التمسك بدين الله سر نجاح الأمة

التمسك بدين الله سر نجاح الأمة

المحاضرة بعنوان التمسك بدين الله سر نجاح الأمة، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

التمسك بدين الله أساس العزة والتمكين

توضح المحاضرة كيف حول الإسلام الأمة من الفرقة إلى الوحدة والسيادة بفضل التمسك بالتوحيد والسنة، مستشهدة بقول الإمام مالك: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها". وتؤكد أن العزة والتمكين مشروطان بعبادة الله وحده ونبذ الشرك والبدع والتشبه بالكفار.

أسباب ذلة المسلمين وعلاجها بالعودة إلى الدين

يبين المقطع أن ذلة المسلمين وهزائمهم ناتجة عن إضاعة الدين والشرك بالقبور واتباع الشهوات وترك الجهاد. ويؤكد أن النجاة والتمكين لا يكونان إلا بمراجعة الدين الحق وإصلاح النفس والاستعداد للقاء الله بالأعمال الصالحة.

تحذير من طرفي المغضوب عليهم والضالين في الفاتحة

يفسر المقطع آية "اهدنا الصراط المستقيم" محذراً من طريق المغضوب عليهم (اليهود) الذين علموا ولم يعملوا، وطريق الضالين (النصارى) الذين عبدوا الله بجهل وغلو. ويؤكد أن النجاة في الجمع بين العلم والعمل واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

مسؤولية تدبر القرآن والسنة ورعاية الأسرة

يؤكد المقطع أن القرآن والسنة دستور حياة وهداية لا للزينة، داعياً لتدبرهما والعمل بهما ونشرهما في المجالس. ويبرز مسؤولية كل فرد تجاه أهله في تعليمهم الدين وقايتهم من النار.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: التمسك بدين الله سر نجاح الأمة، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، أيها الإخوة في الله: إن الله عز وجل بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. فالله تبارك وتعالى منّ علينا لبعثة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، والناس في أمس الحاجة إلى بعثته ورسالته، كما قال عز وجل: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. هدى الله عز وجل به من الضلالة، وجمع به من الفرقة، وأعز به من الذلة، وأغنى به من العيلة، وجعل الله عز وجل به هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس. فع علينا عباد الله أن نعتبر بهذا الخير، وأن نحمد الله عز وجل على هذا الفضل، وأن نشكر ربنا تبارك وتعالى إذ أرسل إلى هذه الأمة رسول الهدى عليه الصلاة والسلام. أين كانوا وكيف كانوا؟ بعد بعثة رسول الله عليه الصلاة والسلام كانت أمة مهزومة، أمة ضائعة تائهة، أمة لا قيمة لها عند أمم أهل الأرض، بلادهم مغصوبة ومسلوبة، فجميع دول الكفر من حولهم قد أخذ جزءا من بلادهم: فارس، والروم، والأحباش. فما هي إلا فترة وجيزة عباد الله، وإذا بهذه الأمة يصير لها السيادة والريادة، وتكون هي القدوة للأمم كلها، ويفتح الله سبحانه وتعالى على أيديهم البلاد والأقاليم. والأنصار في مدة وجيزة: مملكة الفرس صارت غنيمة للمسلمين، ودولة الروم في أطرافها وأعز مكانها وهي في بلاد الشام صارت غنيمة للمسلمين. وهكذا انتشر الإسلام في المشارق والمغارب في مدة وجيزة لا تزيد على ثلاثين سنة، وإذا بالعروش والممالك تتهاوى وتتساقط بين أقدام أولئك الرجال المباركين من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. ما هو السر عباد الله؟ ما هو السر الذي حول هذه الأمة، أمة الإبل والبقر والغنم، هذه الأمة الذين كانوا رعاة للشاه والإبل والبقر، جعلهم بهذه الصورة وبهذه القوة وبهذه المثابة؟ إنه دين الله عز وجل الذي بعث به رسوله عليه الصلاة والسلام. كانوا متفرقين، كانوا متناحرين، كانوا متنافرين، بينهم القتل والقتال، بينهم النهب والسلب، بينهم الضياع والشتات والفرقة والاختلاف والتنازع. فجمع الله عز وجل بين القلوب، وألف بين الأفئدة، وجمع بين القبائل المتفرقة على دين واحد وكلمة سواء وعقيدة التوحيد. فإذا بهؤلاء، فإذا بهؤلاء المتفرقين يصيرون جماعة واحدة، ويكونون كتلة واحدة، ويكونون أمة واحدة، كما وصفهم الله عز وجل: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾، ﴿ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾. وهكذا كما أمرهم الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾. نعم عباد الله: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ﴾ فاعتصموا وتمسكوا، ﴿ وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ فاجتمعوا، وحذروا من التفرق والتشرذم والاختلاف والتنازع. ذكرهم الله عز وجل بنعمة الأخوة فعرفوا قدر هذه النعمة فحرصوا عليها وسعوا في تنميتها. جعلهم أمة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقاموا بهذه المهمة وتحملوا المسؤولية، ونشروا دين الله عز وجل في المشارق والمغارب: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾. إنه دين الله أيها الناس، من أخذ به رفعه الله تبارك وتعالى. إنه دين الله، من عرف قدره وفضله وتمسك به واعتصم به، واستنار بنوره واهتدى بهداه، فالله عز وجل يعزه في الدنيا والآخرة. السر عباد الله هو تمسكهم بهذا الدين، هو أنهم رفعوا رؤوسهم بهذا الهدى الذي بعث الله عز وجل به نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام. والأمر كما قال الإمام مالك رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ما الذي أصلح أولها؟ إنه التوحيد. ما الذي أصلح أولها؟ إنها العقيدة الصحيحة. ما الذي أصلح أولها؟ إنه التمسك الصادق بسنة رسول الله. ما الذي أصلح أولها؟ إنه التحابب في الله والتآخي من أجل الله وفي ذات الله. ما الذي أصلح أولها؟ إنه الحذر من الشر والبدع والخرافات. ما الذي أصلح أولها؟ إنه الحذر من التشبه بأعداء الإسلام من اليهود والنصارى وعموم الكفر والملحدين والمشركين. ما الذي أصلح أولها؟ إنه العمل الصالح والعلم النافع. عباد الله، فهكذا هذه الأمة إذا أرادت النجاة والسلامة والسعادة والرفعة والعزة والكرامة في الدنيا والآخرة، فلن يعزها إلا ما أعز الله عز وجل به الأوائل، كما سمعتم في قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «فمن التمس العزة في غير هذا الدين فإنه لن يصل إلا إلى ذلة ومهانة». فالله الله عباد الله بالعناية بهذا الدين، والحرص على التمسك به، والحرص على بثه ونشره، والحرص على إيصاله وتبليغه. فالناس عباد الله في أمس الحاجة إلى هذا الدين العظيم، هذه الشريعة الكاملة، هذه السنة الغراء. الناس متعطشون، قد أدركوا إفلاس هذه الأنظمة البشرية وهذه الدساتير وهذه المذاهب وهذه الآراء وهذه الطرق والسنن، وهم متعطشون لدين الله الحق. فواجب على أهل الحق، وواجب على أهل السنة، وواجب على الدعاة وطلاب العلم أن يتعاونوا على نشر هذا الخير، وأن يذكروا الناس بما رفع الله عز وجل به الأوائل. إنه دين الله لا شيء غيره، إنها سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكتاب الله بين أظهرنا، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام بين أيدينا، وهذه الثروة العظيمة التي خلفها لنا أسلافنا من هذه الأحاديث وهذا العلم وهذا الميراث الذي خلفه رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالله الله عباد الله، إذا أردنا السعادة والأمن والاستقرار، إذا أردنا التمكين والاستخلاف، إذا أردنا العزة والكرامة، فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾. هذه صفات المؤهلين للنصر عباد الله، هذه صفات المؤهلين للتمكين والاستخلاف في الأرض. ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾، لكن بشرط عباد الله: ﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾. العبادة التي هي كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، تشمل المحبة والرجاء، تشمل الدعاء والخوف، تشمل الرغبة والرهبة والخشوع، تشمل التوكل والاستعانة، تشمل الصلاة والزكاة والصوم والحج، تشمل أعمال اللسان من التسبيح والتحميد والتهليل وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تشمل الجهاد في سبيل الله والأفعال الخير وخصال الخير. ﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾. هؤلاء هم المرشحون للنصر. والله يقول: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾. الذين إن مكنناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. وعود الربانية من رب العالمين: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾، ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾. لكن إذا نظرت إلى أحوال المسلمين اليوم لوجدت الذلة والمهانة، وجدت الهزائم والنكبات تنزل بالمسلمين، أعداؤهم من إخوان القردة والخنازير تسلطوا عليهم وأذلوهم وأخذوا بلادهم ونهبوا ثرواتهم وحاربوهم في قعر ديارهم. ما هو السر عباد الله في هذه الذلة وفي هذه المهانة وفي هذه الهزائم والبلايا والنكبات، مع أن الله وعد ووعده الحق؟ إنه بسبب الإضاعة للدين، ضيعوا دينهم فأضاعهم الله، جهلوا دينهم فهرولوا إلى ما يخالف الدين وهم يظنون أنهم على سواء وأنهم على خير وهدى. إنه الإقبال على الدنيا والزهد في الآخرة، إنه التنافس على هذه العاجلة ونسيان الآجلة. ما أكثر إضاعة الصلوات واتباع الشهوات والتعامل بالربا وانتشار الفواحش في مجتمعات المسلمين! ما أكثر الإضاعة للواجبات والفرائض! ما أكثر الإهمال للعقيدة والتوحيد! هذه القباب مشيدة في أكثر بلاد المسلمين، وهذه الأضرحة التي يطاف حولها ويعبد لها ويذبحون لها، ويتعلقون بأهلها ومن فيها ممن صار رفاة وترابا. يأتي كثير من الناس إلى هذه القبور فيدعو أهلها من دون الله تبارك وتعالى: مدد، وولد، ويطلبون الشفاء والعافية وتفريج الكربات وكشف الملمات وإجابة الدعوات وتحصيل الحاجات إلى غير ذلك. مع أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾. مع أن الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾. مع أن الله يقول: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ﴾. مع أن الله سبحانه وتعالى هو القائل: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾. الله قريب وليس ببعيد، الله يسمع دعاء الداعين، وهو يفرج كرب المكروبين، وينجي من كان في الشدائد. نعم عباد الله، فهذا هو السر في تأخر المسلمين ونزول الهزائم بهم. فعلينا أن نراجع أنفسنا وأن نراجع ديننا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم». هذا هو الحل وهذا هو المخرج عباد الله، أن المسلمين يرجعون إلى دين الله تبارك وتعالى الذي فيه سعادتهم، والذي فيه عزهم، والذي فيه فلاحهم، والذي فيه رفعتهم في الدنيا والآخرة. ﴿ حَتَّى تَرَاجِعُوا دِينَكُمْ ﴾. على الحاكم وعلى المحكوم، وعلى الرجال وعلى النساء، وعلى الصغار وعلى الكبار، أن يرجعوا إلى دين الله تبارك وتعالى. هو الكفيل بحل مشاكلنا، وهو الكفيل لتحصيل السعادة لنا في الدنيا والآخرة، لأنه دين عظيم وشريعة كاملة من جميع جوانبها: في جانب السياسة، وفي جانب العقيدة، وفي جانب العبادة، وفي جانب المعاملة، وفي جانب الأخلاق والآداب والسلوك والدعوة والمنهاج، وفي جميع الجوانب. ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. ورضي لكم الإسلام دينا. الله رضي لنا الدين، فكيف نبغي غيره؟ ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. فالمطلوب عباد الله منا جميعا أن نراجع أنفسنا، وأن نحرص قبل كل شيء على إصلاح أنفسنا: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾. احرص يا عبد الله على أن تتجه إلى إصلاح نفسك هذه التي بين جنبيك، قبل أن تنظر إلى الناس ومن حولك وأسرتك. احرص قبل كل شيء على أن تصلح من نفسك: كيف أنت مع أوامر الله؟ كيف أنت مع ما نهى الله؟ كيف أنت مع حدود الله؟ كيف أنت مع فرائض الله تبارك وتعالى؟ هل أديت الفرائض؟ هل قمت بالواجبات؟ هل سارعت إلى المستحبات؟ هل اجتنبت المحرمات؟ هل استعددت للقاء الله سبحانه وتعالى؟ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾. ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾. هل أنت مستعد للقاء الله تبارك وتعالى؟ فإن هناك أهوالا، وهناك موعدا، وهناك كتب تتطاير، وهناك صحائف، وهناك ميزان توزن فيه الأعمال، وهناك صراط، وهناك جنة ونار، وهناك فتنة في القبر، يأتيك الملكان، هناك أهوال وشدائد. هل أنت مستعد للقاء الله تبارك وتعالى؟ إذا قلت نعم، هل استعدادك للقاء الله بالأعمال، أم هو بالأموال والثروات والزوجات والأولاد، أم هو بالجاه والوظائف والأنساب؟ هذه لا تغني عنك شيئا: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾. ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمُ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾. الأموال نعمة، والأولاد نعمة، والزوجات نعمة، لكنها نعم مؤقتة زائلة، تنفع صاحبها ما دام حيا، فإذا مات فلا المال ينفع ولا الولد يدفع، وإنما هي أعمالك الصالحة التي تؤنسك في قبرك، والتي تنتفع بها يوم بعثك ونشورك ومعادك ووقوفك بين يدي الله تبارك وتعالى. هل استعددت للقاء الله؟ فإذا كنت كذلك فاحمد الله عز وجل، وسل من الله المزيد من التوفيق. ما اهتديت بحولك ولا بقوتك ولا بذكائك واختيارك. كم من ذكي شقي بذكائه، وكم من رجل أشير إليه بالعقل فلم ينتفع بذلكم العقل. فالفضل لله، والمنة لله، والتوفيق بيد الله تبارك وتعالى، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى. ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾. نعم عباد الله، فإذا كنت كذلك يا عبد الله فاحمد الله، احمد الله، ما أكثر الفتن، وما أكثر العوائق، وما أكثر البلايا والمحن. احمد الله واسأل من الله تبارك وتعالى المزيد من هذا الخير والثبات على هذا الأمر. وتدبر هذه الآيات الكريمات التي تتلوها في جميع صلواتك: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾. أنت تدعو ربك بدعاء عظيم لو عقلته وتجبرته، تقول: يا ربنا اهدنا الصراط المستقيم، واضح لنا هذا الصراط، وبين لنا هذا الصراط، وجل لنا هذا الصراط. ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾. أنت لا تريد إلا صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. ما تريد أن الله يهديك إلى طريق هؤلاء الضالين والمنحرفين. ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾. دعاء عظيم تسأل ربك أن يجنبك صراط المغضوب عليهم من اليهود ومن سار على طريقتهم. رزقوا من العلم الشيء الكثير، أحبار اليهود وعلماء اليهود، أوتوا من علم التوراة، لكنهم للأسف لم ينتفعوا بهذا العلم. وهذا حال علماء السوء يوجد في الأمة، وناس عندهم منطق وعندهم فلسفة وعندهم فهم وعندهم محفوظات وعندهم كلام، يتفلسف ويتكلم ويسرد ويستدل، لكن ما وفق للعمل الصالح. هذا حاله كحال اليهود، يكونون آلة هدم، هدم، بدلا من أن يكونوا عونا للبناء، لا يكونون آلات هدم. الذين يرزقون العلم ثم لا يعملوا به، يستبدلون به حطاماً من الدنيا: بسيارة، ببيت، بشيء من المال، بوظيفة، بمنصب، بحطام، حطام الدنيا. والله يحذرنا من هذا الصنف فيقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. يا ليتهم قصروا ضلالهم وانحرافهم على أنفسهم، لكنهم نقلوا إلى غيرهم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، يصدون عن سبيل الله، يلبسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق، ويتلاعبون بالنصوص، ويعطون الناس ما يريدون من الرغبات والشهوات. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾. قال الله: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾. هذا صنف الذي خافهم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو القائل كما في حديث ثوبان وأبي الدرداء وعمر بن الخطاب: «أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون». أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون. حصر خوفه عليه الصلاة والسلام في هذا الصنف من العلماء، هم قادة ضلالة، وهم دعاة إلى جهنم. فأنت تدعو ربك سبحانه وتعالى أن يجنبك طريق هؤلاء: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾. لا يكفي العلم عباد الله حتى يتبع بالعمل، وإلا فالله وصف اليهود بأنهم حمير: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾. ليس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾. ماذا ينتفع عباد الله الحمار وقد وضع على ظهره فتح الباري، وقد وضع على ظهره المغني، المجموع، المحلى، شرح مسلم للنووي، وقد وضع عليه كتب الإسلام المفيدة والنافعة؟ ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾. أوتوا علم التوراة لكنهم لم يعملوا بهذا العلم، مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا. وكذلك يقول الله في ذلكم الذي آثر الدنيا على الآخرة بعدما أوتي الشيء الكثير من العلم: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ﴾. نعم عباد الله، فالحذر من هؤلاء: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾. تسأل ربك سبحانه وتعالى أن يجنبك طريق الضالين، وهم النصارى ومن شابههم، وهم النصارى ومن شابههم. عباد الله، كثير من رهبان النصارى كانوا أهل قلوب رقيقة، عندهم البكاء، وعندهم الخشوع، وعندهم الرغبة في الوصول إلى رحمة الله تبارك وتعالى. انقطع كثير منهم إلى الصوامع وإلى البيع وإلى الكنائس وإلى المغارات، شابهوا الوحوش، هربوا إلى المقابر، هربوا إلى رؤوس الجبال، دخلوا المغارات، تنزهوا عن الطيبات بحجة التقرب إلى الله. كان الواحد منهم يتنزه من أكل اللحم بحجة أنه يقسي القلب، يذكرون عن فلان منهم أنه يظل الستة الأشهر ولا يمس الماء أبدا. بعضهم دخل في بئر لينزح ماءها هكذا عبثا بدون فائدة بحجة التخلي من الذنوب، ولا ينام ولا يهجع، فإذا تعب أسند إلى الجدار، فإذا استيقظ رجع ينزح ماء هذه البئر، وهو في الوقت نفسه يحمل أثقالا من الحديد. وذلكم الراهب الآخر يدخل مستنقعا بجسده العاري لتقرصه أو يقرصه الذباب السام بحجة التخلص من الذنوب. وذلكم يمشي في البراري يعيش عيش الوحوش، يمشي على ركبتيه ويديه، ويتجرد بحجة التخلص من أوساخ الدنيا. وهذا يذكر عنه أنه يظل يومه وليلة ونهاره في صلاة وعبادة، لا يعرف زوجه ولا ولد ولا قريب ولا بعيد، بحجة التعبد. أمور فضيعة فعلوها بسبب الجهل، ورهبانية ابتدعوها: ﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾. الله كتب على العباد أن يبتغوا رضوانه وأن يحرصوا على اتباع رسله سبحانه وتعالى، أما هذا الغلو وهذا التجاوز وهذا التكلف وهذا التنطع، فهذا مرفوض في أديان في الدين، مرفوض. الله لا يحب من العباد أن يعذبوا أنفسهم، كذلك الله رؤوف رحيم. الله سبحانه وتعالى غفور رحيم: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾. وقال في آية أخرى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾. انظروا كيف تكون العبادة بجهل، أوصلهم إلى الشرك بالله تبارك وتعالى، الذي هو أسوأ الذنوب وأكبر الكبائر وأقبح القبائح وأعظم المنكرات. ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾. ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾. نعم، وصل بهم الحال إلى أن يجعلوا الرب ثلاثة: الولد والأب والابن. وهكذا خلطوا ولبسوا في هذه القضية. فهذا مرفوض عباد الله، أن تتعبد الله سبحانه وتعالى بالجهل. كما سمعتم إخواني في الله، فالمطلوب مننا جميعا أن نقبل على ديننا، وأن نسير إلى ربنا على هدى وبصيرة. وهذا يتطلب من المسلم عموما أنه يحرص على تعلم الدين، ويحرص على العمل به، ويحرص على معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه هي دعوة أهل السنة والجماعة عباد الله، دعوة إلى الاهتمام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكِتاب الله لم ينزله الله عز وجل لتزين به المجالس، أو ليوضع على الرفوف، أو ليقرأ في المناسبات، في الموالد، في الموت، في يوم الجمعة. إنما أنزل الله تبارك وتعالى هذا القرآن ليكون هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. أنزل الله عز وجل هذا القرآن ليكون دستورا للمسلمين، ليكون نورا يستضيئون به في طريق سيرهم إلى الله تبارك وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. هكذا عباد الله، كتاب الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يعمل به، أن يقرأ، وأن يتدبر، وأن يعمل بما فيه. ما أنزله الله عز وجل إلا لذلك. ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾. وكما قال الله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ﴾. نعم عباد الله، الله سبحانه وتعالى فصل الآيات وبين المعاني ليستقيم الناس عليه ويهتدوا به. فيه الرحمة، وفيه الهداية، وفيه الشفاء، وفيه الحل لجميع مشاكلنا. أليس الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾؟ وقال الله: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾. وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾. فالله الله عباد الله بالاهتمام بكتاب الله، والاهتمام بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. الله أرسل إلينا هذا الرسول الكريم، جعل من أطاعه وسار على هداه وتمسك بسنته موصولا أو واصلا إلى هدى وإلى طريق مستقيم: ﴿ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾. قال الله: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾. وقال الله: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾. فينبغي عباد الله العناية بكتاب الله، والعناية بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن نشغل به مجالس الناس، أننا نعلمهم الدين، نشغلهم في مجالسهم بالخير والدين وتلاوة القرآن، نملأ بها الأذهان والمجالس، وهكذا ننشره في القرى والبوادي والمدن. هذه مهمة الجميع. أنت مسؤول عن بيتك، ومطالب بالقيام بالواجب، وتحمل المسؤولية، وأداء الأمانة. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾. والله يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾. زوجتك أمانة في عنقك، أولادك من البنين والبنات أمانة في عنقك. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّ