طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 136

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 136

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 136، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكمة الله في ابتلاء العباد بالذنوب والمعاصي

يشرح المقطع حكمة الله في السماح للعباد بارتكاب الذنوب ثم التوبة منها، وتحفيز العباد على المبادرة بالتوبة وعدم اليأس. يبين أن الله يحب التوابين ويفرح بتوبتهم.

عواقب الذنوب والمعاصي ووجوب التوبة

يشرح حكم الله في وجود الذنوب والمعاصي، وكيف أن الإنسان إذا لم يستقم على أمر الله يجد العقوبة، ويبين أهمية اللجوء إلى الله والاستعاذة به من الشيطان ووساوسه.

التوجيهات الدينية والختام

يختتم الدرس بالتوجيهات الدينية بإظهار العلم الإلهي وتوجيه الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ويعبر عن الامتنان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال المشهد السابع: مشهد الحكمة، وهو أن يشهد حكمة الله في تخليته بينه وبين الذنب، وإقداره عليه، وتهيئة أسبابه له، وأنه لو شاء لعصمه وحال بينه وبينه، ولكنه خلى بينه وبينه لحكم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا الله. أحدها: أنه سبحانه يحب التوابين، ويفرح بتوبتهم، فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى على عبده بالذنب، ثم إذا كان ممن سبقت له العناية قضى له بالتوبة. ولا يعني ذلك التساهل بالذنوب والمعاصي والإصرار عليها، فالإصرار على الذنوب والمعاصي كبيرة وذنب آخر، ولكن المقصود أن الإنسان يجتهد في حفظ نفسه ومجاهدة النفس الأمارة بالسوء أن يقع في شيء من المعاصي والذنوب، فإن ابتلي أو سقطت نفسه وضعفت وزلت، فيجتهد بالمبادرة إلى التوبة. وحين يأتي هذا الندم لا ينبغي أن يدخل الشيطان في قلبه اليأس والقنوط، بل ينبغي أن يبادر بالتوبة، وأن يعلم أن لله حكمة، ومن حكمته مبادرته ومعاجلته بالتوبة؛ لأن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، الطهارة الحسية والطهارة المعنوية. فكما أنك لا ترضى ببقاء النجاسات في جسدك، وتحب أن يكون جسدك طاهرًا نظيفًا نقيا، فكذلك ينبغي أن تكون طاهرًا من الذنوب والمعاصي، وتطهر نفسك من هذه الذنوب والمعاصي بالتوبة وبتقوى الله. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أنفسنا الأمارة بالسوء. قال رحمه الله: الثاني: تعريف العبد عزة الرب تعالى في قضائه، ونفوذ مشيئته، وجريان حكمه. ووجه هذه: أن العبد يعرف أنه فقير ضعيف، ولولا فضل الله سبحانه وتعالى لهلك. فالهوان الذي يقع بسبب الذنب يعرف العبد بعزة الرب العظيم، وأنه حكم عدل. فإذا لم يستقم الإنسان على ما أمره الله، فإنه سرعان ما يجد عقوبة الله في الدنيا والآخرة. ومن العقوبة أن يخلي بين العبد وبين نفسه الأمارة بالسوء فيسقط ويذل. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمار وغيره: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري». فيعرف أنه ليس بين الله وخلقه نسب ولا صهر، بل الله عزيز يكرم من أتى بمعاني العبودية، ويعاجل ويخذل من ابتعد عن هذه المعاني العظيمة. قال رحمه الله: الثالث: تعريف حاجته إلى حفظه وصيانته، وأنه إن لم يحفظه ويصنه فهو هالك لا بد. والشياطين قد مدت أيديها إليه تمزقه كل ممزق. وأعظم تمزيق أن يمزق الإنسان بذنوبه ومعاصيه. تأمن لو كان لك عدو حسود يريد بك الشر، ماذا ستصنع لتحمي نفسك منه؟ ستجتهد أن لا يجد عليك مدخلًا يهينك فيه ويذلك وينقصك ويصغر مكانتك، حتى لا يتعالى عليك عدوك. فإذا كان هذا في أمر الدنيا، فكيف بأمر الآخرة وهو أعظم؟ وإذا كان هذا مع الإنس، فكيف بالجن وشياطينها؟ فهو أعظم وأعظم. ولهذا فنحن مؤمرون أن ندافع الشيطان ووساوسه وخطراته، وكذلك شهواته التي يعرضها ويفتن بها. قال: الرابع: استجلاب من العبد استغاثته به، واستعاذته به من عدوه وشر نفسه، ودعائه والتضرع إليه والابتهال بين يديه. العبد إذا ضعف التجأ إلى الله أعانه الله. يعني مثلًا إنسان عنده شهوة الجوع والطعام، فإذا كان هذا سيدفعه إلى أن يقع في الحرام، فيدعو الله: يا الله يا ربي، عافني مما ابتليتني به، يعني عنده ضعف في حفظ شهوة طعامه حتى لا يأكل الحرام، ولا يعتدي على الحقوق، ولا يضر حتى بصحته وجسده؛ لأن زيادة الطعام والشراب تضر بالجسد. فيدعو الله. وهكذا الذنوب والمعاصي، فمن وجد من نفسه الأمارة بالسوء ضعفًا يدفعه إلى الوقوع في بعض الذنوب والمعاصي، فينبغي أن يلتجئ إلى الله ويستعيذ به ويستغيث، ويبتهل بالدعاء والتضرع بين يديه. وكل هذه من حكم الله في وجود الذنوب والمعاصي أن يجدد العبد عبوديته بربه وخالقه، والابتهال واللجوء إليه. قال رحمه الله: الخامس: إرادته من عبده تكميل مقام الذل والانكسار، فإنه متشهد صلاحه واستقامته شمخ بأنفه وظن أنه وأنه. فإذا ابتلاه بالذنب تصاغرت عنده نفسه وذلت، وتيقن أنه وأنه. والمعنى: حتى لا يغتر أحد بطاعة، فإن الإنسان إذا استمر في الطاعات زهت نفسه وتعالت، وربما نظر إلى الآخرين أنهم أنجس أو أقل، وهو الطاهر المعصوم. ولكن إذا ابتلاه الله بالذنب شعر أنه كذلك مقصر وناقص وفقير إلى ربه وخالقه، فينكسر عنده ذات الزهو والعلو، ويعرف قدر نفسه، فلا يزال يعالجها بالتوبة والتضرع والخضوع واللجوء إلى الله، بما يتحقق معه عبودية صافية نقية من كل شوائب الكبر والخيلاء والتعالي. وهذا لا شك من أعظم الحكم في وقوع التقصير من العباد، حتى لا يغتر أحد بنفسه، ولا يتعالى على عباد الله وخلقه. قال رحمه الله تعالى: السادس: تعريفه بحقيقة نفسه وأنه الظالم الجاهل، وأن كل ما فيها من علم أو عدل أو خير فمن الله منة عليه لا من نفسه. وهذا لا يصل إليه إلا حين يرى كيف أن نفسه الأمارة بالسوء تسقطه في الرذائل، وكذلك ما فيه مذلة ومنقصة. فعند ذلك يعرف أن كل خير جاءه إنما هو من الله، وأما نفسه فهي أمارة بالسوء، لو تركها وما أرادت لأهلكته وأهانته. ولولا فضل الله لما أعطى الإنسان من علم ودين وعقل، لصار الإنسان أشد جرمًا من الحيوانات والبهائم؛ لأنه عنده من الذكاء ما هو أعظم من الحيوانات. ولذلك قد يصلط نفسه لما أمارة بالسوء في الشر. ولذلك تجد من ضل من بني آدم أشد جرمًا من جرم الحيوانات. الحيوانات ما تفعل ما يفعله بنو آدم إذا طغوا وبغوا. طغيان وبغي الإنسان أعظم من طغيان وبغي الحيوان؛ لماذا؟ لأن الإنسان عنده من وسائل الإمكان ما يستعين بها على زيادة الشر والفساد. ولهذا كان من حكمة الله أن أنزل الكتب وأرسل الرسل، وجعل الشرائع والأديان، وجعل كذلك للإنسان العقل الذي يحجزه وينصفه من نفسه الأمارة بالسوء إذا هو أنصف نفسه. طيب، نقف إلى هنا ونترك الباقي بدرس آخر. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا.