طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 57

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 57

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 57، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الإيمان بالقدر ومراتبه

يشرح الشيخ مفهوم الإيمان بالقدر خيره وشره، ويبين مراتبه الأربعة مستندًا إلى حديث ضعيف الإسناد لكن صحيح المعنى. الإيمان بالقدر مهم لتحقيق تقوى الله.

أدلة السنة على الإيمان بالقدر وطلب الهداية

ذكر الشيخ عدة أحاديث نبوية تثبت الإيمان بالقدر وتؤكد أن الهداية بيد الله تعالى. العبد يعمل ويطلب عون الله وفضله وتوفيقه للهداية.

الهداية والعمل والعون الإلهي

الهداية من الله لا تتعارض مع عمل العبد، بل الله يهدي من يسلك سبيله ويتكفل بإعانتهم. من أعرض عن ذكر الله يعاقب بضنك المعيشة.

صحة معنى الحديث الضعيف وتأكيده بأدلة أخرى

المقطع يتناول ضعف حديث معين لكن يؤكد صحة معناه بفضل أحاديث أخرى. المعنى يرتبط بأحاديث في أدعية النبي لطلب الإلهام بالرشد والوقاية من الشر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: وأن محمدًا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم، رحمه الله تعالى، بكتابه طريق الهجرتين وباب السعادتين: قال، وقال علي بن الجعد: حدثنا عبد الواحد بن سليم، وعبد الواحد بن سليم قال: عن الإمام أحمد: منكر الحديث، كما شُرح بالتعليق: ضعيف. قال عبد الواحد بن سليم البصري: عن عطاء بن أبي رباح قال: سألت ابن عباس: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: جعل يقول: يا بني، اتق الله، وعلم أنك لن تتق الله. قال: يقول: يا بني، اتق الله، وعلم أنك لن تتق الله، ولن تبلغ العلم حتى تعبد الله وحده، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: قلت: يا أبتي، كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير هذا دخلت النار. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: ما أكتب؟ فجرى تلك الساعة بما هو كائن إلى الأبد». وهذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، ولكن معناه صحيح، وبعض ألفاظه صحيحة من غير حديث عبادة، وبعضها صحيحة من نفس حديث عبادة بشواهد ومتابعات. كآخر الحديث بقوله: «أول ما خلق الله القلم»، فقد جاء من حديث عبادة وغيره، ويرتقي به للحسن. والشاهد منه هو هذه الجمل الثلاث التي فيها ما يتعلق بالقدر. الأول: وصية عبادة، والتي فيها الإيمان بالقدر خيره وشره، وهو سر الله سبحانه وتعالى. وتفسير الإيمان بالقدر بأن يعلم أن ما أصابك لم يكن يخطئك، إلى آخره. وهذا كذلك من القدر كما تقدم معنا. والثالث: في أمر الكتابة «أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، فقال: ما أكتب؟ فقال: فجر تلك الساعة بما هو كائن». في حديث الآخر: قال: «اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة»، أو قال: «إلى الأبد». وهذا كذلك فيه مرتبة من مراتب القدر، وهو أمر الكتابة. وقد صح معناه في أحاديث كثيرة من الكتاب والسنة. فلا يتم الإيمان بالله حتى يتم الإيمان بالقدر بمراتبه الأربعة. قال رحمه الله تعالى: وذكر الطبري من حديث بقية قال: حدثنا أبو بكر العنسي، وهو ضعيف كما أشار بالتعليق، وأشار كذلك غير واحد من الأئمة إلى ضعف الحديث، قال: عن يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن يزيد قال: حدثنا نافع عن ابن عمر: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لتزال نفسك بكل عام وجعة من تلك الشاة المسمومة التي أكلتها؟ قال: «ما أصابني من شيء منها إلا وهو مكتوب علي، وآدم في طينته». وهذا الحديث كذلك بهذا الإسناد ضعيف، لكن معناه صحيح. فحديث الشاة المسمومة ثبت في الصحيح، وفي عدة أحاديث. وكذلك كون الأمر مكتوب وآدم في طينته، فقد صح معناه كذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إن سئل: متى كتبت نبيًا؟ فأخبر في بعض الروايات أنه هو آدم في طينته. ومعناه أن أمر الكتابة كان قبل خلق آدم، فالله عز وجل أمر بكتابة ما يكون، كيف يكون، يوم يكون، قبل أن يخلق السماوات والأرض. وهذا من الإيمان بالقدر. قال رحمه الله تعالى: وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿الحمد لله نحمده ونستعينه من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله﴾. وهذا كذلك فيه الإيمان بالقدر، وذلك في قوله: ﴿من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له﴾. فالهداية من الله، ومن ضل كذلك بما كان من الله سبحانه وتعالى. وهذا لا ينافي عمل العاملين كما تقدم. قال: وفي الصحيحين أيضًا عن زيد بن أرقم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم آتي نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها». وهذا كذلك فيه الإيمان بالقدر. ووجهه أن الله عز وجل هو ولي هذه الأنفس ومولاها، فما كان من تقوى فمن الله، وما كان من زكاة فمن الله، ولكن لا ينافيه عمل العاملين. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾. ومعنى أن فعل التزكية والتدسية يكون بفعل العبد، ولا ينافي فعل العبد إرادة الله سبحانه وتعالى كما تقدم. قال: وفي صحيحيه أيضًا عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: «اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئة الأخلاق، لا يصرف عني سيئة إلا أنت». وهذا كذلك في الإيمان بالقدر، فالله عز وجل هو الهادي، وهو الصارف سبحانه وتعالى. يصرف ويهدي، ولا ينافي عمل العاملين، بل العبد يعمل ويطلب عون الله سبحانه وتعالى وفضله وتوفيقه وتزكيته. فبغير فضل الله وتوفيقه وتزكيته لا يوفق العبد. ويضرب بهذا مثل: ولله المثل الأعلى، فإن كان هناك من يريد أن يصل إلى الهدف، ولكنه لا يحسن من يوجهه إلى الهدف إلى الطريق، فإذا أعين بأن يرشد إلى الطريق فإنه سيصل في أقصر طريق وأسلم طريق بالإرشادات التي تصل إليه. فإذا انقطع هذا الإنسان عن الإرشادات فإنه إن وصل فسيصل بعناء، وسيصل كذلك بمخاطر ربما. فإذا كان هذا في طريق الدنيا الحسي، فكيف بالطريق إلى الله سبحانه وتعالى؟ ولهذا أرسل الله عز وجل الرسل، وأنزل سبحانه وتعالى الكتب ليدل الناس على طريق الخير والسلامة والنجاة. بل وتفضل الله سبحانه وتعالى بأن تكفل بإعانة من سلك سبيله، وأخذ بطريقه هدايته. والذين اهتدوا ماذا زادهم؟ هدى. وهكذا كذلك المثل بالمثل: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا نسوا الله فنسيهم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. فهذا هو طلب الهداية من الله. أنت تطلب بلسان ماذا؟ الحال وبلسان المقال. بلسان المقال بأن تدعوه، وهو العظيم المتعال جل وعلا، فيجيبك ويعينك. وبلسان الحال بأن تسلك سبيله وطريقه الذي أحبه لك. فإذا فعلت أمدك بعون آخر وتوفيق آخر. بل لو أنك زللت لحفظك سبحانه وتعالى، لأنك حفظت: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك». ربما يكون الإنسان متعبًا من الليل فينام، ويجعل الأسباب للاستيقاظ فلا يسمع هذه الأسباب لتعبه، لكنه يجد كأن أحدًا يوقظه، كأن أحدًا يوقظه، فما يدر إلا ويقوم فزعًا. ولم تتفر الصلاة. كيف حصل هذا؟ هذا تحقيق لقول الله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك». هذا تحقيق لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾. الحسنى بالدنيا، وكذلك بالدار الآخرة. وهذا من معنى قول الله، قول النبي صلى الله عليه وسلم: بدعاء «اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت». إذا لم يأخذ الإنسان بأسباب هذه الهداية لم يرزق التوفيق لها، وإذا أخذ بأسبابها فإنه يرزق التوفيق لها. ولذلك فأنت مأمور أن تصاحب الأخيار، وأن تبتعد عن مصاحبة الأشرار. «المرء على دين خليله»، بل ينظر أحدكم من يخالط. تريد سيئة الأخلاق أو لا تريدها؟ إن كنت لا تريدها فلا تصاحب أهلها. إذن للعبد فعل، وهو يحاسب عليه. وهكذا قال رحمه الله: في الترمذي والمسند من حديث عمران بن حسين: أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أباه هذا الدعاء: «اللهم الهمني رشدي، وقيني شر نفسي». والحديث ضعيف، ومعناه صحيح بأحاديث أخرى. والشاهد أنه يطلب الإلهام بالرشد، والوقاية من الشر من الله سبحانه وتعالى وحده، وأنه هو الموفق. ومعناه بالحديث الذي قبله، وغيره من الأحاديث في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم. طيب. والله تعالى أعلم.