الدرس في دعاة.. بين المنظور الإسلامي والتدين العلماني، وكانت بعد مغرب يوم الجمعة 9 جمادى الأول 1431هـ بمسجد السنة بديس المكلا ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول أهمية اتباع الصراط المستقيم كما جاء في القرآن والسنة، ويحذر من سلوك طرق الشياطين. يشدد على ضرورة طاعة الله ورسوله والاستقامة على أوامرهما.
يؤكد على أهمية التحذير من دعاة الضلال والسوء، ويبين أن التمييز بين الحق والباطل هو من الواجبات الدينية. يشير إلى أن العلماء كانوا يحذرون من أمثال هؤلاء الدعاة.
يتناول خطورة الدعاة الجدد ودعوة وحدة الأديان، ويحذر من تحريف ثوابت الدين وترويج مفاهيم خاطئة مثل اعتبار الأخلاق أهم من العقيدة. يبين أن أول أسس الدين هو العقيدة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الحاضرون، عباد الله، إننا نحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، نحمده على ما أنعم علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى على ما أنعم علينا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. عباد الله، إننا في هذه الليلة نتذاكر مسألة عظيمة من المسائل العلمية التي يحتاجها المسلمون في معاشهم، وهكذا يكون لها أثر في معادهم. هذه المسألة من أعظم المسائل التي بها ضل كثير من الناس، وبالتبصر فيها وأمثالها سلم الكثير من الناس. وقد أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام فيما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام خط خطًا مستقيما وخطوطًا صغيرة عن يمينه وشماله، فقال: «هذا صراط الله، وهذه سبل الشيطان، على كل سبيل أو قال طريق شيطان يدعو إليه». فمما حذرنا منه نبينا عليه الصلاة والسلام بل ربنا سبحانه وتعالى سلوك طرق الشياطين. فإن نبينا عليه الصلاة والسلام بعد أن خط هذه الخطوط وذاك الخط المستقيم تلى قول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وهذا يفسر لنا معنى الآية الكريمة التي يحذر فيها ربنا سبحانه وتعالى عباده من عدم سلوك طريقه وصراطه الذي دعا الناس إليه بما أنزل من كتب وأرسل من رسل وجعل من شريعة ودين سبحانه وتعالى. ونحن نتلو ونكرر في صلواتنا قول الله عز وجل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. أنت تدعو أخي المسلم، وكذلك أنت أخت المسلمة، كل منا يدعو ويكرر أن يهدينا ربنا الصراط المستقيم، وأن يجنبنا سبحانه وتعالى صراط المغضوب عليهم والضالين. وذلك يستوجب علينا كما ندعو بلسان المقال، كذلك أن يكون عندنا مقترن معه دعاء آخر بلسان الحال، أن يكون عندنا حرص للتمييز والتبصر والتفرقة بين صراط الذين أنعم عليهم الصراط المستقيم، وصراط المغضوب عليهم والضالين، تبصرة علمية وتبصرة عملية. ولهذا فإن أدلة الكتاب والسنة، وهكذا ما كان عليه سلف الأمة، بيان هذا الصراط المستقيم، أي جاء بيان هذا الصراط المستقيم. لأن في بيانه بيانٌ لما يجب على المسلم أن يسلكه. ففسرت آية سورة الفاتحة بآية سورة النساء في قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. فإذن هذا الصراط المستقيم وصراط الذين أنعم الله عليهم، سلوكه يكون بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، بالاستقامة على أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم. وليس هذا فحسب، بل بيّنت لنا أدلة الكتاب والسنة أن هذه الطاعة تكون بميزانٍ عظيم ومعيارٍ دقيق، هذا الميزان والمعيار هو بما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله عنهم. لأن كل أحد قد يدعي أنه امتثل الطاعة وترك المعصية، فكيف نميز بين الصادقين والكاذبين؟ أنزل الله عز وجل آيةً عظيمة جاء عن بعض أهل العلم أنها آية امتحن بها الناس، فمن ادعى حب الله عز وجل برهان حبه وصدقه في ذلك يبرهن بكمال طاعته لرسوله عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وهكذا كذلك قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، فهذا ميزان آخر يميز به إيمان المؤمنين الصادقين وإيمان المؤمنين الكاذبين في ادعاء الإيمان إما لعدمه وإما لنقصانه. فالميزان هو أن نعرض إيماننا بإيمان سلفنا الصالح، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾. ويقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم كذلك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وهذا التحذير في الخروج عن أمره عليه الصلاة والسلام. ومن أعظم الفتنة الزيغ أن يزيغ قلب الإنسان فينحرف وينصرف عن هذا الصراط المستقيم. ويقول ربنا جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وهذه الآية كذلك تبين وتبرهن أن طريق النجاة والصراط المستقيم وسلوك رضوان الله عز وجل يكمن بحسن الاتباع لما كان عليه سلف الأمة من الصحابة الأخيار في مجتمع النبي عليه الصلاة والسلام. وبهذا نخلص أن هذا الدين العظيم الذي دعا الناس فيه إلى سلوك ما تكون به سلامتهم وحياتهم الطيبة في الدنيا وكذلك في الآخرة، يكون بكمال الاتباع لما في الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. فهذا دين الله عز وجل، وهذا صراطه المستقيم. فإذا كان كذلك، كان من خرج عن هذا المعنى وخالفه سلك مسلك المغضوب عليهم والضالين، سواء مسلكًا كاملًا كفعل اليهود والنصارى، أو مسلكًا فيه آحاد أفعال اليهود والنصارى، فيكون كذلك بذلك عليه بقدر ظلاله وانحرافه ما يستحق من الضلال والغضب من الله سبحانه وتعالى. ولهذا صار العلماء يبينون الأصول الصحيحة التي ينبغي أن يسلكها أهل الإسلام، والأصول الفاسدة الباطلة التي تنافي الإسلام الحق الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. ومن هنا جاء الحديث عن التحذير من علماء السوء والضلال ودعاة الفتنة والزيغ الذين يصرفون الناس عن الحق والهدى الذي أمر الله عز وجل به. فيعلم بهذا أن التحذير من أمثال هؤلاء ليس من الغيبة المحرمة ولا من الخوض في الأعراض، ولا هو لأجل حظوظ الدنيا، بل هو من أعظم الواجبات التي يجب أن يقوم بها أهل الحق، حماية لحمى هذا الدين العظيم أن لا يزيغ عنه أهله، ولا أن يكون أمثال هؤلاء حجر عثرة في دخول الناس وتعرفهم على الدين الصافي الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. فصار العلماء من قديم الزمان يأمرون الناس بالتمييز بين من يستحق أن يؤخذ عنه العلم والدين، وبين من لا يستحق أن يؤخذ عنه العلم والدين. فهذا ابن سيرين وابن المبارك وجماعة من التابعين وأئمة التابعين ومن بعدهم، اشتهرت عنهم عبارة عظيمة تناقلها العلماء في الكتب، وذكرت وسطرت بها كذلك العناوين لأهميتها وعظمها. تلك العبارة: «إن هذا العلم دين، فانظروا عن من تأخذون دينكم». فيا من يأخذ العلم، ويا من يسمع الموعظة، ويا من يطلب الرقائق، اعلم أن كل ذلك من العلم، والعلم من الدين الذي يجب فيه التفتيش والتمحيص. فانظر من الذي يستحق أن تأخذ منه دينك، ومن الذي لا يجوز أن تأخذ منه الدين. بل الأمر لم يقف عند هذا، صار العلماء يحذرون من دعاة السوء والضلال. ومن عبارة إمام السنة الإمام الشافعي رحمه الله، تلك العبارة الجميلة التي تناقلها العلماء: «لو لا أصحاب المحابر لصعد الزنادقة على المنابر». لو لا أصحاب المحابر، أي باعتنائهم بالعلم وتعليم الناس ودعوتهم إليه وتحذيرهم من أهل الباطل، لتمكن وصعد الزنادقة على المنابر، وهم الحاقدون على هذا الدين. وصدق رحمه الله، فكم مر بتاريخ الإسلام، كم مر بتاريخ الإسلام والمسلمين صعود رؤوس الضلال، بل والزنادقة على منابر المسلمين، في لحظات ضعف فيها أهل الإسلام وقل فيها العلم وحملته. وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم في ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعًا ينتزع من صدور العلماء، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، وفي رواية لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسًا جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وهذا هو الشاهد: «اتخذ الناس رؤوسًا جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». إن التحذير من أمثال هؤلاء الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم من الواجبات الدينية، فهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يقام به دين الله عز وجل، وتكون به خيرية هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. بل صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أن أمثال هؤلاء يكثرون في آخر الزمان. لا كثرهم الله. فجاء في مسند الإمام أحمد وغيره بإسناد حسن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه يأتي على الناس زمان فتكون فيهم سنوات خداعة، وهذا من علامات الفتن وظهورها في آخر الزمان. قال عليه الصلاة والسلام: «فيصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن». تنقلب الأمور وتتغير الموازين، حتى أخبر عليه الصلاة والسلام أنه يتسلق على الناس الرويبضة. قال: «ومن الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». الرجل التافه الذي ليس له وزن ولا قيمة ولا خلاق في ميزان دين الله عز وجل، يتصدر فيتكلم في أمر العامة. قارن بين هذا وبين ما كان عليه السلف الصالح الذين نزل الوحي وهم حاضرون شاهدون، الذين بث العلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيديهم، يأخذون منه مباشرة ويسمعون منه مشافهة، ومع ذلك تأتي الفتوى إليهم فيحيلها كل رجل منهم إلى الآخر، هيبة للعلم وخوفًا من المسؤولية والأمانة. إن دل ذلك على شيء، دل على عظم ورعهم وخوفهم من الله، وعلى كثرة علمهم وعملهم به. قارن بين أمثال هؤلاء وبين الكثير من دعاة السوء اليوم، الذين هم فارغون من العلم، فارغون من العمل، ومع ذلك يتصدرون مجالس العلم والدعوة. وأعظم من ذلك، تتعجب كيف يجتمع لهم الخلق، وكيف يصدقهم الخلق، وشواهد الكذب ظاهرة في مظهرهم، فضلا عن مخبرهم. فلهذا ولغيره، كان لزامًا التناصح والتذاكر فيما يكون به التمييز بين الحق والباطل، ودعاة الإسلام الصافي من دعاة الضلال الذين غيروا وبدلوا. وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما جاء في الصحيح وغيره، معناه عن عدد من الصحابة، حين أخبر عليه الصلاة والسلام عن ورود أناس إلى حوضه، منهم من يعرفه بشخصه، ومنهم من يعرفه بوصفه، أنهم من أمته، فيقول: «أصحابي، أصحابي»، وفي رواية: «أمتي، أمتي»، يعرف أمته بآثار الوضوء، تطردهم الملائكة عن حوضه، وهو ينادي: «أصحابي، أصحابي»، وفي رواية: «أمتي، أمتي»، فتقول له الملائكة: «إنك لا تدري، إنهم غيروا وبدلوا». فيقول عليه الصلاة والسلام: «سحقًا سحقًا لمن غير وبدل، سحقًا سحقًا لمن غير وبدل». عباد الله، مر بتاريخ المسلمين، بل تاريخ الأرض مر بالناس جميعًا حوادث كثيرة، وهكذا كذلك أفكار ومفاهيم وتصورات متنوعة ومتعددة. إن بنت على ذلك عقائد، وهكذا أنشئت به أديان، أديان باطلة وعقائد زائغة، بل وهكذا مناهج رسمت في بقاع شتى للخلق، رسمت للناس، وفيها ما فيها من معاني الزيغ والانحراف عن الهدى الذي أراده الله عز وجل للخلق. تناولت تارة العقائد، وتارة العبادات، وتارة المعاملات، وتارة الأخلاق والسلوك، وتارة السياسة، وربما في مرات اجتمعت على جميع الأبواب. وكان علماء الإسلام من قديم الزمان يحذرون من ذلك، بهذا الميزان العظيم الذي أنزله الله عز وجل. فمن عرف دين الإسلام، عرف الضلال الذي عليه الخلق. وهكذا لا يزال العلماء يحذرون من كل الدعوات الباطلة والمفاهيم المنحرفة التي هي من دعوات أهل الجاهلية والمفاهيم الضالة المنحرفة. ومن ذلك ما نشأت في هذه العصور المتأخرة من مفاهيم وتصورات زائغة منحرفة، اجتمعت على جوانب كثيرة من حياة الإنسان. ومن تلك التصورات والمفاهيم ما يسمى بالمذهب العلماني، هذا المذهب الذي نشأ في قرون ماضية في ظروف معينة، صراعات كانت بين الكنيسة على ما فيها من ضلال وزيغ وخرافة وتسلط وظلم وجور وجهل، ومحاربة لأشياء كثيرة لم يأذن ربنا جل وعلا بمنعها، تغيير وتبديل لدين الله عز وجل. وهذا من أسباب نسخ تلك الأديان، أنهم غيروا وبدلوا وحرفوا وزادوا ونقصوا، حتى صارت تلك الأديان شؤما على شعوبها، لأنها صارت مبدلة محرفة. فجاء ربنا جل وعلا بهذا الدين العظيم، دين الإسلام. شاهد من هذا، مرت بعض الدول بظروف معينة، فصار صراع بين ما يسمى بدعاة العلم، ومن يسمى برجال الدين والكنيسة. فنشأ في أوساط تلك الصراعات ذلكم الفكر الملحد، من فصل الدين عن الدنيا، وهكذا كذلك ما فيه من محاربة لمعنى الدين. فنشأ الفكر العلماني الذي حقيقته هو بث الإلحاد ومعاني الانسلاخ من دين الله عز وجل. ويظهرون له معنى العلم والنور، وإرادة التطور للبشرية. وله معاني ومفاهيم وأسس باطلة، ودعوات كفرية تنافي ما أمر الله عز وجل به ودعا إليه الرسل جميعًا، وما ختم به رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام. وليس المقام ذكر ما يتعلق بتفاصيل هذا المبحث، فقد كانت محاضرة سابقة في هذه المدينة في الكلام على هذا الموضوع، وهو العلمانية ومباحثها ومعناها، ووسائلها في غزو البلاد المسلمة. فهذا المنهج العلماني الذي هو حقيقته بث الإلحاد ومحاربة الدين، دخل بمسميات كثيرة وجوانب متعددة. حتى كان أخيرًا من وسائله وأساليبه في بث هذا الفكر الذي يراد منه انسلاخ الناس من الدين وإبعادهم من شريعة الله عز وجل، ما جعل من تصورات جديدة كما يدعي بعضهم، نظرات معاصرة لمعنى التدين. وساعد على ذلك مبتعثون كثر درسوا بعض العلوم الشرعية في بعض تلك الدول الكافرة شرقًا وغربًا. حتى إنك لتتعجب أحدهم يأخذ الدكتوراه في العقائد والأديان من أمريكا، وآخر يأخذ الدراسات الشرعية من بريطانيا، وثالث يأخذ كذلك ربما شهادات عليا في مسائل ومباحث دقيقة