شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 34

شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 34

الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 34، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

حكم صيام أيام التشريق وأدلة التفصيل والاستثناء

يستعرض المقطع الخلاف الفقهي حول صيام أيام التشريق (11-13 ذو الحجة)، موضحاً أن الراجح تحريم صيامها لكونها أيام أكل وشرب وذكر، إلا للحاج الذي لم يجد الهدي استناداً لأحاديث عائشة وابن عمر. ويبين أن الترخيص مقيد بصورة محددة ولا يعم سائر الصائمين.

تحريم صيام التشريق مطلقاً ومشروعية يوم عاشوراء

يؤكد المقطع أن أيام التشريق أيام عيد لا يجوز صيامها حتى لمن عليه قضاء أو كفارة، ثم ينتقل لبيان مشروعية صيام يوم عاشوراء وتاريخ تشريعه. ويوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر به مخالفة لأهل الكتاب.

فضل عاشوراء وتطور حكمه من الوجوب إلى الندب

يذكر المقطع فضيلة يوم عاشوراء الذي نجى الله فيه موسى وقومه، وأن صيامه كان واجباً في أول الإسلام ثم نسخ فرضه بوجوب رمضان فصار مستحباً مكفراً لسنة ماضية. كما يشرع صيام تاسوعاء معه مخالفة لليهود.

