الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 40، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يوضح المقطع جواز الاعتكاف ليلاً فقط دون النهار، وأن الصوم ليس شرطاً لصحة الاعتكاف، مستدلاً بفعل عمر بن الخطاب ونذره في الجاهلية.
يبين الشيخ مشروعية اعتكاف النساء في المساجد مستنداً إلى حديث عائشة، مع ترجيح الأفضلية لهن بالبقاء في بيوتهن عملاً بقوله تعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾.
يناقش وقت دخول المعتكف للعشر الأواخر مرجحاً قول الجمهور بأنه قبيل مغرب ليلة إحدى وعشرين، ويوضح أن حديث «فيصلي الصبح ثم يدخله» يدل على المبادرة بالخلوة لا الابتداء من الصبح، محذراً من تحويل الاعتكاف إلى مجالس دنيوية.
يتناول آداب الاعتكاف وضرورة تجنب الإزعاج، مع قصة ضرب أزواج النبي الأخبية وسؤاله لهن عن نية البر، ثم انصرافه للاعتكاف في شوال، مبيناً مشروعية اتخاذ الخباء بشرط عدم التضييق على المصلين.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني، رحمه الله تعالى وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب الاعتكاف ليلا». قال: حدثنا مسدد، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال: «أوف بنذرك». هذه الترجمة عقدها المصنف رحمه الله لجواز الاعتكاف ليلا. فالاعتكاف مشروع، ولا يشترط في صحة الاعتكاف أن يكون في النهار مع الليل، بل لا بأس أن يعتكف ليلا، أو أن يعتكف نهارا، أو أن يعتكف يوما كاملا، أو عشرة أيام، أو نصف يوم، أو جزءا من يوم. هذا كله تقدم أنه لا حد لأكثره. أما أقله، فتقدم ذكر الراجح أنه أيضا لا حد لأقله. لكن الاعتكاف المشروع والمرغب فيه هو اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم، أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، ويكون صائما أيضا. ذكر الشارح رحمه الله مسألة اختلف فيها أهل العلم، وهي مسألة: اعتكاف بدون صوم، هل يشترط لصحة الاعتكاف أن يكون مصاحبا للصوم؟ هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم، والراجح أن الصوم ليس بشرط في صحة الاعتكاف، بمعنى أنه لا بأس أن يعتكف في غير رمضان، ولا بأس أن يعتكف في غير رمضان بدون صوم. والدليل على كون هذا القول هو الراجح: الأمر الأول، أن اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف حكم شرعي، والحكم الشرعي لا يثبت إلا بدليل، فلا دليل على اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف. الأمر الثاني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما سيأتي في الحديث الذي بعده، لم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، بل اعتكف في العشر الأول من شوال، ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صام في هذه العشر من شوال التي اعتكف فيها. الأمر الثالث، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة، ومعلوم أن الليل ليس محلا لصيام، وهذا يدل على صحة الاعتكاف بدون صوم. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب اعتكاف النساء». قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا يحيى، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء، فيصلي الصبح ثم يدخله. قال: فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء، فأذنت لها، فضربت خباء. فلما رأت ذلك زينب بنت جحش، ضربت خباء آخر. فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم رأى أخبيتهما، فقال: «ما هذا؟» فأخبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبر ترون بهن؟» فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرا من شوال. هذا فيه مشروعية اعتكاف النساء، فقوله عز وجل: ﴿ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ يشمل الرجال والنساء. فمشروعية الاعتكاف ليست مقصورة على الرجال، بل لا بأس للنساء بالاعتكاف. لا نقول: مشروع ومرغب فيه، وإنما هو جائز للنساء أن يعتكفن. لماذا؟ لأن الأفضل للمرأة أن تبقى في بيتها، عملا بقول الله عز وجل: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾. لا تخرج المرأة من بيتها إلا للحاجة أو الضرورة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن». فالمرأة الأفضل لها أن تبقى في بيتها، ولا تخرج إلا للضرورة أو للحاجة الملحة، ومن ذلك طلب العلم. فهذا اعتكاف لا بأس به للمرأة. لكن يشترط في اعتكاف المرأة، كما يشترط في اعتكاف الرجل، أن يكون محله المسجد. أين تعتكف المرأة؟ تعتكف في المسجد. الدليل هو هذا الحديث، قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الآخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء. سأأتي في الترجمة التي بعدها الكلام على الخباء. الخباء: هو الخيمة. فيصلي الصبح ثم يدخله. في هذا الموطن ذكر الشارح رحمه الله مسألة مهمة في باب الاعتكاف، وهي: متى يدخل المعتكف معتكفه؟ من أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، متى يبدأ الاعتكاف؟ هل في ليلة إحدى وعشرين، يعني يدخل قبيل المغرب، كما هو قول الجمهور من أهل العلم؟ أم أنه يدخل في صبح إحدى وعشرين، يصلي الفجر ويبقى في المسجد؟ اختلف في ذلك أهل العلم، والراجح هو قول الجمهور من أهل العلم، أن وقت الدخول إنما هو قبيل المغرب في ليلة إحدى وعشرين، لأنك تريد أن تعتكف العشر الأواخر من رمضان، وليلة العشر تبدأ بليلة إحدى وعشرين، فينبغي لمن أراد أن يعتكف العشر أن لا يؤذن المؤذن للمغرب إلا وهو في المسجد. وأما هذا الحديث: «فيصلي الصبح ثم يدخله»، فليس فيه دلالة على أنه لم يبدأ اعتكافه إلا من الصبح، بل فيه أن المشروع للمعتكف أنه إذا صلى الصبح لا يتأخر في مصلاه، بل يصلي ويعجل بالرجوع إلى خيمته، لأجل أن ينفرد عن الناس، ويحصل له مقصود الاعتكاف. فكما تقدم معنا أن المقصود من الاعتكاف هو الخلوة والمناجاة لله، والتفرغ للعبادة. فينبغي على المعتكف أن يعرف هذا الأمر، وأن يعرف هذه الحكمة، ويكثر من الخلوة، والبعد عن الناس، والبعد عن الأهل، والبعد عن كثير من المجالس، إلا يسير المجالس التي لا تؤثر على اعتكافه. يعني إذا مَلّ فتحدث بحديث مباح مع زميل له فلا بأس. أما أن يكثر من القيل والقال والجلاسات مع الزملاء، فهؤلاء حقيقة ما عرفوا الاعتكاف، ولن يخرجوا بما ينبغي أن يخرج عليه المعتكف من تجدد الإيمان، ومن قوة اليقين، ومن حصول التواضع للاستغفار، ومن حصول الرقة والخشوع التي تكون بسبب الخلوة وكثرة المناجاة، وغير ذلك من أنواع العبادة. فالذين لا يعرفون من الاعتكاف إلا أنه فرصة للقاء بالزملاء وأخذ أطراف الحديث، هؤلاء ما عرفوا الحكمة من الاعتكاف. وهذا قد يكثر في الشباب الذين يأتون مبتدئين، فينبغي أن يُنبّهوا وأن يعلموا ما هو الحكمة من الاعتكاف. فإن الملاحظ في كثير من المساجد، على كلام الإخوة، أن كثيرا من هؤلاء الشباب يكثرون من الجلوس والحديث والقيل والقال، فلا يستفيدون من فرصة الاعتكاف. فينبغي أن يحصل التناصح، وإتاحة الفرصة للآخرين في كمال الاعتكاف. ومن ذلك حزم وضبط الأولاد في عدم الإزعاج، فإن الأولاد يشوشون على المعتكفين: هذا يصرخ هنا، وهذا يبكي، وهذا يلعب، وهذا يضحك، وهذا يدخل، وهذا يخرج. هذا مما يعكر على المعتكف اعتكافه، فينبغي في هذا الموضع من الآباء والأولياء أن يضبطوا الأولاد، ولا يؤذوا إخوانهم المعتكفين بأولادهم. قال: فاستأذنت حفصة عائشة. جاء في بعض الروايات أن حفصة طلبت من عائشة أن تستأذن لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأذن لها، فضربت خباء لنفسها. وللنبي صلى الله عليه وسلم أيضا، حفصة ضربت لها خباء. وقال: فلما رأت ذلك زينب بنت جحش، ضربت خباء آخر. فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم رأى أخبيتهما، فقال: «ما هذا؟» فأخبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبر ترون بهن؟» يعني: هل تظنون أن الحامل لهن على ضرب الأخبية هو إرادة البر والتقرب إلى الله، أم أن المقصود هو شدة الغيرة؟ كانت زينب رضي الله عنها مشهورة بعظيم غيرتها، فلما رأت حفصة ورأت عائشة قد ضربت خيمة لأنفسهما، شجعها ذلك على أن تضرب خيمة. فالنبي صلى الله عليه وسلم، خشية أن يكون المقصود من اعتكاف أزواجه هو المنافسة في القرب منه لا التقرب إلى الله عز وجل، أو أن الحامل لهن هو الغيرة، لذلك قال: «أبر ترون بهن؟» يعني: هل تظنون أن الحامل لهن على الاعتكاف هو إرادة البر والتقرب إلى الله، أو أمرا آخر؟ فلذلك قال: ترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرا من شوال. هذا لا يدل على أن من شرع بالاعتكاف أنه يجب عليه أن يواصل، أو يجب عليه أن يقضي. ولكن كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا عمل عملا أثبته، كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا عمل عملا أثبته، بدليل أن نساءه لم يأتِ أنهن اعتكفن في شوال. قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب الأخبية في المسجد». قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف، إذا أخبية: خباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب، فقال: «أبر تقولون بهن؟» ثم انصرف فلم يعتكف، حتى اعتكف عشرا من شوال. هذا فيه مشروعية اتخاذ الخباء للمعتكف، أنه يشرع للمعتكف أن يتخذ خباء. الخباء: هو الخيمة. لماذا؟ لأجل أن يختلي عن الأهل وعن الناس، ويحصل له مقصود الاعتكاف. وهذه المشروعية للأخبية مشروطة بشرط أن لا يضيق على المصلين بهذا الشرط. أما إذا كان اتخاذ الأخبية يؤدي إلى التضييق على المصلين، فهذا غير مشروع. فالمساجد بالدرجة الأولى إنما وضعت لأجل إقامة الصلاة. لكن إذا لم يضيق على المصلين، فلا بأس باتخاذ الأخبية. إلى هنا والحمد لله.