشرعية. متى نعطي الأبناء هذه الأجهزة؟ وكيف نعطيهم؟ وكيف يكون التعامل معها؟ نحذر من الثقة المبالغ فيها التي بسببها سرق الكثير من المجرمين عفة بعض بناتنا، ودين بعض أبنائنا. اخترقوا هذه البيوت من خلال هذه الأجهزة. وهذا واقع، والعياذ بالله. وللأسف واقع. إذن هذا داء كبير يجب أن نقف معه وقفة، وأن نضبطه بالضوابط الشرعية التي بفضل الله هي موجودة في ديننا، وفي دعوتنا. وهكذا كذلك أيها الأحبة، من هذه التحديات: تحديات أمر الاعتناء بمعالجة فهم هذه الدعوة، وثوابتها، وأصولها، وترتيب أولوياتها. هذه الدعوة المباركة أيها الأحبة دعوة الله. والله عز وجل يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ونرجع إلى ما بدأنا منه. الرجوع إلى العلماء الكبار صمام أمان لترتيب هذه الأولويات التي عدم ترتيبها قد يكون سببا في حصول بعض النزاع، وحصول بعض الخلل، وحصول بعض الخلاف داخل أهل هذه الدعوة المباركة. لكن إذا رتبت هذه الأولويات بترتيبها الصحيح، بالمعايير الشرعية والضوابط المرعية التي دلت عليها دلالة الكتاب والسنة، حصل الخير لأفراد هذه الدعوة المباركة، ولعموم أهلها. إذن الواجب أن ننتبه لترتيب هذه الأولويات. ففي الدين ترتيب لهذه الأولويات، وفي الدعوة إلى الله، وفي كذلك تربية الأبناء، بل وفي حياتك أنت كمسلم. أنت كمسلم، وكإنسان سني وسلفي، ينبغي أن ترتب حياتك بهذه الأولويات، حتى تكون إنسانا متوازنا، معتدلا، حسا ومعنى. وإلا إذا لم تضبط نفسك بهذه الأولويات، الأولويات إما أن تنحرف إلى طريق التميع، أو إلى طريق الغلو. ودين الله بين الغالي والجافي. دين الله بين الغالي والجافي. فبسبب عدم ترتيب بعض الأولويات، انحرف بعض الناس إلى الغلو، فصار اعتناؤهم ببعض الأمور التي يوجد ما هو أهم منها، سببا للحصول للنزاعات الكبيرة التي سببها عدم ترتيب هذه الأولويات. فهناك أولويات ينبغي أن ننظر إليها. ولنا في ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس، وجاء من حديث معاذ حين أرسل معاذا وأبا موسى إلى اليمن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم في أول ما قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». فالأولوية هي العقيدة والتوحيد. وفي رواية الإمام البخاري: «أن يوحدوا الله، فإنهم أجابوك إلى ذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات، فإنهم أجابوك إلى ذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم». الحديث. الشاهد: هذا أصل من أصول كثيرة في ترتيب هذه الأولويات. وبسبب الجهل والأمية في هذا الباب، والناس تتفاوت في هذه الأمية، حتى بعض من ينتسب إلى العلم من صغار طلبة العلم، تحصل عنده أمية في ترتيب هذه الأولويات. فنشأ من ذلك هذا الغلو الذي تفرعت منه فرق في كل فترة: تأتي فرقة حدادية، ثم بعدها فرقة، ثم بعدها فرقة. وفي المقابل فرق انحرفت، سواء بالتوجه إلى المنهج السياسي والحزبيات المعاصرة، أو بالحزبيات المغلفة التي تسترت تحت الأعمال الخيرية، أو غير ذلك مما لا يخفى على العارفين. لكن العلماء ميزوا، بينوا وميزوا بين الصفاء والنقاء من غيره من الغثاء. وكل هذا يعيد لنا أهمية الرجوع إلى أهل العلم. وهكذا كذلك من هذه الأمور أيها الأحبة: مراعاة المصالح من المفاسد. فهو من معاني ما دعا إليه ديننا: أن تراعى المصلحة الكبرى فتتبع، والمفسدة الكبرى فتدفع. وهذا من ما دعا إليه في كتاب الله، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. انظر: سب آلهة المشركين، والتحذير منها، قرب إلى الله لأنه شرك وكفر. لكن إذا كان سيؤدي لمفسدة أكبر، وهو الوصول إلى ذات الله المقدسة، فتدرأ المفسدة لمفسدة أكبر منها. والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة في الصحيح، قال: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لا عدت البيت على أساس إبراهيم، ولا أنفقت كنزه في سبيل الله». ما الذي منع عليه الصلاة والسلام؟ وجود ما هو أولى منه. كون أن القوم حديث عهد بدخول في إسلام، وخروج من جاهلية. فمعرفة الزمان المناسب والمكان المناسب، وترتيب الأولويات، ومراعاة المصالح من المفاسد، من الأمور العظيمة التي ينبغي أن تراعى، وتنغلق به شرور كثيرة دخلت على بعض الأفراد والجماعات، بسبب عدم النظر إلى مثل هذه المعاني العظيمة. ونرجع من الذي يميز هذا؟ العلماء. فالرجوع إلى العلماء الربانيين صمام أمان في ترتيب هذه الأولويات، ومعرفة المصالح من المفاسد. فإن تكلموا تكلموا بعلم، وإن سكتوا سكتوا بعلم. فإذن الأخذ بغرزهم فيه الخير. ولنا فيما وقع في يوم الحديبية عظة وعبرة. يوم الحديبية، ظاهره صلح الغضاب على أهل الإسلام، فتوقف الكثير من المسلمين في الاستجابة للنبي صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن يتحللوا. والنبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك بوحي من الله، بل سمى الله عز وجل ذلك اليوم فتحا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. الشاهد من الحديث: أن عمر رضي الله عنه أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: «يا رسول الله، لما نعطي الدنية في ديننا؟ يا رسول الله، لما نعطي الدنية في ديننا؟» يعني: لماذا نرضى