شرح كتاب القواعد الأربع 2

شرح كتاب القواعد الأربع 2

الدرس في شرح كتاب القواعد الأربع 2، الدرس الثاني :من(اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم ... فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت كالحدث إذا دخل في الطهارة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

معنى الحنيفية وملة إبراهيم

الحنيفية ملة إبراهيم تعني عبادة الله وحده مخلصا له الدين وتنفي العبادة عما سواه، وهو دين الأنبياء والرسل. إبراهيم عليه السلام نموذج للثبات والصبر على الابتلاء.

حقيقة التوحيد والارتباط بملة إبراهيم

العبادة لا تصح إلا مع التوحيد، وملة إبراهيم هي دين الأنبياء جميعا، ويجب تحقيق حقيقتها لمن يدعي الانتماء إليها. التوحيد شرط أساسي لصحة العبادة.

العلاقة بين التوحيد والعبادة وتأثير الشرك

العبادة لا تصح إلا مع التوحيد، والشرك يبطل العبادة كما يبطل الحدث الطهارة. العبادة تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال.

ختام الدرس وتأجيل المتابعة

تم ختام الدرس مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس لاحق، والتأكيد على أن الله وحده يعلم ما سيحدث في المستقبل.

  • 18 جمادى الأولى 1429هـ - 23/05/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم، أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين، كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. ثنّى المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الفقرة، وهو بداية الشروع في المقصود. وبداية الشروع في المقصود ولهذا ابتدأوا بهذا التنبيه بقوله: اعلم، تنبيها إلى أن ما يأتي ينبغي أن يفهم ويأخذ ما أخذ العلم. وهكذا تنبيها إلى أهمية الاعتناء بالعلم، فصوصا هذا المذكور. وقوله رحمه الله: أرشدك الله لطاعته، أي ألهمك بالرشد والاعتصام، ألهمك بالرشد والاعتصام. فإن الرشد من الله سبحانه وتعالى هو ما يقذفه الرب جل وعلا في قلب العبد من طلب الخير وتتبعه. وقوله: لطاعته، إشارة منه رحمه الله تعالى إلى هذا المقصود العظيم الذي هو مما أرسل الله عز وجل به الرسل، ومما يجب أن يحرص عليه المسلم، كما قال سبحانه: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾. ونبينا عليه الصلاة والسلام أنزل عليه مما أمر الناس به كثيرا: ﴿يا أيها الذين آمنوا وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾. وقوله: أن الحنيفية ملة إبراهيم، الحنيف مأخوذ من معنى الميل، ولهذا يقال: رجل أحنف إذا كان في قدميه ميل. والمراد به هاهنا الميل عن الشرك إلى التوحيد، الميل عن الشرك إلى التوحيد. والمؤلف رحمه الله تعالى يوطئ ويبتدئ بهذه التوطئة تنبيها لمعنى التوحيد وحقيقته، وأن التوحيد يكمن في النفي والإثبات، أن يعبد الله جل وعلا وحده، لا يعبد معه غيره. فإن حقيقة الإفراد أن يعبد الله وحده، أن يعبد سبحانه وتعالى بأن تصرف العبادة له وحده، وأن تنفى عما سواه، فيجمع بين عبادة الله وعدم عبادة غيره، يجمع بين عبادة الله وعدم عبادة غيره. وهذا هو دين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن ذلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وخص إبراهيم بالذكر؛ لأن الله خصه في كتابه، ولأنه عليه الصلاة والسلام كذلك كان قد ابتلي في هذا المقام، وحقق الصبر والثبات مع هذا الابتلاء على أكمل الوجوه. ولهذا أثنى الله عز وجل عليه في مواضع كثيرة؛ لما كان منه عليه الصلاة والسلام من ثباته في هذا الابتلاء والامتحان. وهكذا كذلك تحقيقه لهذا المعنى العظيم في عبودية الله عز وجل. وقوله: ملة إبراهيم، الملة قيل أنها مأخوذة -أي الميم واللام في ملّة- مأخوذ من معنى التكرار والامتلاء، التكرار والامتلاء، كما أشار إلى ذلك غير واحد؛ كابن الأثير والعسكري في الفروق وغيرهما. ولهذا يقال: قريق مليء إذا تكرر سلوكه وامتلأ. وهكذا كذلك تجد الملل يأتي بتكرار الشيء على النفس، يأتي بتكرار الشيء على النفس. وتقارب المبنى يدل على تقارب المعنى، كما هي القاعدة عند أهل العربية: تقارب المبنى يدل على تقارب المعنى. فالمقصود أن الحنيفية ملة إبراهيم، أي الميل عن الشرك إلى التوحيد هو ملة إبراهيم، أي دين إبراهيم وطريقة إبراهيم، التي داوم عليها ولزمها عليه الصلاة والسلام. ما هو هذا الذي هو الحنيفية والذي هو ملة إبراهيم؟ قال: أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين، أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين. فهذا هو معنى هذه الحنيفية. كما قلنا: أن توجه العبادة لله وحده وتنفى عما سوى الله، فيجمع العابد لله الحنيف المتبع لإبراهيم بين عبادة الله وعدم عبادة غيره، بين عبادة الله وعدم عبادة غيره سبحانه. والله عز وجل قد وصف إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف العظيم في مواضع كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين﴾. وهكذا كذلك هذا المعنى متحقق في قوله عليه الصلاة والسلام وهو يدعو قومه ومنهم أباه، كما قال الله عز وجل عنه: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾. وهكذا كذلك آيات كثيرة بهذا المعنى. وكما قلنا: المؤلف رحمه الله ذكر الحنيفية ملة إبراهيم؛ لأن الله أمر بمتابعتها، كما قال سبحانه: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾. فأمرنا أولا بمتابعة ملة إبراهيم، أي طريقة إبراهيم. والمراد في العقيدة. وأما في الشرع فلكل نبي ما شرعه الله له مما يناسب أحوال أمته. فدين الأنبياء واحد، أي في العبودية لله والوحدانية له في ربوبيته ولوهيته وأسمائه وصفاته. وقوله رحمه الله تعالى: كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، إشارة منه رحمه الله إلى أن العبادة هي التوحيد، والتوحيد هي العبادة. فهو مثل قول الله عز وجل: ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين﴾. فأمر العبد كل عبد أن يعبد الله مخلصا له الدين. وهذا يؤيده ما جاء عن عبد الله بن عباس: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، قال: «يوحدون». قال: «يوحدون». ففسر العبادة بالتوحيد. وذلك لأن حقيقة العبادة هو إفراد الله جل وعلا بما يعبد، وحقيقة التوحيد هو أن يعبد الله جل وعلا وحده بما شرع، أن يعبد الله جل وعلا وحده بما شرع. فهما أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر. وفي هذه التوطئة من المؤلف رحمه الله تعالى بذكر أن الحنيفية ملة إبراهيم تنبيه إلى ثلاثة أمور: الأمر الأول إيضاح حقيقة التوحيد ومعناه وما يلزم منه، وأنه هو العبادة لله عز وجل التي تجب أن تكون له سبحانه وتعالى وحده. وفيه ثانيا كذلك أن ملة إبراهيم هي أن يعبد الله عز وجل وحده مخلصا له الدين. فمن أرادها حقق وصفه فيها، ومن ادعاها من دون تحقيق وصفه فيها فهو مدع بكذب؛ كما أخبر الله عز وجل عن اليهود والنصارى، فإنهم زعموا أنهم على ملة إبراهيم. والملة في الاصطلاح ما يتكرر فعله مما شرعه الله من العقائد والأحكام. وهو دين الأنبياء جميعا كما سبق، ليس دين إبراهيم فقط. ولكن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أعظم من حققها وابتلي بها، فادعى قوم من اليهود والنصارى أنهم على ملة إبراهيم، فكذبهم الله عز وجل بقوله: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾. فهو حنيف مسلم، وليس هو بيهودي ولا نصراني. فإذا من ادعى أنه على ملة إبراهيم ولم يحقق حقيقة ما دعا إليه إبراهيم فهو كاذب. ولهذا كان أهل الإسلام وأولهم وإمامهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أولى الناس بإبراهيم: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه﴾. أولى الناس بإبراهيم هم من اتبعه. فإذا كان كذلك، وهذه لفتة من المؤلف رحمه الله تعالى إلى حقيقة حال المخالفين لدعوة التوحيد، وهم ينتسبون إلى الإسلام. فربما زعموا أنهم من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام ومن أنصاره ومن أحبائه، والحقيقة أن الأمر ليس بالتمني وبالتحلي، ولكن بتحقيق الوصف الصحيح بصدق المتابعة والانقياد. ولهذا قال الله عز وجل في هذا المعنى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. فالمعيار الذي يميز به الصادق من الكاذب ليس هو الادعاء، ولكن هو موافقة الوصف. فإذا من زعم أنه على ملة إبراهيم، أي موحد وهو لم يأت بما أتى به إبراهيم فهو كاذب؛ كما أن اليهود والنصارى كاذبون، فكذلك من أتى بعدهم إلى يوم الدين. وفيه ثالثا كذلك إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى إلى سنة الله عز وجل في الابتلاء. فهذا إبراهيم إمام الموحدين عليه الصلاة والسلام ابتلي وصبر وثبت على الحق الذي بعثه الله عز وجل به. فكذلك صاحب الحق ينبغي عليه أن يصبر فيما يبتل به. وتضمن ذلك أن أعداء الحق صنفين من الناس: صنف هم أعداء الحق، هم أعداء، وهؤلاء الكفار والمشركون ومن على طريقتهم من المعاندين. وصنف آخر من أعداء الحق من ادعى أنه على الحق وهو في الحقيقة على الباطل؛ لأن حقيقة الحق هو تحقيق الوسط الصحيح الصادق في كونه على الحق. وبهذا يحذر صاحب الحق من هذين الصنفين، وينبه كذلك من كان من الصنف الثاني من أهل الباطل أنه على باطل، وأنه كان له أسوة وقدوة ممن سبقه من أهل الباطل في تاريخ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. ثم قال رحمه الله تعالى: قال: فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته، فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة. فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة. وقوله رحمه الله تعالى: فإذا عرفت، فإن هذا مبني وقائم على ما قبله، يعني إذا علمت معنى التوحيد والعبادة، وتبين لك أن الله خلقك لعبادته، والعبادة مدلولها أوسع مما يظنه الكثير من عامة الناس. فإن مدلولها عند بعض العامة انحصر في الصلاة والصيام والزكاة والحج، وهي في الحقيقة أوسع من ذلك. فالعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فاجتمع ذلك أن معنى العبادة ومدلولها أوسع وأعظم مما يظنه الكثير من الناس. فالصدق من العبادة، وهكذا كذلك الوفاء بالعهد والميثاق من العبادة، والأمانة من العبادة. وهكذا الدعاء من العبادة، والذبح من العبادة، والندر من العبادة، والخوف من العبادة، والحب من العبادة. فكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة كل ذلك من العبادة. وقوله رحمه الله تعالى: فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، إشارة منه إلى هذه الملازمة بين التوحيد والعبادة كما تقدم. فإن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد. ومثل له بمثل محسوس معقول أجمعت الأمة عليه، عالمها وجاهلها، كبيرها وصغيرها، ذكرها وأنثاها، أجمع على ذلك، ما أحد يختلف في هذا، أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة. فإذا دخل الحدث على الصلاة ماذا فعل بها؟ أبطلها. وهو مع ما دل عليه الدليل الشرعي، كذلك أجمعت عليه الأمة. فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». وهذا دليل واضح ظاهر، ومع هذا فهو أمر مسلم به، أجمعت واتفقت الأمة عليه. والمؤلف رحمه الله يسلك مسلكا من المسالك العلمية في المناظرة والإقناع، وهو الاستدلال بالمعلوم على المجهول. لأنه بهذا يثبت ذاك المجهول، أو المعلوم على المشكوك، ما أنه عند أهل الحق ليس بمجهول ولا مشكوك، لكنه عند أهل الجهل وأهل الباطل، أي هذه المسألة من المجهول والمشكوك عندهم. فأراد المؤلف رحمه الله أن يبين لهم هذا المعنى. فكما تقدم لا تصح العبادة حتى يجمع فيها بين أمرين: أن تكون لله بأن تؤدى لله، وأن لا تؤدى إلى غيره. فإذا أديت إلى غيره وقع الشرك الذي يبطل العبادة والتوحيد، كما يبطل الحدث الطهارة إذا أحدث المتطهر. هل يبقى عنده وصف الطهارة؟ الجواب بصوت واحد وبغير خلاف: لا. فكذلك العبادة والتوحيد لا يبقيان إذا حصل فيها شرك. ودليله قول الله عز وجل: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾، أي وحده، لا تعبد معه غيره. وهذا إذا كان للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومنهم نبينا، وهو المنزه، وهو المعصوم، يقول في حقه هذا. فمن دونه من باب أولى، من دون النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى أن تبطل عبادته ويبطل كذلك عمله. والآيات بهذا كثيرة، ومنها قول الله سبحانه: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾. ومن السنة قول النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «أن الله عز وجل يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا وأشرك معي فيه غيري تركته وشركه». فإذا لا يغتر إنسان بوجود عبادة إذا لم يهتم بما ينقضها، كما لا يغتر إنسان بوجود طهارة إذا وجد ما ينقضها. فلا تبقى له طهارة، وكذلك لا يبقى له توحيد، ولا تبقى له عبادة. فإن حقيقة التوحيد هو النفي والإثبات، حقيقة التوحيد هو النفي والإثبات: أن تنفي العبادة عما سوى الله وتثبتها لله عز وجل وحده. وقوله رحمه الله تعالى: فسدت كالحدث إذا دقيقة في الطهارة، إشارة منه رحمه الله تعالى إلى أن المفسدات كثيرة؛ لأن الشرك ليس هو السجود لغير الله عز وجل فقط، ليس الشرك هو السجود لغير الله عز وجل فقط، والصلاة لغير الله عز وجل فقط، أو ادعاء أن غير الله يخلق. لا، مدلول الشرك أوسع. فهو يتضمن كل عبادة أن تكون لله وحده. إذا صرفت لغير الله صار شركا؛ لأن معناها كما مر معنا: أن يجمع بين عبادة الله وعدم عبادة غيره، ليس فقط عبادة الله، بل معها عدم عبادة غيره. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، الله أعلمه.