المحاضرة بعنوان التمسك بدين الإسلام، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يبرز الشيخ عظمة نعمة الإسلام وكمالها، محذراً من أعداء الأمة كاليهود والنصارى والشيطان وأهل البدع. ويؤكد أن العزة والسعادة لا تتحقق إلا بالتمسك الصادق بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما فعل السلف الصالح.
يؤكد الخطيب أن عز الأمة وشرفها يكمن في التمسك بدين الله والاهتداء بالصراط المستقيم. ويحذر من الشرك والجهل الذي يؤدي لعبادة القبور والاستغاثة بالأموات، مبيناً أن دعوة أهل السنة دعوة سلمية شاملة تصلح جميع شؤون الحياة.
يبيّن المقطع أن مشركي قرة أقروا بربوبية الله لكنهم أشركوا به باتخاذهم وسائط وشفعاء، وأن سبب الشرك والانحراف هو الجهل بدين الله. ويؤكد أن العلاج الوحيد هو الإقبال على تعلم العلم الشرعي ونشره للتمييز بين التوحيد والشرك والسنة والبدعة.
يختتم المتحدث كلامه بالتأكيد على أن الله سميع الدعاء، ويحمد الله رب العالمين. ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: التمسك بدين الإسلام، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ما أعظم هذه النعمة يا عباد الله! أن يوفق العبد إلى الاعتصام بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ما أجلها من نعمة، وما أعظمها من منة! أن الله تبارك وتعالى يوجدك في بيئة مسلمة لا ترى فيها منافسة بين صومعة وكنيسة، بين مسجد وكنيسة، بين مسجد وصومعة، بل الدين لله. تسمع الأذان بأعلى الأصوات، وترى الجماعات في المساجد، وترى الإقبال على دين الله. نعم عباد الله، نعمة عظيمة تتصل سعادتها في الدنيا والآخرة. فمن وفقه الله عز وجل لدين الإسلام وإلى سنة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه يحيى في هذه الدنيا حياة سعيدة وحياة كريمة، يعيش سعيداً ويموت شهيداً أو يموت حميداً، ويبعث يوم القيامة آمنا. نعم عباد الله، هذا الدين العظيم دين الفضائل والحسنات والخيرات، منّ الله عز وجل به علينا واختاره لنا وكمله لنا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فاحمدوا الله عز وجل عباد الله إذ وفقكم إلى هذا الخير، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، لا بحول منكم ولا قوة، فالله عز وجل يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وله الحكمة البالغة. فسألوا ربكم عز وجل الثبات على هذا الدين، سألوا ربكم تبارك وتعالى المزيد من الفضل، سألوا ربكم عز وجل العصمة من الفتن. نعم عباد الله، إنك أيها المسلم مغبوط على هذا الخير، مغبوط على هذه النعمة. لك أعداء كثير من اليهود والنصارى، والشيطان وجنوده وأعوانه، وأهل الشبهات وأهل الشهوات. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم مخبراً عن هذا الشيطان الرجيم أنه قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾، وهو القائل: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وهكذا يخبرنا الله عز وجل عما تكنه صدور اليهود والنصارى من الغل والحقد والحسد على أمة الإسلام: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. وهكذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. فهكذا عباد الله، المسلم على خطر عظيم بسبب وسائل الإعلام الفاسدة، بسبب انحراف كثير من الناس، بسبب تواجد أهل البدع والأهواء، بسبب تواجد أهل الشهوات والفتن. فأنت على خطر عظيم، أنت على خطر عظيم يا عبد الله، إلا إذا اعتصمت بما جعله الله عز وجل لك عاصماً، وهو كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا سعادة لنا عباد الله، ولا عزة ولا كرامة بمبادئ ومناهج وطرق وسبل غير طريق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فاحرصوا عباد الله على أن تغتنموا فضل الله، وعلى أن تصلوا إلى رضوان الله، وعلى أن تكونوا من أهل رحمة الله عز وجل. وليس ذلك بالأماني، وليس ذلك بالوظائف، وليس ذلك بالأموال، وليس ذلك بالقبائل والعشائر، وليس ذلك بالأنساب، وإنما بالتمسك الصادق والرجوع الصحيح إلى دين الإسلام، نعمل به عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقاً وآداباً وسلوكاً. فالله عز وجل أكرمنا بدين عظيم اشتمل على جميع ما اشتملت عليه شرائع الأنبياء والمرسلين، فهو خاتمتها وهو خلاصتها، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. نعم عباد الله، لن نصل إلى ما وصل إليه أسلافنا من السعادة والشرف والسؤدد والرفعة والعزة والكرامة، إلا عباد الله إذا فعلنا مثل ما فعل أولئك الأخيار وأولئك الأسلاف. فالله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أمة ليست لها قيمة ولا وزن عند أمم أهل الأرض، فلما تمسكوا بدين الإسلام، لما رجعوا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رفعهم الله وأعز شأنهم ورفع ذكرهم، وجعلهم قادة الأمم في العقيدة وفي العبادة وفي العلم وفي الأخلاق وفي المنهاج. نعم عباد الله، لا تشرف هذه الأمة بنسب ولا بمال ولا بمدنيات ولا بحضارات، إنما شرفنا وإنما كرامتنا وإنما عزنا عباد الله أن نغتنم فضل الله، وأن نرجع إلى دين الله، وأن نزهد في الدنيا، وأن نقبل على الآخرة، وأن نتمسك بديننا، وأن نحرص على البعد عن صراط المغضوب عليهم والضالين. فنحن نقرأ في جميع صلواتنا فنقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. اهدنا الصراط المستقيم، ما هو صراط المستقيم عباد الله؟ إنه صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، صراط الذين من الله عليهم بالعلم النافع والعمل الصالح. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. المغضوب عليهم: الذين عرفوا الحق ثم اتبعوا الأهواء، وهم اليهود، وكل من آتاه الله عز وجل علماً ثم لم ينتفع بهذا العلم، ولم يستفد من هذا الهدى، ولم يستفد من هذا الخير. ولا الضالين: الذين عموا عن الحق، وعبدوا الله عز وجل على الجهل. فاحمدوا الله عباد الله، احمدوا الله عباد الله إن وفقكم إلى دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الدعوة المباركة التي تعتني بإصلاح العقيدة، والتي تعتني بإصلاح العبادة، والتي تعتني بإصلاح القلوب، والتي تعتني بإصلاح الأخلاق والآداب. الدعوة والمنهاج: دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي نفع الله عز وجل بها أهل اليمن. أين كان أهل اليمن قبل أربعين سنة، وكيف حالهم اليوم بفضل الله عز وجل، لما انتشرت هذه الدعوة المباركة في المدن والقرى والبوادي، وعلى رؤوس الجبال، وفي بطون الأودية؟ جعلها الله عز وجل دعوة خير ودعوة أمن ودعوة عزة وكرامة، ودعوة ألفة ومحبة، ينتفع بها الراعي وينتفع بها الرعية. نعم عباد الله، ليست دعوة أهل السنة دعوة ثورات ولا انقلابات ولا تفجيرات ولا تكفير ولا فتن، وإنما هي دعوة سلمية ودعوة هادئة تنطلق من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله، تدعو الأمة أجمع إلى الرجوع إلى دينها، وإلى التمسك بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم في جميع مجالات الحياة. ليس ديننا عباد الله محصوراً على صلوات أو على زكوات أو على حج وعمرة، بل ديننا يشمل جميع جوانب الحياة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، هكذا يقول الله عز وجل. ويقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. في ديننا حل لجميع مشاكلنا، في ديننا الرفعة لنا في الدنيا والآخرة، في ديننا جميع ما نحتاج إليه في جميع أمورنا. فعلينا عباد الله أن نلزم طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا سبيل النصر، وهذا سبيل السلامة والنجاة. فإن كثيراً من أفراد الأمة يعيشون في جهل بسبب جهلهم. عبدوا القبور من دون الله، بسبب جهلهم ذبحوا لغير الله ونذروا لغير الله، وانتجعوا إلى من صار رفاتاً ومن صار تراباً، من لا يملك نفسه قليلاً ولا كثيراً، فعبدوهم من دون الله، طلبوا منهم المدد والولد والشفاء والعافية: "يا مدد، يا عيدروس مدد، يا هاشمي مدد، يا جيلاني مدد، يا أبا قير مدد، يا ابن علوان مدد، يا حسين يا حسن مدد، يا رسول الله مدد". وهكذا، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. لا تدعان. نعم عباد الله، بسبب الجهل بالدين، يريد كثيراً من المسلمين أن يجمعوا بين الإيمان والكفر، بين التوحيد والشرك. نعم عباد الله، الله عز وجل يقول في كتابه الكريم مخبراً عن حال هؤلاء المشركين: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾، ﴿وَلَا تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ويقول الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. انظروا عباد الله إلى حجة المشركين الأولين: إذا توجهوا بعباداتهم إلى غير الله سبحانه وتعالى، وأنكر عليهم، كان جوابهم: نحن لا نعتقد فيهم أنهم ينفعون أو أنهم يضرون، أو أنهم يخلقون، أو أنهم يرزقون. لا نعتقد فيهم أنهم هم الذين خلقوا، أو هم الذين أنزلوا المطر، أو هم الذين أنبتوا الزرع، أو هم الذين ملأوا الزرع. وإنما كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. ويقول الله: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾. إذن هم أقروا بكثير من أفراد الربوبية، ولكن كان شركهم بسبب أنهم يقولون: هؤلاء مكانة عند الله، وهؤلاء منزلة عند الله، ونحن مذنبون ونحن مقصرون، فنتخذهم وسائط بيننا وبين الله، نرفع حوائجنا إليهم، ثم هم يرفعون حوائجنا إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وهكذا كثير من أفراد هذه الأمة وقعوا في الشرك الصريح بسبب جهلهم، ويسمون هذا الشرك الذي لأجله بعث الله عز وجل الأنبياء والمرسلين لمحاربته، يسمونه بغير اسمه: سموه شفاعة، وسموه توسلاً، وسموه محبة للصالحين. وهذا لا ينفع عباد الله، فالعبر بالمعاني والحقائق، وليس بالمظاهر والألفاظ. لو سموا الخمر بغير اسمها، أليغتر كثيراً من الناس؟ من يسمي الخمر بأنها مشروب روحي، أو يسمي الزنا بأنها صداقة، ويسمي الربا بأنها فائدة حلال، وهكذا من هذه المغالطات. هذا لا ينفع. فع علينا عباد الله أن نحرص على أن نتمسك بديننا. كيف يكون التمسك لننجو من هذه الفتن وهذا المفاسد وهذا الشرور؟ لا يكون إلا بالإقبال عليه وتعلمه والحرص على التفقه فيه. نعم عباد الله، لابد أن نعرف أمراضنا، وأن نشخص هذه الأمراض، وأن نلتمس الدواء لها. المرض هو الجهل بدين الله. بسبب الجهل بدين الله حصل الشرك بالله. وقد أخبرنا الله عز وجل في كتابه الكريم أن شرك المشركين لم يكن نتيجة علم، بل كان بسبب الجهل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ﴾. نعم عباد الله، سبب هذه الفتن وهذه القلاقل وهذه الانحرافات وهذه الضلالات هو الجهل بدين الله، هو الرغبة في الدنيا والزهد في الآخرة. فلابد أن نعرف ما مرضنا: مرضنا هو الجهل بالدين. لما جهل كثير من الناس دينهم تركوه وراء ظهورهم، والتمسوا السعادة وبحثوا عن الفوز في مناهج أهل الشرق والغرب. فع علينا عباد الله أن نتسلح بسلاح العلم، وأن نبث هذا العلم في مجتمعنا. كثير من الرجال وكثير من النساء من يحب الله ورسوله ويسعى إلى الفوز الذي أمر الله عز وجل بتحصينه، ولكنهم بسبب الجهل ممكن أن يعملوا المخالفات ويظنون أنهم محسنون، ممكن أن يعملوا البدع والخرافات ويظنون أنهم محسنون. فاحرصوا عباد الله على تعلم دينكم، وعلى بث هذا العلم في بيوتكم، وفي قراكم، وفي وظائفكم، وفي مدارسكم، وفي مجتمعاتكم، حتى يميز الناس بين التوحيد والشرك، بين السنة والبدعة، بين النافع والضار، بين الغي والرشاد، بين الهدى والضلال، بين الحق والباطل، بين الغث والسمين. ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فاحرصوا عباد الله على أن تتوجهوا بأنفسكم، وأن تشجعوا فلذات أكبادكم، وأن تشجعوا نساءكم على تعلم الدين والتفقه فيه. وليس العلم بضاعة تشترى، أو بضاعة تؤخذ من الدكاكين أو من البقالات. نعم عباد الله، وإنما العلم بالتعلم. فإذا دفعنا أنفسنا ورغبنا الناس في تعلم العلم النافع، ليس معنى ذلك أن نقتني الكتب، أو أن نأخذ الأشرطة الكثيرة، ولكن علينا عباد الله أن نشجع الآباء، وأن نشجع الشباب، وأن نشجع الرجال والنساء على الحرص على تعلم الدين. توجد قرى كبيرة وواسعة، وفيها العشرات من الشباب الذين ليس عندهم عمل ولا شغل، وإنما هكذا تذهب عليهم الأوقات. لو أنهم وجهوا إلى تعلم العلم الشرعي وحصلوه، فإنهم يرجعون دعاة ومعلمين ومرشدين. فاحرصوا عباد الله على تفقد هؤلاء الشباب، وعلى حثهم، وعلى نشر هذا العلم النافع. والله، هذا هو سبب النجاة، وسبب السعادة، وسبب العزة. نعم عباد الله، مجتمعاتنا تعيش الفتن والقلاقل، ويستطيع أعداؤنا أن يخترقوا صفوفنا بسبب جهل المسلمين بدينهم. لكنهم لو تسلحوا بسلاح العلم، فإن هذا العلم يدفعهم إلى كل خير. نسأل الله عز وجل أن يعصمنا وإياكم من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح المتقبل. إنه سميع الدعاء، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.