حكم من علم بدخول رمضان بعد الزوال والقياس على عاشوراء

يبين المقطع أن من لم يعلم بدخول رمضان إلا بعد الظهر يمسك بقية يومه ويجزئه صومه بلا قضاء، مستدلين بقصة صيام عاشوراء حيث لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء عند ثبوت اليوم نهاراً. ويرجح ابن حزم وابن القيم سقوط القضاء عمن علم بعد الزوال.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، ومشهده لا إله إلا الله، وعنده وإستريف له، ومشهده من محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. من أبعد قال المصنف رحمه الله تعالى: باب صيام أيام التشريق. قال الله عبد الله: قال لي محمد بن مهتنى، قال: حدثنا يحيى، عن إسرائيل، قال: أخبرني أبي، كانت عائشة... كانت عائشة رضي الله عنها تصوم أيام منا، وكان أبوه يصومها، وكان أبوه يصومها. وقال أيضا: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت عبد الله بن عيسى، عن الزهري، وعن عائشة، وعن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهم، قال: لم يرخص في أيام التشريق أن يصوم إلا لمن لم يجد الهدي. وقال أيضا: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هدياً ولم يصم صام ثلاثة أيام منه. وعن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: نفله وتابعه. وعن ابن شهاب: هذا الوقت في صوم أيام التشريق. وأيام التشريق هي يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. هذه أيام التشريق، في ثلاثة الأيام التي بعد يوم النحر. وقد اختلفت أرباب العلم في حكم صوم هذه الثلاثة الأيام، فمنهم من رخص في صومها، ومنهم من منع، ومنهم من فصل. فالطيب التفصيل، والراجح ما هو هذا التفصيل: أنه لا يجوز صومها إلا لمن لم يجد الهدي. فمن كان حاجاً ولم يجد الهدي فقد رخص له أن يصوم الثلاثة الأيام التي فرضها الله عز وجل على المتمتع أن يصومها في أيام التشريق. هذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم. ودليل المانعين من صومها: حديث نبيشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل». وأيضاً حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «هذه الأيام التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإفطارها ونهى عن صومها»، يعني أيام التشريق. فهذان الحديثان يدلان على منع صيام أيام التشريق. وأما الدليل على التفصيل فهو هذا الحديث الذي بين أيدينا: حديث عائشة، وحديث ابن عمر: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي». معلم أن هذا التركيب «لم يرخص» أو «لم يأمر» يدون على أنه معروف على وجه واضح عند أهل العلم. فقول الصحابيين: «لم يرخص»، من الذي يرخص؟ من الذي أمر؟ هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لهذا الحاصل أن أيام التشريق من أيام العيد، كما جاء في حديث عقبة: «أيام العيد: يوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق». تعودنا معشر أهل الإسلام، فأيام التشريق لا يجوز صومها، لا يجوز صومها حتى الذي عليه صوم من شهرين متتابعين مثلاً، عليه كفارة القتل، أو عليه كفارة الظهار، أو عليه قضاء رمضان، أو عليه صوم متتابع، فلا يجوز أن يصوم في أيام التشريق، بل يجب عليه أن يفطر في العيدين، وعلى أن يفطر أيام التشريق. ثم قال المصنف رحمه الله: باب صيام يوم عاشوراء. قال: حدثنا أبو عاصم، عن عمر بن محمد، عن سالم، عن أبيه رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يوم... قال: يوم عاشوراء، نعم، نعم، قال: يوم عاشوراء، إن شاء صام». وقال أيضا: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام، ومن شاء أفطر. وقال أيضا: حدثنا عبد الله بن مسلم، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها وأنها قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صام وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صام، ومن شاء تركه. وقال أيضا: حدثنا عبد الله بن مسلم، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما يوم عاشوراء يخطب على المنبر، يقول: «يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر». وقال أيضاً: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا عبد الوارث، عن أيوب، عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فوجد اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: «فأنا أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه. وقال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا أبو اليمان، عن أبي عميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: كان يوم عاشوراء تعده يهود عيداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فصوموه أنتم». وقال: حدثنا عبد الله بن موسى، عن ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم يفضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان. وقال أيضاً: حدثنا المكي بن إبراهيم، وقال: حدثنا يزيد بن عبيد، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم أن يؤذن في الناس: «من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء». هذا آخر ترجمة، وآخر باب ذكره الشيخ، وخار وخار الله في كتاب آخر، فيقول: باب صيام يوم عاشوراء. معلوم أن يوم عاشوراء هو يوم العاشر من المحرم. يوم عاشوراء هو يوم العاشر من المحرم، وهذا يوم عظيم وفضيل. وفي هذا الحديث أنه يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم، فكانت قريش تصوم هذا اليوم، من أين أخذوا هذا الصوم؟ لأنهم أخذوه من بقايا ملة إبراهيم، أو أخذوه عن أهل الكتاب، أو شيء من ذلك. وأيضاً اليهود كانوا يصومون يوم عاشوراء لأنه يوم عظيم عندهم، في يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. فقدم النبي صلى الله عليه وسلم، وجد اليهود يوم عاشوراء، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيامه، وصامه. يوم عاشوراء يوم فضيل، وقد ذكر وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صومه يكفر السنة الماضية، أن صومه يكفر السنة الماضية، كما روى مسلم حديث أبي قتادة. فيشرع صوم يوم عاشوراء، وفي حديث آخر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع»، فتشرع المخالفة لليهود، فيشرع صوم يوم تاسوعاء، يوم التاسع من المحرم، أيضاً يشرع صيام مخالفة لليهود، وإلا فالأجر يناله الصائم بصومه يوم عاشوراء. يوم عاشوراء هذا الذي فيه الفضل. وفي هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان من شاء يصومه، ومن شاء أن يفطر. هذا يدل على أن عاشوراء حينما فرض، أو حينما أمر به في أول الأمر، كان على سبيل الوجوب، كان واجباً عليهم صومه يوم عاشوراء، فلما فرض الله عز وجل صيام رمضان صار مندوباً، صار مندوباً. هذا فيه مشروعية الصوم يوم عاشوراء. ومقصد من هذه الأحاديث التي ذكرناها من صنف أيضاً: من هذه الأحاديث يعني أن يوم عاشوراء كان واجباً، مع ذلك فمع الصحابة لم يعلموا بأن هذا اليوم عاشوراء، فأصبحوا ومفطرين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإمساك في ذلك اليوم، ولم يأمرهم بالقضاء، مع أنه كان واجباً. فنستفيد من هذا أن من لم يعلم بدخول رمضان إلا بعد الظهر، فيمسك بعد الظهر، بأن هذا اليوم من رمضان، وإن كان أصبح مفطراً، فلا يطالب بزيادة على الإمساك في ذلك اليوم، ويتم صومه، وصومه صحيح، ولا يطالب بقضاء ذلك اليوم. بل ذهب بعض العلماء، منهم ابن حزم، ورجحه العلامة ابن قيم، إلى أن من لم يعلم بأن هذا اليوم رمضان إلا بعد زوال الشمس، فلا قضاء عليه، واستدلوا بقصة صوم عاشوراء، فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء ذلك اليوم. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا، واشهد الله، واشتركوا في القناة.