دينية من فرنسا أو غيرها من بلاد الكفر. ماذا يكون ثمرة أمثال هؤلاء الذين درسوا مثل هذه المفاهيم، ثم يأتون يدعونا إلى دين الله يزعمون، وهم في الحقيقة قد غذوا مفاهيم خاصة توافق تلك الحياة التي يعيشها الغرب، بما لا يخفى علينا جميعًا، الحياة المليئة بمعاني الإلحاد والانسلاخ من الدين. تلك المعاني التي نجد أثرها في حياتهم التي يعيشونها، وأخلاقهم التي يتباذلونها، وغير ذلك مما لا يخفى على صغير ولا كبير. ولهذا صار أمثال هؤلاء، وربما أعانهم كذلك آخرون من رجال سياسة وفكر وثقافة، وهكذا كذلك وسائل إعلام مرئية ومقروءة ومسموعة، أعان كل ذلك على إيجاد ذلكم الفكر الذي يكون به تغيير وتبديل لدين الله عز وجل. حتى صارت بعض الثوابت الشرعية محل نقاش، ومحل كذلك رأي. وصارت كذلك بعض الثوابت الشرعية من أمور الفكر والنظر التي تقع فيها الجلسات، وتقام فيها كذلك المناظرات، وغير ذلك من معاني تشكيك الناس في دينهم وثوابت هذا الدين العظيم. فعند ذلك نشأت تلك التصورات الخاطئة لدين الله عز وجل، تصورات خاطئة في العقيدة وفي العبادة والمعاملة والأخلاق والسلوك، وفي سائر أمور دين الله عز وجل. كما ستأتي الإشارة إليه إن شاء الله بعد الأذان. والله تعالى أعلم. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد، فتتمة لما سبق. كما قلنا، كان علماؤنا وسلفنا يتهيبون أن يتكلموا في دين الله عز وجل، مع علمهم ومع كذلك أمانتهم، ولكنه خوف من الله وتقوى وخشية. حتى أن أحدهم ربما وهو أعلم يقول: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إن تكلمت في كتاب الله بغير علم». يعني حين سئل عن آية، ولم يكن يتجاسر أن يتكلم فيها بشيء ليس عنده فيه رواية عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كان معناها بظاهر اللغة ظاهرًا. الشاهد من هذا، كيف يتكلم في دين الله من ليس عنده علم، بل من ربما بث فيه معاني منافية للعلم الصحيح، من النظر العقلانية للأمور الشرعية، والتفسير الباطني لظواهر النصوص. وأعظم من ذلك، ربما يجرأ بعض الناس للكلام في دين الله، وهو ليس عنده دراسة شرعية أبدًا. أحدهم مهندس، وإذا به محاضر وداعي إلى الله. وآخر ما عرف بطلب العلم أبدًا، ولا عرف كذلك بدراسة شرعية، وإذا به كذلك يتصدر للفتوى ولغير ذلك. عباد الله، المقصود من هذا المقام أن نعلم أنه يجب علينا أن نعرف عمن نأخذ دين الله عز وجل، وأن نحذر من دعاة لم يعلموا دين الله عز وجل على بصيرة، ولم يأخذوه من معينه الصافي. بل أعظم من ذلك، أخذوه من الكافرين الذين يكنون العداء لأهل هذا الدين. ويدلك على ذلك ما يدعون إليه، وما كذلك يظهرون للناس من معنى التدين الذي يتدينون لله به. فلذلك أمثال هؤلاء، جاءت منهم الفتاوى الشاذة والمفاهيم الخاطئة، بل وربما والدعوات الكفرية. وعند هذا بدأ علماء الإسلام يحذرون من أمثال هؤلاء الدعاة الذين يصح أن يسموا بدعاة أسلمة الكفريات، ودعاة كذلك مسايرة الواقع. ويصح أن يسمى هؤلاء بدعاة التدين العلماني، لأنهم في الحقيقة هم على هذا الوصف، ليس ميزان الدين الذي يدعون إليه الدين الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ولكنهم يطمعون بإيجاد دين معاصر يوافق كما يقولون الحضارة والعصر. فلذلك ربما لا تستغرب أن يأتي في المسجد من أمثال هؤلاء من هو حالق لحيته، لابس لللبسة الأفرنجية، ثم يدعو إلى دين الله عز وجل. وأعظم من ذلك، بل ربما يسمى داعيًا إلى الله، وهو يأتي في مجلس فيه الرجال والنساء، وليس الرجال والنساء مختلطين فحسب، بل الرجال والنساء المتبرجات وهم مجتمعون حوله وتحته، وهو محاضر لهم. هذا داعي إلى الله، كيف؟ كيف بأي ميزان ومعيار صارت الدعوة إلى الله تأكيدًا للمحادة لدين الله؟ أليس الواجب أن تعلم الناس ما يجب عليهم في دينهم؟ ومن ذلك أن يتأدب بأدب الإسلام. ليس هذا فحسب، بل صار التلاعب بالعقائد، والتغيير للثوابت والأصول الشرعية. فيأتي أحدهم فيقول: «ديننا دين الحرية الفكرية، وديننا دين حرية العقيدة». ثم يستدل بقول الله عز وجل: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، ويستدل بقول الله عز وجل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، مع أن أمثال هؤلاء يعلمون تمام العلم ما هو التفسير الذي فسره العلماء الإسلام بموجب ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وهي تفسر بعضها بعضًا، وما جاء عن سلف الأمة في تفسير أمثال هذه الآيات. وربما يأتي أمثال هؤلاء فيحرفون التاريخ الإسلامي، بموجب ما يطمعون وما يطمع به أعداء هذا الدين، من صرف الناس عن هذه الثوابت الدينية، ومن إيجاد معاني كذلك يكون بها إزالة الحواجز بين أهل الأرض، تارة بالدعوة إلى وحدة الأديان، وتارة بالدعوة إلى وحدة الدين الإبراهيمي. عقد في فرنسا في الخمسينيات، انظر قبل كم من الآن، في الخمسينيات، يُعقد اجتماع في الدعوة إلى وحدة الأديان، ومعروف التوجه العلماني الإلحادي في تلك البلاد. ثم يُدعى إلى ذلك الاجتماع من يسمى بدعاة الإسلام من بلاد المسلمين، وأكثرهم ممن تربى في أحضان الكفار، ومن تربى على أيدي من تربى في أحضان الكفار. وهل حضره فقط أهل الدين السماوي كما يزعمون؟ لا، ليس هذا، بل حضره أهل أديان متنوعة. وهكذا اجتماع آخر يُعقد في أيام الحج، في شهر ذي الحجة، وفي موسكو يدعو إلى وحدة الأديان، ويحضره مجموعة ممن يسمى بدعاة المسلمين. انظر كيف تتوسع حتى هذه الأمور الباطلة، وحدة الأديان مفهوم باطل منافي لما جاء في دين الله عز وجل. قل: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. ولقد أوحي إليك وللذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين. بل الله فاعبد وكن من الشاكرين. ويقول الله عز وجل: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. وما أكثر الأدلة في هذا الباب. إن الدين عند الله الإسلام، ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. ثم يأتي هؤلاء إلى دعوة وحدة الأديان، ابتدأوا بوحدة الدين الإبراهيمي، ثم الأديان السماوية، ثم الأديان الأرضية، حتى ولو كانت أديان في عبادة الأوثان. دعوة لوحدة الأديان، وأوسع من هذا حتى مع الملحدين الشيوعيين، وحدة أديان. وهذا هو الاجتماع الذي عقد في موسكو في أيام الاشتراكية. فأمثال هؤلاء كيف يؤتمن على أخذ الدين منهم؟ وكيف يمكن أمثال هؤلاء من الدعوة إلى الله، ومن وعظ الناس وتذكيرهم ونصحهم؟ بأي شيء يعظون؟ وبأي شيء ينصحون؟ وبأي شيء كذلك يعلمون؟ وهم فارغون من العلم. ولو كانوا فرغين لكان شرهم أخف، لكنهم يحملون السم لهذه الأمة، بهذه المفاهيم المنحرفة، وبهذا التحريف والتغيير والتبديل لثوابت وأصول هذا الدين. ومن ذلك أن أحدهم يأتي في محاضرة له في ساحة الرياضية، مليئة بالرجال والنساء والخلطة المحرمة. ثم يأتي ويدعي أن ديننا دين وحدتي الأديان، ودين الحرية الدينية والفكرية والعقدية. وليس هذا فحسب، بل يكذب على حملة هذا الدين من الصحابة الأخيار، وأنهم جاهدوا لأجل أن تكون الحرية الفكرية وحرية العقيدة. وربما كذب كذلك وحرف التاريخ. فذكر في كلمته أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما فتح الله عليه الشام، فقيل له: «صلي في الكنيسة». فزعم أنه أبى أن يصلي، وأنه قال: «حتى لا تقتصب على النصارى وتحوّل إلى مسجد». زعم أنه لا يصلي فيها حتى لا تقتصب على النصارى وتحوّل إلى مسجد. بينما لو تأملت مثل هذا، لا تجد له أصل في التاريخ. لو كان له أصل حتى ضعيف لقيل: «الواجب الأخذ بالصحيح وترك الضعيف». فكيف إذا كان ليس له أصل، وهو محض كذب، محض كذب على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لو كان عمر اجتهد فأخطأ، لما توبع على خطأه، وكان العبرة بما علم من دين الله عز وجل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخرج المشركين من جزيرة العرب». ثم يأتي أمثال هؤلاء، ليس فقط بإقرار بقاء المشركين، بل يدعون إلى إعادة بناء الكنائس ومعابد الكفار في بلاد المسلمين، بحجة: «لكم دينكم، وليَ دين»، وبحجة: «لا إكراه في الدين»، وبحجة أن ديننا دين الحرية الفكرية والعقدية. في أي آية نجد هذا المعنى؟ أو أي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو عن من من العلماء ينقل عنه مثل هذا القول؟ إلا دعاة هذا الفكر المعاصر، الذين يصح أن يسموا بأهل التدين العلماني، الذين يصح أن يسمى أمثال هؤلاء بدعاة أسلمة الكفريات. وهكذا المنقول عن أمثال هؤلاء كثير، وكثير مما فيه تلاعب بدين الله عز وجل. يأتي أحدهم فيحاضر فيقول: «أهم شيء في ديننا، وأعظمه هو الأخلاق». فيدعو إلى الأخلاق، وهذا أمر حسن، لكنه الأعظم من العقيدة، بل يصرح بعضهم صريحًا أنه أعظم من العقيدة. وهذا ليس بصحيح، فديننا عباد الله ينزل الثوابت الشرعية منازلها الصحيحة. فأول أسس هذا الدين العقيدة، فهو مفتتح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو أول واجب على المكلف. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن، فقال له: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله». وفي رواية: «أن يوحد الله». فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحد الله. وهكذا كذلك التلاعب في الحلال والحرام، وتهوين للوقوع في المعاصي، مفهوم الإرجاء بأعظم مما استنكره العلماء. يأتي أحدهم فيهوِّن أمر الذنوب والمعاصي، ويجعل المكفر لها أن تقول: «أستغفر الله». ما أن العلماء ذكروا أن الذنوب والمعاصي يكفرها التوبة الصحيحة، خصوصًا الكبائر المستوفية لشروطها. شروط التوبة التي ذكرها العلماء، من الإقلاع عن الذنب إقلاعًا صحيحًا، كما قال العلماء: «كخروج اللبن من الضرع لا يرجع إليه». ومن الندم، فالندم توبة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «الندم توبة». كما قال العلماء: «يوجب على صاحبه انكسارًا في غير علة ولا مرض، يدل على صدقه في رجوعه إلى ربه». والشرط الثالث عدم العزم للرجوع إلى هذا الذنب. فإن من عزم الرجوع إلى هذا الذنب، فهو ليس بصادق في توبته. وإن كان فيه شيء من حقوق المخلوقين، أعاد هذه الحقوق وتخلص منها بالدنيا قبل الآخرة، كما قال عليه الصلاة والسلام بالصحيح في حديث أبي هريرة: «من كانت له لأخيه مظلمة من دينار أو درهم، فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسي