الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 37، الدرس السابع والثلاثون:من( فصل:ومن الفروق اللطيفة التي تتصيد من تتبع كلام الفقهاء ... وإن غلب على ظنها كذبه رفعته إلى الحاكم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش هذا الفصل أقسام ألفاظ المكلفين في الفقه الإسلامي، حيث قسمها إلى ثلاثة أقسام: الألفاظ الصريحة، والألفاظ المحتملة، والألفاظ التي تحتمل خلاف المفهوم، مع شرح أحكام كل قسم وأمثلتها. يركز على الطلاق والعتاق كأمثلة رئيسية.
يتناول هذا الفصل حكم الطلاق باللفظ الصريح والمحتمل، حيث يشرح رأي جمهور العلماء في اعتبار اللفظ الصريح حجة، بينما يخضع اللفظ المحتمل للنية والقرائن. يشرح أيضًا كيفية التعامل مع الألفاظ المحتملة بناءً على القرائن والعرف.
يناقش هذا الفصل كيفية التعامل مع حالة نفي الزوج للطلاق بعد التلفظ به، حيث يعتمد على دين الزوج والقرائن المحيطة لقبول أو رفض نفيه، مع الإشارة إلى دور الحاكم الشرعي في الفصل في النزاع.
يتم في هذا الفصل إصدار الفتوى المناسبة بعد دراسة الحالة الفقهية المعروضة، مع التأكيد على أهمية ملاءمة الفتوى للحالة المحددة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، ومن الفروق اللطيفة التي تتصيد من تتبع كلام الفقهاء أن الألفاظ الصريحة في الطلاق ونحوه لا تحتاج إلى نية، ولا يقبل صاحبها إذا حوكم عند الحاكم إذا ادعى أنه أراد خلاف صريح كلامه. وأما الألفاظ المحتمل احتمالا بينا لغير الظاهر منها، فيقبل صاحبها حكما؛ لأن احتمال إرادته أقوى. وأما الألفاظ التي تحتمل خلاف المفهوم احتمالا مرجوحا، فلا يقبل صاحبها حكما، ولكنه يدين. وهل الأولى للمرأة أن تدين زوجها في مثل هذه الأمور أو ترفعه إلى الحاكم؟ الأولى النظر إلى القرائن، فإن علمت صدقه أو غلب على ظنها صدقه، وكلته إلى دينه؛ لأنه احتمال إرادته ما قال قوي. وإن غلب على ظنها كذبه، رفعته إلى الحاكم. هذه مجموعة من المسائل تضمنها هذا الفصل في ذكر هذه الفروق اللطيفة فيما يتعلق بألفاظ المكلفين، وأنها على ثلاثة أقسام. ألفاظ العباد فيما يتلفظون به من ألفاظ ينبني عليها أحكام هي على ثلاثة أقسام. القسم الأول: الألفاظ الصريحة في الطلاق ونحوه، يعني من الألفاظ التي تنبني عليها أحكام ويترتب عليها شيء في حق الغير. فهذه الألفاظ إما أن تكون صريحة، مثل الطلاق مثلا، ونحو الطلاق كالعتاق مثلا العتق. قال: لا تحتاج إلى نية، يعني التلفظ بها يكفي في إثبات حكمها. وليس معنى لا تحتاج إلى نية أي أنها تخرج من دون نية وحكمها يثبت من دون نية، لا. ولكن معنى رحمه الله يريد بكلامه رحمه الله أننا ليس لنا إلا الظاهر؛ لأننا ما نعلم من الصادق ومن الكاذب. هذا المعنى، فليس لنا إلا ما ظهر من كلامه؛ لأننا لا ندري. لو فتحنا هذا الباب، ادعى كل من عنده ضعف في دينه بأنه ما نوى الطلاق. سيأتي ويقول: طلقت زوجتي، لكن في الحقيقة أنا ما نويت الطلاق، فيصير تلاعب في هذا الباب. فلأجل هذا لم يكن في مثل هذه الألفاظ الصريحة إلا ما ظهر من هذه الألفاظ. فإن كان هذا اللفظ الصريح الذي صدر من هذا الإنسان يوجد ما يتيقن أنه لا يريد هذا الظاهر، فهنا ممكن -كما سيأتي إن شاء الله في الأقسام الأخرى- ممكن أننا نصدق ونقبل أنه لم يرد هذا اللفظ الذي تلفظ به. أما إذا لم يكن هناك بينة، فالأصل إمضاء هذه الألفاظ على ظاهرها. فإن قال: ما هو الدليل على ذلك؟ الجواب: الدليل على ذلك هو الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تقضي بإمضاء هذه الألفاظ على ظاهرها. الطلاق مرتان... وهكذا. كذلك ما جاء في السنة من إمضاء النبي صلى الله عليه وسلم الأحكام على صريح ما يصدر من ألفاظ. وهذا هو الأصل، كما أنه يدل عليه دليل الشرع، فهو كذلك الأصل الذي لا ترده عقول صحيحة ولا فطر مستقيمة. ثم قال رحمه الله: لا تحتاج لنية، ولا يقبل صاحبه إذا حوكم عند الحاكم إذا ادعى أنه أراد خلاف صريح كلامه. علمنا ما معنى لا تحتاج إلى نية؟ ليس معناها لا تحتاج إلى نية أنها في أي كيفية صدرت يثبت حكمها، لا. لكن مراده أننا لا نقبل منه الدعاء عدم النية؛ لأن هذا يفتح باب شر. وإلا إذا ثبت بيقين، فإننا نقبل. إنسان نائم، قاموا وقال: يا فلانة أنت طالق. نقول: خلاص أنت طلقت أمس في الليل. هل صح هذا؟ صدر منه صريح رفض الطلاق، لكن هل صدر بنية؟ ما صدر بنية ولا قصد. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: بأن القلم رفع عن ثلاث، ومنهم النائم حتى يستيقظ. النائم حتى يستيقظ، فمثل هذا ما نثبت فيه الحكم. إنما الأعمال بالنيات، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. لكن حتى لا نفتح بابا فيقع بذلك الشر، فإننا نمضي شيء على ظاهره. من تلفظ بالطلاق، فلنا ما تلفظ، وأمره إلى الله. فإذا قال: إذا رفع إلى الحاكم لا يقبل صاحبها، يعني إذا رفع وانتقل الخلاف إلى الحاكم، قال: أنا ما نويت الطلاق. قالت الزوجة: ما أعرف، أنت تلفظت بالطلاق. ارتفعت القضية إلى الحاكم. قالوا للحاكم: هذا الرجل طلق، وسمعته زوجته، ويوجد شهود، وهو يقر بذلك، ويزعم أنه ما أراد الطلاق. فإذا وصلت إلى الحاكم، فليس له إلا ما ظهر من كلامه؛ لأن معرفة ما في القلوب شيء صعب. وقوله: إذا وصلت إلى الحاكم، لأنه قال: إذا حوكم عند الحاكم، مفهومه: إذا لم تصل إلى الحاكم قد يختلف حكمه. مفهومه: إذا لم تصل إلى الحاكم قد يختلف حكمه. وهذا ما سيأتي الإشارة إليه في الأقسام الآتية إن شاء الله. فإنها إذا لم تصل إلى الحاكم، وكانت المرأة تثق بهذا الزوج وبدينه وأمانته، هل يجوز لها أن تقبل منه ذلك؟ الجواب: نعم، إذا كانت تثق بدينه وأمانته. مثلا يمزح معها، أو في مجلس يتكلم... يتكلم، ثم قال: أنت طالق. فقالت: ها طلقت. قال: لا والله أنا أمزح، ما قصد. يحلف يمين أنه ما قصد وأنه يمزح. وهي ترى أن قرينة الحال تدل أنه لا حاجة للطلاق، وليس بمثل هذا المقام يحصل طلاق. فهنا لها أن تصدقه ويقبل ذلك منها. ومع ذلك لا يجوز للرجل أن يفعل مثل هذا، ولا يجوز للمرأة أن تتساهل معه فتسمح له أن يفعل مثل هذا. وقد روي حديث ضعيف، لكن معناه صحيح، أكثر العلماء على تصحيح معناه، وتؤيده عمومات كثيرة، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ثلاث جده النجد وهزله النجد، وذكر من ذلك الطلاق. لماذا جده النجد وهزله النجد؟ لأن فتح باب التلاعب فيه سبب للتلاعب بحدود الله. وقد جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث الأكثر في التحذير من التلاعب بحدود الله وأحكامه وشرعه؛ لأنه لو صار الناس يمزحون في مثل هذا اختلط الجد بالهزل وفتح باب التلاعب. وسد الذراع أصل عظيم دلت عليه عمومات كثيرة. فإذا لا يجوز المزاح في مثل هذا الباب، يحرم المزاح في مثل هذا الباب، تدل عليه العمومات الكثيرة؛ لأنه يفضي إلى شر ويفتح باب شر. وقد قال عليه الصلاة والسلام: ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا. فإذا كان زعم أنه لم ينوي شيء، قد يقول مثلا: أنا ما نويت الطلاق أبدا والله. وهي تدينه، تعرف أنه صاحب دين وأنه صاحب أمانة، لها أن تصدقه. فإن تلفظ بهذه اللفظة ونوى الطلاق، لا شك أنه طلاق. بقي لو تلفظ بهذه اللفظة ثم قال: أنا ما قصدت. فقالت: أسألك بالله ماذا أردت بهذه اللفظة؟ سكت، ما عنده جواب. ماذا أردت؟ أنت قلت: أنت طالق، ماذا أردت بهذه اللفظة؟ سكت، ما عنده جواب. ماذا نويت؟ نويت الطلاق، قال: لا أدري، خرجت من لساني ولا أدري. هنا جمهور أهل العلم يحملونه على ظاهره، على ظاهر لفظه، أنها تطلق؛ لأنه الأصل. الأصل أن الألفاظ تخرج من الإنسان العاقل وهي متضمنة لمعانيها. ما أحد يتكلم الكلام العبث، الأصل أن الإنسان يتكلم بكلام له معنى، أنه يريد هذا المعنى. لا يخرج هذا بعبت إلا عند رجل لا يحسن هذه اللغة، مثل البغبغة. البغبغة هذه تتكلم بما لا معنى له. إذا سمعت صوت قالت مثل ذاك الصوت. لكن إنسان عاقل بالغ متزوج ويعرف قدر المسؤولية، يتلفظ بهذه اللفظة ويقول: أنا لا أدري ماذا أريد، هذا لا يقبل منه، ويبقى الكلام على أصله. ثم قال رحمه الله: وأما الألفاظ المحتملة احتمالا بينا لغير الظاهر منها، فيقبل صاحبها حكما؛ لأن احتمال إرادته أقوى. انتقل إلى القسم الثاني، وهو أن الإنسان لا يتلفظ باللفظ الصريح، ولكن يتلفظ باللفظ المحتمل احتمالا بينا، يعني احتمال قوي، ولكن ليس هناك مرجح يرجح أحد طرفي الاحتمالين. هل معناه الطلاق أو ليس معناه الطلاق؟ فهنا قال: يقبل صاحبه حكما؛ لأن احتمال إرادته أقوى. وهذا الكلام إذا لم تحتف به قرائن، وكان هذا الرجل ديِّن واضح. إذا لم تحتف به قرائن، فإذا احتفت به قرائن وانضاف إلى ذلك أن الرجل ليس بديِّن، فيؤخذ بالقرائن ولا يؤخذ قول الرجل. مثال الأول: أن اللفظ يحتمل الأمرين، والرجل ديِّن، ولا تدل قرائن على ذلك. مثلا قال: الحقي بأهلك. هذه اللفظة تحتمل الطلاق ولا تحتمل الطلاق. قد يكون يريد الطلاق، وقد يكون لا يريد الطلاق. الحقي بأهلك، قد يكون غضبان ما يريد يراها، أو غرب صورتك عني، أو نحو ذلك من العبارات. قد يكون المراد الطلاق، وقد لا يكون المراد الطلاق. وليس هناك عرف بين الناس أن مثل هذا يراد به الطلاق، لا يوجد عرف بين الناس يدل على ذلك. إذن انتفت القرائن، واللفظ محتمل، وهو قوي الاحتمال في الأمرين. وانضاف إلى ذلك أن الرجل صاحب دين. قيل له: هل أردت الطلاق؟ قال: لا، ما أردت الطلاق. فهنا يصدق، أو لا يصدق. كما قال رحمه الله: يقبل صاحبها حكما، يعني يصدق، وأمره إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأننا لا نستطيع أن نلزمه بشيء، وليس عندنا لفظ صريح. طيب إذا كان الرجل كذلك ليس ديِّن، لكن ليس هناك قرينة تدل أنه أراد الطلاق، هل يقبل قوله؟ الصحيح: كذلك يقبل قوله؛ لأنه ليس عندنا بيّنة ولا قرينة تدل أنه أراد الطلاق. واضح، ليس عندنا بيّنة ولا قرينة تدل أنه أراد الطلاق، فكذلك نبقى على ذلك. قال رجل فاسق من الفساق، رجل صاحب معاصي وأشياء من عامة الناس: الحقي بأهلك لامرأتي. قالت: أنت طلقت. قال: أنا ما طلقت، أنا قلت هذا وقت غضب، ولا أريد الطلاق، أريد تغريب عن صورتي. فهنا ما دام لا توجد قرينة، فالأصل أننا نأخذ الكلام بظاهره. فإذن الآن علمنا أن الأول عندنا لفظ صريح، وهو ما يسميه بعض أهل الأصول النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحد. والحالة الثانية هو الكلام المحتمل، وهو الذي قد يكون ظاهرا في استلاح الأصوليين أو مؤولا. والظاهر هو ما يرجح فيه أحد طرفي الاحتمال. يترجح أحد الطرفين، والمؤول هو ذاك الطرف المرجوح من طرفي الاحتمال. يعني نقول: هذا قوي، وهذا أضعف. هذا احتماله قوي، وهذا احتماله أضعف. وهذه هي الحالة الثالثة، مثاله: لو أن رجلا قال لمرأته مثلا: الحقي بأهلك. وفي عرف الناس أن مثل هذه العبارة معناها الطلاق، ولا يتلفظ بها إلا ويراد بها الطلاق. الآن صار هذا الكلام المحتمل في قرائن ترجح أحد الاحنياتين، وهو مثلا كونه طلاق. ترجح كونه طلاق. فهنا في مثل هذه الحالة يقدم هذا الظاهر بالقرائن التي احتفت به. ولهذا قال رحمه الله: أما الألفاظ التي تحتمل خلاف المفهوم احتمالا مرجوحا، لا يقبل... فلا يقبل صاحبها حكما. لماذا؟ لأنه خلاف الظاهر. خلاف الظاهر، الظاهر أن هذا اللفظ على ما جرى عليه العرف. عرف الناس، من قال لمرأة: الحقي بأهلك، معناها أنه طالب أنها طالب. فادعاء هذا الرجل أنه لم يرد هذا الظاهر يحتاج لبيّنة، ولا وجود للبيّنة. فإذا نبقى على هذا الأصل، كما ذكر رحمه الله. وقوله: ولكنه يدين، يعني إذا قال مثلا: أنا والله ما قصدت هذا. ولو كان عرف الناس... لكن أنا في هذا الوقت الذي تكلمت به ما قصدت هذا. فهنا يدين، ينظر إلى دينه. إن كان الرجل صاحب دين، ولو كانت عبارته على خلاف عرف الناس، فإنه يقبل؛ لأن دينه أقوى من العرف. لا يلزم أن الإنسان يسير على العرف، ليس كذلك. لا يلزم أن الإنسان يتلفظ بألفاظه على العرف. ولكن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنما الأعمال بالنيات. وما دام أن الرجل صاحب دين، فنوكله إلى دينه، ندينه. ثم قال: وهل الأولى للمرأة أن تدين زوجها في مثل هذه الأمور أو ترفعه إلى الحاكم؟ قال مجيبا: الأولى النظر إلى القرائن. والمعنى أنه إذا دلت القرائن أن الرجل صاحب دين، وقضية الحال تدل أنه لم يكذب؛ لأن صاحب الدين قد يزل، حتى صاحب الدين قد يزل. إذا رأى الفراق، خصوصا الطلقة الثالثة، وكذلك الأولاد، ونحو ذلك، قد يزل في دينه ويضعف. فهنا المرأة تنظر إلى القضية بنظرين: النظر الأول في دين الرجل، هل هو صاحب دين حتى تثق بما يقول أو ما يحلف به إذا حلفته واستحلفته؟ والأمر الثاني أنها تنظر: هل يساعده الحال بأنه صادق فيما يقول؟ فإن كان مكتظ حال تلفظه يساعده على ذلك، فهنا اجتمعت قرينتان في قبول ما قاله هذا الزوج. أولا: صدقه الذي اعتيد عليه، وهو رجل صاحب دين. والثاني: أنه لا يوجد في واقع القضية ما يدل على خلاف هذا الذي تلفظ به، أنه ما أراد الطلاق مثلا. فإذا كان العكس: رجل ما عنده دين، عرف بالكذب، والقرينة ما تساعد على أنه لم يرد هذا اللفظ، يعني الطلاق. فهنا هل تصدقه المرأة؟ الجواب: العكس، ما تصدقه مثل هذا ما يصدق. فإن القرينة لا تساعده، ولا كذلك دينه يساعده. طيب ماذا تصنع؟ هل هي تحكم عليه؟ الجواب: لا، ما تحكم عليه؛ لأن في الغالب ما عندها علم حتى تحكم أنها بهذا صار الطالق أم لم تصر طالقا. فماذا تصنع؟ تحيله إلى الحاكم. إن كان هناك حاكم مسلم، أو إلى أحد أهل العلم. ترفع إلى أحد أهل العلم حتى ينظر في قضيتها، ويفتيها بما يناسب حالها. قال رحمه الله: فإن علمت صدقه أو غلب على ظنها صدقه، وكلته إلى دينه؛ لأن احتمال إرادته ما قال قوي. لماذا قوي؟ لصدق دينه، ولوجود القرينة التي تؤيد ذلك. قال: وإن غلب على ظنها كذبه، رفعته إلى الحاكم، يعني حتى إذا تبين الكذب ترفعه إلى الحاكم. طيب إذا رفعته إلى الحاكم، وهي متيقنة أنه أراد الطلاق، وقضى الحاكم بأنه لم يطلق، فهل تعمل بمقتضى ما قضى الحاكم؟ الجواب: إن كانت تدين الحاكم، قضت بذلك. وإن كانت لا تدين الحاكم، مثل بعض المجتمعات الذي يغلب عليها حكام السوء وقضاة السوء. فهنا ترجع إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: استفتي قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك. فإنه لا يجوز لها أن ترضى بما قد تيقنت أنه باطل وليس بحق. وهكذا كذلك يستأنس بقول النبي عليه الصلاة والسلام: إنما أقضي بنحو ما أسمع. فمن قضيت له من مال أخيه بشيء، فإنما أقطع له من نار جهنم. ففي هذا دليل على أن حكم الحاكم لا يثبت به الحكم إذا كان في الواقع لا يوافق الحق. إذا كان هذا في حقي هو عليه الصلاة والسلام، فكيف بمن دونه؟ تصورتم، يعني قوله عليه الصلاة والسلام: إنما أقضي بنحو ما أسمع، يعني معناه: لا تظنوا أنكم إذا ترافعتم إلي فغش بعضكم بعضا، أو كذب علي بشيء، فقضيت لأحد على خلاف الصواب، أن هذا معناه تحليل للحرام أو تحريم للحلال، لا. فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، لا بما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام في ظنه. وكان مثلا الصواب على خلاف ذلك؛ لأنه قد يكذب عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ما يعلم الغيب. قد يكذب من يكذب. فإن كان لله حكمة في ذلك، بيّن هذا. وإن كان لله حكمة في تأجيل ذلك، أجّل ذلك، ولم يطلع نبيه عليه الصلاة والسلام على ذلك. والله بكل شيء عليم، ولكل فعل حكيم سبحانه الشاهد. فإذا كان كذلك في حق نبينا عليه الصلاة والسلام، فمن دونه من باب أولى. فهذه المرأة لو أفتاها القاضي أو أفتى زوجها بفتوى، وهي تعلم أن... وهي مستيقن تماما أن زوجها كذب في ذلك، أو أن القاضي رشي أو نحو ذلك. فلا يجوز لها أن تفعل إلا ما يجب أن يكون فيما هو دين لله سبحانه وتعالى. وقوله رحمه الله تعالى: وإن غلب على ظن يكذبه رفعته إلى الحاكم، هذا كما قال: عند غلبة الظن. مفهومه: عند عدم غلبة الظن. مثل التردد مثلا، لا ترفعه إلى الحاكم. عندنا الآن ثلاث أحوال: يغلب على الظن أنه صادق، تقبل منه. يغلب على الظن أنه كاذب، لا تقبل منه وترفعه إلى الحاكم. تتردد بينهما، لا يغلب على الظن هذا ولا هذا. تبقى مترددة متحيرة، ما تدري هل هذا الرجل صادق أم كاذب؟ هل نوى الطلاق أم لم ينو الطلاق؟ شك دائم، حيرة مستمرة، ما تدري ما تصنع. الجواب: هذه فتوى العلماء بأنه في مثل هذه الحالة لا ترفعه إلى الحاكم. طيب هل يجوز لها إذا أحبت أن تطمئن أن تسأل أهل العلم؟ الجواب: نعم، يجوز لها أن تسأل أهل العلم. فاسألوه للذكر، إن كنتم لا تعلمون. فإن أهل العلم سيدلوها على هذا المعنى. إذا ترددت وتشككت، فهم سيدلوها إلى الطريق إلى ذلك. كما تقدم معنى النظر إلى دينه، النظر إلى القرائن. وعند ذلك تفتي بالفتوى المناسبة لها. طيب في شيء بهذا؟ إلى هنا، والله تعالى أعلم.