فقه النوازل وحاجة الأمة إليه

المحاضرة بعنوان فقه النوازل وحاجة الأمة إليه، وكانت بمنطقة قصيعر 19 صفر 1433هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف فقه النوازل وأهميته

يعرف المقطع فقه النوازل ويربط بين الفقه والنوازل، ويشرح أهميته في مواجهة الفتن والمحن التي تتعرض لها الأمة الإسلامية. يبين أن فقه النوازل يعنى بمعرفة الأحكام الشرعية في النوازل المستحدثة.

أهمية فقه النوازل في مواجهة الفتن

يشرح المقطع أهمية فقه النوازل في مواجهة الفتن والمحن، ويبين أن التمسك بدين الله هو السبيل للنجاة من الفتن، وأن العلم النافع والعمل الصالح هما السبيل للنجاة.

الرجوع إلى العلماء الربانيين في فقه النوازل

يؤكد النص على أهمية الرجوع إلى العلماء الربانيين في حل القضايا المستجدة، ويحذر من علماء السوء الذين يفتون بقلة علم أو عمل. يبين أن العلماء الربانيين يعرفون الأمور الدقيقة التي تتناول فقه النوازل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه وتعالى على ما أنعم علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من عظيم فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. أيها الأحبة، سمعتم موضوع هذه المحاضرة والكلمة التي نتذاكر فيها، والتي اختارها إخواننا في هذه البلدة الطيبة والمسجد الطيب المبارك أن يكون موضوع مذاكرتنا في هذه الليلة، وهو موضوع هام يتناول مسائل كثيرة ويحوي في طياته مباحث وتفريعات عديدة. وحاجة الناس، خصوصًا طلبة العلم محبيه، لمذاكرة مثل هذه المسائل العلمية، وخصوصًا في مثل هذه الأيام، يعد من الفقه بالدين والعلم الشرعي الذي ينبغي أن يتذاكر ولا يغفل عنه. وقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». وكون المسلم يتفقه في مسائل دينه بحسب ما تمر به الحوادث وما تحتاجه الأحوال والوقائع هو من تمام الفقه بالدين. موضوع الكلمة، كما سمعنا، فقه نوازل، وحاجة الأمة إليها. وكما سمعنا، هذا الموضوع يتناول مسائل عدة وتفريعات كثيرة. وحسبنا في هذا المقام أن نتناول ما يظن أنه من أهم مباحث ومسائل هذا الموضوع. أولها في معرفة معنى هذا اللفظ المركب، وما جرى عليه اصطلاح أهل العلم في تفسيره. قول أهل العلم: «فقه النوازل» هو لفظ مركب من لفظين اثنين، أولهما لفظ الفقه، وثانيهما لفظ النوازل. ولمعرفة معنى هذه الكلمة، نحتاج إلى معرفة معنى هذين اللفظين المركب منهما. أما الفقه، فقد اشتهر عند أهل العلم أنه بمعنى الفهم. وعند التحقيق والتدقيق، نجد أنه أدق من الفهم، فهو الفهم وزيادة؛ لأن القاعدة عند أهل العربية أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فمبنى الفقه يختلف عن مبنى الفهم، فالفقه هو الفهم مع زيادة معنى فيه. فليس كل فهم يسمى فقهًا، ولكنه فهم خاص لمسائل خاصة يسمى فقهًا. فهو فهم بمعنى خاص، وهذا المعنى في اصطلاح أهل العلم هو معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية. الفقه معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية. هذا أشهر تفسير فسر به العلماء الفقه في اصطلاح أهل العلم. وبه نعلم أن معنى الفقه في الحقيقة أدق من أن يكون محصورًا في الفهم، بل هو فهم خاص يتعلق بهذه المباحث من العلم الشرعي. قولهم: «معرفة أو إدراك العلم الشرعي العمل» خرج بغير الشرعي ما ليس بشرعي من سائر العلوم، فإدراك تلك العلوم لا يسمى مدركها فقيهًا، ولا يسمى إدراكها فقها. وهكذا في قولهم: «العملية» أخرج ما ليس بعمل كالعقائد ونحوها، وإن كان في الحقيقة ذلك من الفقه في اصطلاح الشرع. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾، وهذا التفقه يتناول العقائد وغير العقائد من العبادات والمعاملات وغيرها. وهكذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين» يتناول العقائد ويتناول غير العقائد من العبادات والمعاملات وغيرها. لكن أراد العلماء الفقه بمعنى أخص، وهو ما يتناول المسائل العملية من العبادات والمعاملات وما يلحق بهما مما يقوم عليه مادتي الفقه وأصوله، والتي هي محل الاجتهاد والبحث، بخلاف العقائد ليست هي محل الاجتهاد والبحث. وقولهم: «بأدلتها التفصيلية» لأن ذلك في الحقيقة هو معنى الوصول إلى الفقه بمسائله ودلائله؛ لأن الفقه باعتبار آخر هو معرفة المسائل والدلائل، أن تعرف المسألة ودليلها فتصل بذلك إلى الحكم. ولأجل أن يخرجوا في هذا الموضع علم أصول الفقه وقواعده؛ لأنه يخوض حول الأدلة الإجمالية. والشاهد من هذا، كما ترون، هذه المباحث مباحث علمية ينتفع بها كثيرًا طلبة العلم ومحب العلم. فإذا علمنا الجزء الأول من هذا اللفظ المركب، نحتاج لمعرفة الجزء الثاني، وهو معنى النوازل. فالنوازل جمع نازلة، والنازل في اللغة هو الهابط، وهو في اصطلاح أهل العلم يدور على معاني كثيرة، أهمها في معنيين اثنين. المعنى الأول: النازلة الشيء الشديد الذي تمتحن به الأمة، ومنه قنوط النوازل، أي قنوط الحوادث الشديدة والوقائع الشديدة. والمعنى الثاني: هو الأمر المستحدث المستجد الذي يحتاج إلى معرفة حكمه، الواقع المستجد الذي يحتاج إلى معرفة حكمه. وهذا الثاني هو المقصود في كلام أهل العلم على النوازل، فهي التي تحتاج إلى فقه ودراية لمعرفة أحكامها. أما المعنى الأول، وهو ما يتعلق بالحوادث الشديدة والوقائع التي يبتل بها الأمة، ففقه بمعرفة تلك الحادثة وكونها مما يشرع فيها هذا الأمر من العبادة، وهو قنوط النوازل على تفاصيل كثيرة معلومة في هذا القنوط؛ لأنه قنوط مرتبط بحدث. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت شهرًا على رعل ودكوان، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة. وجاء معنا عن عدد من الصحابة. فهذا يحتاج إلى فقه، لكنه فقه بمعنى آخر، وهو من جهة انطباق هذا الوصف على ما يستحقه من حدث، ثم ما يترتب على ذلك من تفاصيل دلت عليها الأدلة الشرعية وتكلم فيها العلماء. ومن فقه هذا المبحث أن نعلم أن ذلك من الابتلاء الذي تبتل به الأمة، وما يبتلى عبد إلا بذنب، ولا يرفع بلاء إلا بتوبة. هذا في الأصل، وقد يخرج عن الأصل أشياء. ومعنى أن ما تبتل به الأمة مدعاه لتجديد إيمانها؛ فإن أهل الإسلام والإيمان هم شيء واحد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». ومثل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة بأصحاب السفينة، كما صح في الصحيحين في