حاجة المجتمع إلى دعوة أهل السنة

حاجة المجتمع إلى دعوة أهل السنة

المحاضرة بعنوان حاجة المجتمع إلى دعوة أهل السنة، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

حاجة الأمة إلى دعوة أهل السنة والتمسك بمنهج السلف الصالح

يبيّن الشيخ أن ضعف الأمة وغثائيتها ناتج عن البعد عن كتاب الله وسنة نبيه وترك التحاكم إليهما، مؤكداً أن العلاج يكمن في الرجوع إلى منهج السلف الصالح والتمسك بدعوة أهل السنة والجماعة الذين هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية وحماة العقيدة والشريعة.

اتباع منهج السلف والتصفية والتربية سبيل النصر والتمكين

يؤكد الخطيب فضيلة اتباع سلف الأمة الذين مدحهم الله في القرآن، مبيناً أن النجاة والسعادة تكمن في التمسك بدين الله الحق، وأن الأمة بحاجة ماسة إلى التصفية والتربية على المنهج الصحيح مع التحلي بالتقوى والصبر والإخلاص والتعاون على البر والتقوى لتحقيق وعد الله بالنصر والتمكين.

الاعتصام بحبل الله والتحذير من التفرق ودعوة أهل السنة للتعاون

تؤكد الخطبة على وجوب الاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه والاجتماع على الحق، محذرةً من التفرق الذي هو من صفات المشركين وأهل الكتاب، وتدعو أهل السنة في اليمن إلى تحمل المسؤولية بنشر العلم النافع والتآخي والتعاون على البر والتقوى والتمسك بالدين الكامل لتحقيق الألفة والنصر ودفع الفتن.

أثر التبديل والتنكر على الهزيمة والخسارة والدعاء بالتوفيق

يشير المقطع إلى أن الانحراف عن المبادئ المعروفة والتبديل في المواقف يؤدي إلى الفشل والهزيمة، ويختتم بالدعاء بالتوفيق والهداية للجميع.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: حاجة المجتمع إلى دعوة أهل السنة، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أيها الإخوة في الله، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في المسند من حديث ثوبان: «ستداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». قالوا: أَوَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمِئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: «لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله عز وجل في قلوبكم الوهن». قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». هكذا يخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه تتداعى الأمم على أمة الإسلام ويتكالبون عليها، وأنهم يكونون في ضعف، وأنهم يكونون غثاء كغثاء السيل. وهكذا عباد الله نجد هذه الغثائية في أمة الإسلام بسبب بعدها عن منهج الله تبارك وتعالى. ترى كثيراً من أمة الإسلام من يعيشون بعداً عن منهج القرآن والسنة، فمنهج القرآن والسنة ليس معمولا به عند كثير من المسلمين. وهكذا عباد الله تجد أيضاً عدم التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند كثير من المسلمين، مع أن الله تبارك وتعالى هو القائل في كتابه الكريم: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وهكذا يقول الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وهكذا عباد الله تجد الجهل المركب، وتجد أيضاً الجهل بدين الله سبحانه وتعالى عقيدة وعبادة ومنهاجاً. الجهل المركب والجهل البسيط قد عمّ في صفوف الأمة. وهكذا عباد الله تجدون التفرق والتنازع والاختلاف قد دبّ في صفوف هذه الأمة، فتفرق جمعها وتمزق صفها، وصاروا فريسة للأعداء بسبب هذه الاختلافات وهذه التنازعات وهذا التمزق وهذا التشرذم. وهكذا هناك أسباب وعوامل كثيرة كانت السبب عباد الله في حصول هذه الغثائية، وفي حصول هذه البلايا والهزائم وهذه النكبات التي تعيشها أمة الإسلام. والواجب علينا عباد الله وقد شعّ نور هذا الخير، وانفجر نور هذه الدعوة المباركة، دعوة أهل السنة والجماعة في المشارق والمغارب، علينا أن نحمد الله تبارك وتعالى، وأن نعلم أن من أعظم وسائل الإصلاح، ومن أعظم وسائل النجاح، ومن أعظم وسائل عودة الأمة إلى عزتها وإلى رفعتها وإلى كرامتها، هو التمسك بهذا الدين، وهو الرجوع إلى هذا الأصل الأصيل الذي كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومن سار على طريقتهم، ومن اقتفى أثرهم، ومشى على منهاجهم. ولا شك أنه على رأس هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رضي الله تعالى عنهم، هؤلاء الذين مدحهم الله، وهؤلاء الذين أثنى عليهم الله عز وجل، فهم رأس أهل الحق، وهم رأس أهل الحديث، هذه الطائفة المنصورة، وهذه الفرقة الناجية التي قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». ذهب أئمة الإسلام إلى أن المراد بهؤلاء الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذه الأوصاف أنهم أهل الحديث والأثر، وأنهم أهل السنة والجماعة. فسر الحديث بذلك أئمة الإسلام كعبد الله بن المبارك، وهكذا يزيد بن هارون، وهكذا علي بن المديني، وهكذا أحمد بن حنبل، وهكذا البخاري، وهكذا الترمذي، وهكذا الحاكم، وهكذا ابن جرير الطبري، وهكذا ابن بطة، وهكذا اللالكائي، وهكذا الخطيب البغدادي، وهكذا غيرهم من أئمة الإسلام الذين فسروا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» بأهل السنة والأثر. عباد الله، الذين نصر الله عز وجل بهم الدين، وأقام بهم الملة، فهم أحق الناس بالاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هم أحق الناس بهديه وسنته عليه الصلاة والسلام، تمسكوا بها، ووعوها بالنوادر، ونشروها في الآفاق، ورجعوا إليها، وتحاكموا إليها، وأخذوا من الكتاب والسنة العقيدة والسياسة والعبادة والمعاملة والقضاء والأخلاق والدعوة والسلوك والمنهج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أهل السنة والجماعة الذين هم حراس العقيدة، وهم ذابون عن الشريعة. أهل السنة والجماعة الذين لهم التميز الواضح في العناية بالعلم النافع تحصيلاً وجمعاً ورحلةً وتدارساً ونشراً وتبليغاً. أهل السنة والجماعة الذين نصر الله عز وجل بهم الدين، فهم الذين وقفوا أمام أهل البدع والباطل، وأمام أهل الزندقة والإلحاد، وأمام أهل الأهواء والضلالات. فهم الذين ردوا على الجهمية، وردوا على الخوارج، وردوا على الروافض، وردوا على القدرية، وردوا على الأشاعرة والمرجئة، وردوا على جميع أهل الباطل بالحجج والبراهين. نعم، فضحوا شبهاتهم، وكشفوا زيفهم، وأبانوا عوارهم، وردوا باطلهم، ونصحوا للدين وللملة، ونصحوا لعباد الله المؤمنين. وهكذا عباد الله لا تزال هذه الطائفة ثابتة، لا تزال هذه الطائفة ثابتة على الحق وسائرين عليه وماضين فيه. نعم عباد الله، لهذا إخواني في الله أذكر نفسي وإخواني الحضور ومن يسمع هذه الكلمة بعظيم فضل الله عز وجل علينا، إذ أن الله سبحانه وتعالى وفقنا إلى هذه الطريق، وهدانا إلى هذا المنهاج، وأيضاً وفقنا إلى السير على ما سار عليه سلف هذه الأمة الذين مدحهم الله وزكاهم الله وأثنى عليهم الله عز وجل في كتابه الكريم في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وهكذا في قوله عز وجل: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. وهكذا في قوله عز وجل: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. وهكذا الآيات في كتاب الله كثيرة في بيان صفاتهم ومدحهم والثناء عليهم، والحث على السير على ما ساروا عليه، وانتهاج ما كانوا عليه. ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧]. وهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى آمراً لنا أن نذكر ذلك في جميع صلواتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦-٧]. فهكذا نحن ندعو ربنا عز وجل في جميع صلواتنا لأن يهدينا صراط أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ﴿ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٧٠]. فالحاصل عباد الله أن سبيل النجاة، وأن سبب السعادة، وأن سبب العزة والكرامة، وأن سبب الخروج من هذه الأزمات وهذه الورطات وهذه النكبات والمصائب والبلايا، هو التمسك بدين الله الحق الذي كان عليه أهل السنة في السابق واللاحق، في القديم والحديث. فهذا والله سبب العزة والسعادة، وسبب الرفعة في الدنيا والآخرة. نعم عباد الله، الأمة في أمس الحاجة إلى التصفية والتربية. التصفية: أن يميز صحيح الحديث من سقيمه، أن تميز السنة من البدعة، أن يميز بين الشرك والتوحيد، أن يميز بين الصواب والخطأ، بين الهدى والضلال، بين الغي والرشاد، بين النافع والضار، بين الصالح والفاسد. نعم عباد الله، وهكذا بعد ذلك أن تُربّى الأمة على هذا الحق، وعلى هذا الصواب، وعلى هذا النافع، وعلى هذا الهدى، وعلى هذا الرشاد. فإذا يسر الله عز وجل بعلماء عاملين ونُصّاح مهتدين يأخذون بأيدي هذه الأمة إلى بر الأمان، فإنك ستجد ما وعد الله سبحانه وتعالى عباده من النصر والتمكين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. نعم عباد الله، هكذا وعد الله عز وجل عباده المؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله، والذين عملوا الأعمال الصالحة، والذين حققوا التوحيد واجتنبوا الشرك. فهؤلاء هم الذين يمكنهم الله، وهؤلاء هم المرشحون لنزول نصر الله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠-٤١]. نعم عباد الله، فعلينا عباد الله أن نحث أنفسنا، وأن نوجه إخواننا المسلمين إلى الرجوع إلى دينه القويم، وإلى صراطه المستقيم المتمثل في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه دعوة أهل السنة والجماعة: العناية بكتاب الله، والعناية بسنة رسول الله على ما كان عليه سلف الأمة، والعناية بالعلم النافع، والعناية بالتعاون على البر والتقوى. فهذه الدعوة المباركة لما شعّ نورها، وكثر خيرها، وأقبل الناس عليها، كثر أعداؤها، وخططوا لضربها وشلها وتقويضها. فلا نجاة لنا عباد الله وقد كثرت المؤامرات، وكثرت أنواع المكائد والمخططات في سبيل صد هذا الخير. لا نجاة لنا إلا بالعودة إلى ربنا، ولزوم تقوى الله سبحانه وتعالى، ولزوم الصبر، الذي بهما ينجو المؤمنون من هذه الشرور وهذه الفتن، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. نعم عباد الله، ولزوم الإخلاص لله تبارك وتعالى في القول والعمل، في الظاهر والباطن، في الخلوة والجلوة، الإخلاص لله في الأقوال والأعمال وفي جميع الأحوال. وهكذا عباد الله، التعاون على البر والتقوى، ولا يكون ذلك إلا بتقوية أواصر الأخوة، وتنمية هذه الرابطة التي جعلها الله عز وجل بين المؤمنين. فإنهم يجتمعون على الحق الموبيل، لا يجتمعون على دنيا، ولا على حزبية، ولا على أغراض شخصية، ولا على طائفية، ولا على عنصرية، ولا على جمعية حزبية، ولا على حطام من حطام الدنيا. وإنما يجمع الله سبحانه وتعالى بين قلوب أهل الإيمان بهذا الإيمان، وبهذا الدين، وبهذه العقيدة، وبهذا الخير الذي وفق الله عز وجل إليه من وفق. فنعم عباد الله، علينا أن نعتني في تنمية هذه الرابطة، فإنها من أعظم الأسباب في حصول الانتصار، والبعد عن الفتن، والبعد عن الهزائم. لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وهكذا يأمرنا ربنا عز وجل بذلك في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. نعم عباد الله، هذه تعتبر نعمة كما بنص هذه الآية الكريمة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. الله يأمرنا بالاعتصام بحبله، الله يأمرنا بالاجتماع على الحق المبين، لا على البدع، ولا الكفرية، ولا الشركيات، ولا الخرافات، ولا المعاصي والمخالفات. وإنما أمرنا الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. واعتصموا بحبل الله، ما قال الله: اجتمعوا هكذا. نجتمع على ما يجتمع عليه أهل الباطل والتحزب، يجتمعون على ولاء حزبهم، يجتمعون على دنيا من قضية، يجتمعون على بدع وخرافات. فتجد الحزب الواحد ينضوي تحته وينضم إليه من الرافضة، ومن الحزبية، ومن الصوفية، ومن الأشاعرة، ومن أهل الدنيا، ومن تاركي الصلاة، ومن أصحاب المطامع الدنيوية. لكن أهل الحق بفضل الله تبارك وتعالى ليست عندهم دنيا يغرون الناس بها، وليست عندهم مناصب يدعون الناس إلى الوصول إليها، ليست عندهم إمارة ولا وزارة ولا مال ولا ثروة، وإنما يدعون إخوانهم المؤمنين إلى الاعتصام بالحق المبين. ومن وفقه الله إلى ذلك فإنه يسعد بصلاح الحال، والحياة الطيبة، والحياة السعيدة، والأمن في الدنيا والآخرة. فهكذا عباد الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. نعم عباد الله، نحذر من التفرق، فإنه من أعظم أسباب الفشل والخسارة. والله يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١-٣٢]. وهكذا يقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. نعم عباد الله، وهكذا يقول الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. فهذه التحذيرات وهذا الوعيد الشديد في كتاب الله على من تفرق. نعم عباد الله، هذا ليس من دين المسلمين. التفرق من دين أولئك المفلسين من اليهود والنصارى وعموم الكفار والمشركين. لهم عباد الله لأنهم غيروا وبدلوا فاختلفوا. أما المسلمون فآتاهم الله عز وجل هذه الشريعة الحقة وهذا الدين الكامل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فهكذا عباد الله، هذا الدين كامل مكمل لمن تمسك به، كامل في جميع جوانبه. فما على المسلمين إلا أن يعضوا عليه بالنواجذ، وأن يعضوا عليه بالخناصر، وأن يجعلوه هو القدوة وهو المرجع لهم. عباد الله، فهكذا عباد الله ينبغي علينا أن نتعاون على البر والتقوى، فالناس في أمس الحاجة إلى هذا الخير، ولا سيما في مثل هذه الظروف وهذه البقاع وهذه الأيام التي تلاطمت فيها أمواج الفتن. نعم عباد الله، فالناس يصرخون ويصيحون، والحل قريب والحل موجود، وهو بالعودة إلى الله والتمسك بدينه والعرض على شريعته. فهذا الذي يخرج المجتمع من هذه الأزمات وهذه الفتن وهذه البلايا. فعلى أهل السنة أن ينشطوا في تعلم العلم النافع وبثه ونشره، وعلى التآخي فيما بينهم، وعلى العمل بطاعة الله وطاعة رسوله. فهذا من أعظم الأسباب في حصول الألفة والتحابب والاجتماع على الحق. وإلا فالله سبحانه وتعالى يقول في شأن النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]. فأخبر الله عز وجل أن نسيانهم حظاً مما ذكروا به، أي تركهم لشيء مما جاءهم به نبيهم، كان سبباً في حصول الشحناء والبغضاء والتفرق والتمزق. فع علينا عباد الله أن نلزم طاعة الله، وأن نحذر من المعاصي والمخالفات. فهذا سبيل اجتماع الكلمة وحصول الألفة ومجيء النصر من رب العالمين سبحانه وتعالى. فهكذا عباد الله ينبغي على أهل السنة، ينبغي عليهم ذلك، أن يشعروا أنهم تحملوا مسؤولية عظيمة، وأن المجتمع في أمس الحاجة إليهم وإلى دعوتهم وإلى الخير الذي وفقهم ربنا عز وجل إليه، لا بحولهم ولا بقوتهم. فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وله الحكمة البالغة. فع علينا أن نتواضع لله، وأن ننيب إلى الله، وأن نتوب إلى الله، وأن نتبرأ، وأن نسأل ربنا تبارك وتعالى أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يثبتنا على الدين وعلى القرآن والسنة، وأن يأخذ بأيدينا إلى ما فيه رضاه. نعم عباد الله، نحن ضعفاء إلا أن يقوينا الله، ونحن ضالون إلا أن يهدينا الله، ونحن عاجزون إلا أن يعيننا الله. فعلينا أن نلجأ إلى ربنا، وأن نستعين به سبحانه وتعالى للوصول إلى مرضاته. فالمجتمع كما سمعتم عباد الله لحاجة ماسة، وقد رأيتم الإقبال المستمر على الدين وعلى هذه الدعوة الصافية في هذه البلاد اليمنية. فما علينا يا أهل الحق إلا أن نتعاون، وأن نتآخى، وأن أيضاً ينصح بعضنا لبعض، وأن يعين بعضنا بعضاً على الحق، يشد بعضكم بعضاً. فهكذا ينبغي أن تحيى المساجد بحلق العلم، وهكذا ينبغي أن يربى الرجال والنساء والصغار والكبار على التمسك بدين الإسلام، وعلى التمسك بدعوة أهل السنة والجماعة. فالمناخ مناسب والجو مهيأ لنشر هذا الخير. نعم فضل من الله عز وجل في هذه البلاد اليمنية أن الدعوة المجال مفتوح لها، وأن الناس يقبلون على هذا الخير. فلابد من مضاعفة الجهود، ولابد من التعاون على البر والتقوى، ولابد من لزوم الحق. فإذا لزمنا الحق، وأعضبنا عليه، وفئنا إليه، وتحاكمنا إليه، وانتصرنا له، فالله سبحانه وتعالى يدفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. ولكن إذا حصل التبديل والتغيير والتنكر لما كنا نعرف قبل ذلك، فهذا سبب الفشل والهزيمة وسبب الخسارة. أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والهدى والرشاد، إنه سميع الدعاء. والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى صحبه أجمعين.