حديث النعمان المشهور. قوله عليه الصلاة والسلام: «في مثل القائم على دين الله والواقع في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم كانوا في سفينة، فكان قوم في أعلاها وقوم في أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا الماء صعدوا إلى الأعلى، فقالوا: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعًا، ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعًا». فهذه الأمة قد تبتلى بذنوب بعضها، قد تبتلى هذه الأمة بذنوب البعض، لا يلزم أن يكون الذنب منك أنت، ولكن قد يكون من آخرين في هذا المجتمع؛ لأن المجتمع كالسفينة، مثل النبي صلى الله عليه وسلم أمر هذه الأمة كأصحاب السفينة. فإذا لم يأخذ على يد الظالم، وإذا لم ينصح صاحب الذنب، فإننا نخشى أن يعمنا الله عز وجل بعذاب وعقاب من عنده. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، ويقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. فلا يكفي أن يكون أهل القرية صالحين إذا وجد فيها أهل الفساد والإفساد، فلا يكفي في منع العذاب أن يوجد فيها أهل الصلاح، ولكن لا بد من الإصلاح. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، فإذا وجد الإصلاح رفع العذاب. أما إذا لم يوجد الإصلاح، فإننا نخشى أن يعمنا الله عز وجل بعقاب وعذاب من عنده؛ أولًا لأن كل ابن آدم خطأ، وثانيًا وهو أعظم أننا قد نبتلى بذنوب غيرنا، قد نبتلى بذنوب غيرنا. فلذلك من فقه هذه المسألة أن لا ينظر إليها أهل الإسلام بنظر واحد، وهو نظر طلب النصر والتأييد ورفع البلاء من الله عز وجل بالدعاء، بل كذلك طلب التوبة والمغفرة من الله جل وعلا ليرفع البلاء. وهذا أهم من الأول؛ لأن بعض ما يبتلى به الناس هو من البلاء والامتحان، وبعضه ما يكون بسبب الذنوب والمعاصي، ولو كان الذنوب ومعاصي البعض. وكلا الأمرين متحقق في هذه الأمة، ولعل ما تشكو منه بلدان المسلمين من محن وإحن متتابعة وفتن متتالية كان قد جمع هذين المعنيين جميعًا، وأعظمهما هو الأول، وهو كوننا ابتلينا بذنوبنا ومعاصينا وتقصيرنا. ولذلك يجد المسلم الفرق في تفاوت الناس في هذه المحن بتفاوت تمسك الناس بدين الله عز وجل، سواء كانت تلك الموازنة على وجه مجتمعات بأكملها وأسرها، أو كانت الموازنة في مجتمع واحد. فقد تمر في خاطرك وفكرك مجتمعات متجاورة يتفاوت أهلها في الامتحان والابتلاء وتتابع الفتن والمحن بقدر تمسك هذه المجتمعات بدين الله عز وجل وبعدها عنه. كلما كان المجتمع أبعد كانت الفتن أكثر وأشد، وكلما كانت المجتمعات أقرب كانت الفتن أقل وأخف. وهكذا لو نظرت بنظر آخر في المجتمع الواحد، وفيه طوائف شتى وأناس كثر، وهم في مجتمع واحد يبتلى هذا المجتمع بعدد من الفتن والمحن، ومع ذلك فالناس يتفاوتون فيه بتفاوت استقامتهم. ولو تأملنا ودققنا لوجدنا أبعد الناس وأنجى الناس من هذه الفتن أقربهم تمسكًا بدين الله جل وعلا، أكثرهم علمًا وعملًا. وهذا من فقه هذه المسائل أن نعلم أننا في حاجة أن نفقه هذه الحقائق، وأن نفقه الأمة هذه الحقائق، وأن السلام من هذه الفتن تكون بالعلم النافع والعمل الصالح الذي به يكون التوفيذ والسداد والنجاة والثبات. في حين أن الكثير من الناس في حيرة، وفي شك، وفي ريب، وفي تخبط. وانظروا إلى عامة الناس الذين هم الرعاع في المجتمعات، من يغلب عليهم الجهل وقلة الدين، هؤلاء هم ضحية الفتن في كل زمان ومكان، فهم أتباع كل ناعق، هم حطب نار الفتن في كل زمان ومكان، حتى دخلوا في الأضداد وما يفقهون وما يعتبرون. فعلى سبيل المثال، وهذا من الطرائف أشياء مبكية مضحكة تمر على الناس، فتن عظيمة يردف بعضها بعضًا، وأكثر من يخوض فيها هم من أهل الجهل بالعلم وقلة الدين، الرعاع الذين هم أتباع كل ناعق. وربما جمع هؤلاء بين الأضداد وما يفقهون. اليوم مظاهرات تطالب بأشياء كثيرة، ومنها ماذا؟ رفع الرواتب وإيجاد فرص العمل وغير ذلك. وبعضهم ربما ينادي بأشياء وأشياء. ولو فتشت في هؤلاء الذين يقومون بهذه الفتن والمظاهرات لوجدت بعضهم كان في فترة ليست ببعيدة يخرجون مظاهرات تخفيض الراتب واجب. حصل هذا، لم يحصل، يعرف هذا الكثير من الآباء. مظاهرات تمشي في الشوارع بأن تخفيض الراتب واجب، ليس رفعه، تخفيضه، تخفيضه واجب. انظروا إلى الجمع بين التناقضات، وهم هم أهل الجهل وقلة الدين، هم الذين يهلكون أنفسهم في هذه الفتن. وكلما ازداد المرء علمًا ودينًا نجاه الله سبحانه وتعالى من هذه الفتن، وسلمه الله، ونظر بنظر العلم والدين والإيمان، فأوجب له ذلك السلامة والنجاة والثبات. في حين أن الكثير من الناس يتحير ويتخبط، وتتلاعب به أمواج الفتن يمنة ويسرة. فمن وفقه الله لطريق التمسك بدين الله عز وجل، التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخذ بغرز العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، فليحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. وليتعظ بغيره؛ إذ يتخبط الكثير في هذه الفتن، وصار حطب نار هذه الفتن. ونحن ننظر إلى هؤلاء بنظر الرحمة والشفقة. ولذلك ينبغي علينا جميعًا أن نجتهد في إنقاذهم مما هم فيه، بالعلم، بالموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة، بالرفق واللين. فمن استجاب منهم فقد وفقه الله، ومن لم يستجب ندعو لهم بالسر أن الله يهديهم، وأن الله يردهم إلى الحق ردًا جميلًا. أما المعنى الثاني من معاني هذه المسألة النوازل، فهي كما سمعنا النازلة بمعنى الحادثة الواقعة المستجدة التي تحتاج إلى معرفة حكمها الشرعي. وبمعرفة اصطلاح أهل العلم في هذين اللفظين، نعرف معنى فقه النوازل. ففه النوازل هو مأخوذ من تركيب هذين اللفظين، فعرفه العلماء بأنه معرفة حكم الوقائع المستجدة الملحة، أو إدراك حكم الوقائع المستجدة الملحة. وهذه الوقائع تختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى آخر، فلكل زمان ومكان نوازله الخاص به. وهذه النوازل لها أسباب كثيرة، من أهم أسبابها سببان اثنان. أولهما ما يستجد في حياة الناس في أمورهم المختلفة الكثيرة، سواء أكانت معاملات أو كانت بسبب بعض الوسائل الحديثة التي ارتبطت بها بعض العبادات، أو تغير أماكن الناس التي استلزم كذلك هذا التغير في المكان أو التغير في الزمان استحداث مسائل لم تكن معروفة من ذي قبل. فمثل هذا المعنى، وهذا في هذا العصر وقع على أوسع أوجهه؛ وذلك لما استجد في حياة الناس من معاني في جوانب كثيرة. فمنها هذا التطور السريع الصناعي وغيره في حياة الناس، الذي أثمر تغيرات كثيرة، كوسائل النقل المختلفة، ووسائل كذلك السكن المختلفة، وكثر تنقل الناس، واستحداث المعاملات الجديدة، وغير ذلك مما استجد في أمر الناس بتغير أشياء كثيرة، احتاج معها إلى معرفة أحكام الكثير من تلك المسائل المستجدة. وهذا من فقه النوازل، من أسباب حصول هذه النوازل التي تحتاج لفقه. ومن أهم هذه الأسباب كذلك قلة العلم وكثرة المعاصي والفجور في المجتمع، ببعد الناس عن دين الله عز وجل؛ فإن هذا كذلك سبب آخر استدعى استحداث أمور معضلة تحتاج إلى معرفة أحكامها. وكما يروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «ما نزل بالناس نازلة إلا كان بسبب فجورهم»، أو كما قال رحمه الله، كما نقله عنه أبو الوليد الباجي شارح الموطأ رحمه الله في كتابه المنتقى. وهكذا آثار كثيرة بهذا المعنى. فعلى سبيل المثال، مثلًا استجد في الناس بالنسبة للسبب الأول مسائل المعاصرة تحتاج لمعرفة أحكامها؛ بسبب ما استجد في حياة الناس. فمن ذلك مسائل المعاملات المصرفية الكثيرة التي استجد أمرها بسبب هذا الشيء الجديد الذي وجد في الناس، وما أكثر تلك المسائل المشكلة التي عدها بعض أهل العلم من النوازل التي يحتاج أن يجتمع لها العلماء. وهكذا كذلك من الثاني: قلة الدين والجهل به، التي كذلك كانت سببًا في استحداث مسائل جديدة تحتاج لمعرفة حكم تلك المسائل، مثل ما يقع في المجتمعات التي يقل دينها ويذهب من نكاح المحارم، وما يترتب على ذلك من مسائل. أو كذلك تزوج المسلمة من الكافر، وهذا في هذا الزمان وللأسف كثير، خصوصًا في المجتمعات التي يقل فيها الدين أو يكثر فيها الكفر. كان العلماء في زمن ليس ببعيد تأتيهم مثل هذه المسائل في بلاد الكفر حين يحصل ذلك غصبًا، أن يتزوج الكافر المسلمة قهرًا. أما اليوم فقد وقع مع قلة العلم وقلة الدين حتى في بعض البلاد المسلمة، وللأسف. وما أكثر المسائل التي ترد وهي معضلات. وهذا المعنى أو هذين المعنيين المذكورين في أسباب هذه النوازل هو الغالب العمل، وإلا فهناك أسباب أخرى كثيرة. ومما يذكر من مباحث هذا الموضوع أن نعلم أهمية فقه النوازل واعتناء هذه الأمة بذلك. فنصوص الكتاب والسنة وسلف الأمة فيما يتعلق بهذا الباب كثيرة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهذه الآية تدل على هذا الأصل وهذه المسألة؛ فإن الأمة إذا ابتليت بنازلة وجب عليها أن ترجع إلى مرجعيتها الصحيحة، وهم أهل الرسوخ من العلماء الربانيين الذين جمعوا بين العلم والرسوخ فيه مع العمل به. ولهذا قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وأولي الأمر هم الأمراء والعلماء، والأمراء تبع للعلماء؛ لأن طاعة العلماء من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غير وجه في أحاديث كثيرة: «أن العلماء ورثة الأنبياء». فالعلماء ورثة الأنبياء. وصح عنه عليه الصلاة والسلام: «أن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي خلفه نبي آخر، وأما هذه الأمة فلا نبي بعد عليه الصلاة والسلام، ولكن العلماء في هذه الأمة بمثابة أنبياء بني إسرائيل». ولكن من العلماء المراد بهم العلماء الربانيون الذين يدلون على الرب سبحانه وتعالى بعلمهم وعملهم، والذين يربون الناس على صغار العلم قبل كباره، فيراعون المصالح من المفاسد، ويدرجون العلم كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. وكما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». والحديث حسن بمجموع طرقه. فهؤلاء هم المرجعية الصحيحة، عدول هذه الأمة الذين جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح، الذين ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين. فلا يكفي أن يكون هناك علم، ولا يكن معه عمل؛ فإن مثل ذلك كمثل ظلال علماء اليهود، عندهم علم، ولكن ما عندهم عمل، فغضب الله عز وجل عليهم. وهذا الذي لا يعمل بعلمه سرعان ما يتلاعب بتلك الفتاوى، فليس هو أهل لأن يكون مرجعية لهذه الأمة؛ لأنه وإن أمن من جانب العلم، لا يؤمن من جانب الدين. وهكذا صنف آخر ربما عندهم دين، ولكن ليس عندهم علم، ومثل هؤلاء كمثل عباد النصارى، وهؤلاء من أهل الضلال. وقد أمرنا الله عز وجل بالتعود من هذين الصنفين. فنحن نكرر في صلواتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. وصح عن عدد من الأئمة والسلف الصالح من التابعين ومن تبعهم: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». وما أكثر النوازل التي تحدث بالأمة، فيتصدر لها بعض دعاة السوء وعلماء الضلال، فيضلون أممًا من الناس، يضلون أممًا من الناس. ولهذا وجب التحذير من علماء السوء والضلال الذين يتصدرون لهذه النوازل، فيضلون هذه الأمة بسبب أحد أمور ثلاثة، الأمور كثيرة، ولكنها تجمل بهذه الخصال الثلاثة. أولها قلة العلم، وثانيها عدم العمل به. فإن من الناس من ليس عنده علم، فيتصدر لهذه النوازل، فيضل الناس، يضلهم بسبب قلة علمه. وما أكثر هؤلاء في المجتمعات. ومنهم من عنده علم، ولكنه قليل العمل به، أو ضعيف العمل به، رضي لنفسه أن يشتري الدنيا الفانية بالآخرة الباقية. قاعدته مسايرة الواقع والمجتمعات. ولذلك لا تستغرب إذا سمعت التناقضات في فتاوى أمثال هؤلاء. ربما يحرم شيئًا في بلد، ويحله في بلد آخر، وربما يقول قولًا وينقضه، وربما يثني على إنسان ويرفعه إلى السماء، وبعد أيام قليلة يذمه حتى يضعه تحت الأرض. ومن أمثال هؤلاء أحد دعاة الضلال الذين فتنوا الناس في هذه الأزمنة الأخيرة، وهو من يسمى بيوسف القرضاوي. في بعض الأحيان يحتاج الناصح أن يسمي بعض أهل الضلال للتحذير منهم على وجه التعيين؛ لكثرة ضلاله وإضلاله. فهذا الرجل له فتاوى كثيرة في قضايا تمر بالناس، هي من النوازل العظام. فإذا به يتجرأ للخوض فيها تارة بقلة علم، وأخرى بقلة أمانة ودين. وهكذا يكون إضلال الكثير من الناس. وكم رد عليه علماؤنا ومشايخنا من سنين، لما تكلم تلك الكلمة: «أن قتال المسلمين لليهود إنما هو لأجل الأرض». فرد عليه مشايخنا وعلماؤنا، ومنهم شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. وبينما كانت له كلمات تناقض هذه، لكن مسايرة الواقع تأتي بهذه التناقضات. ومثله كتابه «الحلال والحرام» الذي فيه ما فيه، إذا به ينقض ما فيه في فتاوى بعد ذلك، فيحلل الغناء، ويتبجح بذكر بعض المغنين والمغنيات ونحو ذلك، وأشياء كثيرة من هذا الباب. ومما يذكر كذلك كلامه الأخير حين تكلم على القذافي، وكان قبل أيام قد رفعه إلى السماء، وما بين الكلام الأول والثاني إلا أيام. وهكذا في قضايا عظيمة ونوازل يخوض فيها بالعقل والرأي. له كتاب اسمه «فقه الزكاة»، ومن تأمله وجد أنه وضع العقل قبل الشرع في الكثير من الأقضية والحوادث النازلة. ومع ذلك وللأسف نجد من يثني على هذا الكتاب. وله كتابات في عدد من المعاملات المصرفية، حلل فيها الكثير من الحرام، وكذلك غير وبدل الكثير من الأصول والضوابط، حتى اغتر بتلك الفتاوى من لا رسوخ عنده في العلم، وتقوى بها من لا دين عنده، مع علمه أنها فتاوى ضالة. فصار يستكثر فيها الضعيف، ويتقوى بها الجاهل، ونحو ذلك مما أثمر فتنة للناس. وأمثاله كثير في المجتمع. فلذلك لزم المسلم أن يستثبت، وأن يتحقق من المرجعية الصحيحة التي يجب أن يرجع إليها في معرفة النوازل التي تمر بهذه الأمة. وكما تقدم، إن من أعظم ما ينبغي الحرص عليه الرجوع إلى العلماء الربانيين الراسخين في العلم. فهذه ثلاثة صفات هي من أعظم الأسباب التي تتحقق بها السلامة في الفتاوى النازلة والحادثة. أولها العلم، ثانيها الدين، ثالثها الرسوخ. والرسوخ في العلم يأتي إما من كثرة العلم والخبرة به، وإما من طول الزمن والممارسة فيه. وهذا الوصف يجتمع عند الأكابر، أكابر العلماء. هذان الوصفان يجتمعان عند أكابر العلماء. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «البركة مع أكابركم». فالبركة مع الأكابر. ولذلك ذكر العلماء في فقه النوازل أنه لا بد لفقه المسألة النازلة من أمور، وذكر أمور كثيرة. من أهم هذه الأمور خمسة مباحث. المباحث الأول: أن ينظر إلى هذه المسألة النازلة بالأدلة الشرعية، الكتاب والسنة؛ لأنك تعلم أخي المسلم أن حكم ذلك إنما هو إلى دين الله وشرع الله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. والآيات في هذا الباب كثيرة. والمباحث الثاني: أن ينظر إلى هذه النازلة ويتصور وصفها، ويبحث هل لها من نظير في كلام السلف ومن سبق من الأمة. وهذا يحتاج لعلم أكثر؛ لأن الأمر لا ينحصر في أدلة الكتاب والسنة، بل يحتاج لاستقراء ومعرفة لفتاوى السلف الصالح ومن بعدهم من الأئمة، مما ذكروه وأفردوه ضمنًا أو مفردًا في كتب الفقه والحديث والعلم. والأمر الثالث كذلك: أن ينظر إلى هذه المسألة باعتبار واقعه وعصره، هل تكلم فيها أحد. فإن تكلم فيها أحد، فإن الدين والأمانة تقتضي من هذا العالم أن يقف على هذا الكلام، وأن يبحث فيه وينظر إلى أوجه الاستدلال. وعند ذلك بما معه من معرفة وعلم يميز أقرب هذه البحوث إلى الصواب، أو يستخلص منها تفصيلًا وحكمًا بما أعطاه الله عز وجل من العلم مما علم من أدلة الكتاب والسنة وفقه سلف الأمة ومن تبعهم من الأئمة. وهكذا كذلك الأمر الرابع: أن يتصور هذه المسألة من جهة تركيبها وعدم تركيبها؛ فمعظم المسائل مسائل مركبة تشمل أكثر من مسألة، ومعظم المسائل مسائل ليست بمركبة. فقد تتنازع بعض المسائل أكثر من جهة، فهي توجب إشكالًا أكبر وأكثر. وبعض المسائل لا تتنازعها إلا جهة واحدة. فمثلًا لو سأل سائل: «ما حكم الصلاة في الطائرة؟» هي مسألة تتعلق بحكم مفرد. بخلاف لو سأل السائل: «ما حكم زواج المسيار؟» فهي مسألة مركبة تتنازعها مسائل، هل يلحق بنكاح المتعة أم أنه ليس كذلك، بل يلحق بما ذكره بعض الفقهاء من تزوج المرأة الليلية أو النهارية، على تفاصيل يذكرها أهل العلم. وهذا يعرفه أهل العلم، فهم بما معهم من علم يصلون إلى حكم المسألة. والأمر الخامس: أن ينظر كذلك إلى ما يحتف بهذا السؤال وهذه المسألة الحادثة والنازلة من أمور قد تغير في حكم المسألة. فقد يكون حكمها في موضع يختلف عن حكمها في موضع آخر؛ باعتبار تفاصيل تحتف بهذه المسألة تغير حكمها. وفرق بين أن يتغير الحكم لأجل مثل هذه المعاني التي دلت الأدلة الشرعية على تغيرها، وبين أن يتغير لأجل محض هوى وكذلك تلاعب بالشرع. فمثلًا بيع العنب من الأمور المباحة، وهذا هو الأصل فيه، لكن بيعه لمن يستعمله خمرًا لا يجوز. فإذا كان السؤال عن بيع العنب في موضع يوجد فيه من يستعمله خمرًا، فهنا المسألة تتنازعها أو يتنازع هذين المعنيين. ومثله بيع السلاح، الأصل فيه اللإباحة، لكن بيعه بوقت الفتنة ولمن يستعمله في قتل الدماء المحرمة هذا لا يجوز. وهكذا. لكن إنسان يقول: «هنا في موضع معين، لا يجوز مثلًا بيع الخمر؛ لأنك مسلم، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة». ثم إذا ذهب إلى بلاد الغرب وسئل عن بيع الخمر يقول: «لا بأس أن تبيع الخمر أو تبيع الخنزير، لكن بيعه لكافر، ولا تبيعه لمسلم». كيف كان هذا التغيير في الحكم؟ هل الشرع أذن أن يباع الخمر والخنزير لكافر؟ الجواب: لا، المسلم لا يجوز له أن يبيع الخمر لا لمسلم ولا لكافر. بل في شروط أهل الذمة إلزام الكفار بعدم إظهار هذه المحرمات في بلاد المسلمين. فكيف يجوز المسلم أن يبيع للكافر؟ أو كذلك يأتي في موضع يحل الغناء، وفي موضع آخر يحرم الغناء. والغناء هو الغناء الحرام الذي تختلط معه آلات له والطرب وتجمع معاني العشق والفجور. فمثل هذا تلاعب. والأول له وجه؛ لأجل التغيير بحسب مورد المسألة. فالشاهد من هذا أيها الأحبة نصل بهذه اللفتات المختصرة لهذه المباحث: أن فقه النوازل تتناوله أمور دقيقة يعرفها الراسخون في العلم ويدركونها. ولذلك لزم على المسلم أن يبحث عن هؤلاء العلماء الربانيين الراسخين في العلم، الذين هم صمام أمان لهذه الأمة ومرجعية راشدة تعين المجتمعات على ما فيه الخير لها في دينها وفي دنياها. الذين متى ما تكلمت تكلمت بعلم، ومتى ما نطقت نطقت بأمانة ودين، ومتى ما سكتت سكتت بعلم وأحجمت بعلم. فأمثال هؤلاء هم الذين ينبغي أن ترجع، بل يجب أن ترجع إليها الأمم والمجتمعات؛ إذ في الرجوع إلى أمثالهم السلامة لهذه المجتمعات من هذا التخبط. انظروا الآن إلى جرأة الناس وسذاجة الكثير من الناس في المجتمعات، حتى صار الدين يؤخذ من كل أحد، ويفتح العنان للخوض في دين الله جل وعلا لكل أحد. كان من قبل ربما خاب بعض من عنده شيء من العلم الشرعي، ولكن يكون خطأه بسبب أنه ليس من الراسخين في العلم. أما اليوم فيتجرأ على العلم الشرعي أهل الجهل، بل وأعظم من هذا أهل الفسوق وأهل الفجور من أهل الفن والعفن. فتجد بعض المقابلات في القنوات في بعض