الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 5، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
استهل الشيخ شرح كتاب الصيام بأحاديث الباب المتعلقة برؤية الهلال، ناقلاً نصوصاً تأمر بالصوم والفطر للرؤية، وتحدد الشهر بتسع وعشرين ليلة، وتوجب إكمال العدة ثلاثين إذا غم الهلال، مع النهي عن صوم يوم الشك.
بين أحكام ترائي هلال رمضان بعد انقضاء تسع وعشرين من شعبان، موضحاً الإجماع على أن الشهر الهلالي تسعة وعشرون أو ثلاثون يوماً، وحكم إكمال شعبان ثلاثين في الصحو، ووجوب صوم يوم الثلاثين احتياطاً عند الغيم عند الحنابلة.
استعرض ثلاثة أقوال في حكم اليوم الثلاثين من شعبان إذا حال الغيم دون الرؤية: قول الحنابلة بالوجوب استناداً لفعل ابن عمر، وقول بالعمل بالحساب الفلكي، وقول الجمهور بالإفطار وإكمال شعبان ثلاثين استناداً لنهي النبي عن صوم يوم الشك.
أكد المتحدث أن قول الجمهور من أهل العلم هو الراجح في مسألة صيام يوم الشك عند الغيم، ثم أعلن الاكتفاء بهذا القدر من البيان واختتم المجلس بالحمد لله.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعز العدني رحمه الله تعالى. أهلاً بكم. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا». وقال سفيان عن عمار: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم». قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان، فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروا، فإن غم عليكم فاقدروا له». وقال أيضاً: حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». وقال أيضاً: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن جبل بن سحين، قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الشهر هكذا وهكذا» - وخنس الإبهام في الثالثة -. وقال أيضاً: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم - أو قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». وقال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن عكرمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهراً، فلما مضى تسع وعشرون ليلة دخل عليها، فقيل له: إنك حلفت أن لا تدخل شهراً، فقال: «إن الشهر يكون تسعاً وعشرين ليلة». هذا الباب الذي ذكره وعقده الإمام أبو عبد الله رحمه الله في شأن صوم يوم الشك: هل يصام يوم الشك؟ فأولاً: أجمع العلماء على أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً، ويكون ثلاثين يوماً. أجمع العلماء على أن الشهر العربي يكون تسعة وعشرين يوماً، ويكون ثلاثين يوماً. فإذا مضى من شهر شعبان تسعة وعشرون يوماً، فعلى الناس أن يتراءوا الهلال. فإذا كان الجو صحواً، وتراءوا الهلال فلم يروا الهلال، فما هو الواجب؟ الواجب: إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً. هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. هذه الحالة الأولى: إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً، وكان الجو صحواً، وتراءوا الهلال فلم يروا، ما هو الواجب؟ الواجب أن يكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً. وأدلهم هذه الأحاديث التي ذكرها المصنف. وأما إذا كان الجو غير صحو، يعني: هناك ما يحول بين الهلال وبين رؤيته من غيم أو سحاب أو دخان أو أي شيء، فما هو الواجب؟ مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً، وكان الجو غيماً، أو هناك ما يحول بين الهلال وبين رؤيته، فما هو الواجب؟ فيه ثلاثة أقوال: القول الأول: أنهم يصبحون في يوم الثلاثين من شعبان صياماً. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهي الرواية المشهورة عن أحمد، وهو مذهب الحنابلة، إلا أن المتأخرين من الحنابلة رجحوا قول الجمهور. وهذا ثبت عن ابن عمر رضي الله عنه: أنهم إذا تراءوا الهلال، وكان الجو غيماً فلم يروا الهلال، فإنهم يصبحون في يوم الثلاثين من شعبان صياماً. هل على سبيل الاستحباب أو الوجوب؟ فيه خلاف عند الحنابلة، أكثرهم على الوجوب. دليل ما ثبت موقوفاً على ابن عمر، وأيضاً أول هذه الرواية التي ذكرها المصنف: «فإن غم عليكم فأكملوا». وهذه الرواية التي قبلها: «فاقدروا له». قالوا: معنى «فاقدروا له» أي: ضيقوا عليه، كقوله عز وجل: ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيَنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ﴾، أي: ضيق عليه رزقه. وأيضاً قوله سبحانه: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾. القول الثاني: أنهم يجرون الحساب الفلكي. لو تراءوا الهلال، وكان هناك غيم، فإنهم يعملون بالحساب الفلكي، ينظرون كم مضى في المنازل، يعني: بحساب المنازل، منازل القمر، المفروض أن يكون اليوم ثلاثين، أو اليوم الواحد من شعبان، وهكذا. هذا قول مطرف بن عبد الله من التابعين، وقول ابن قتيبة من اللغويين، وقول أبي العباس بن سريج من الشافعية، وهو قول بعض الشافعية. واستدلوا بهذه الرواية: «فاقدروا له»، أي: فاقدروا له من التقدير، يعني: يقدروا حسابه بالمنازل. القول الثالث - وهو قول الجمهور -: أنهم إذا تراءوا الهلال، وكان هناك غيم، ولم يروا الهلال، فإنهم يصبحون في يوم الثلاثين من شعبان مفطرين، يصبحون مفطرين. واستدلوا بهذه الرواية: «فاقدروا له»، بمعنى: هنا «فاقدروا له» من التقدير، يعني: قدروا ثلاثين يوماً لشعبان. فهذا قول الجمهور من أهل العلم. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك، والأمر الثاني: أن الأصل بقاء شعبان، الأمر الثالث: بهذه الرواية «فاقدروا له» جاءت مفسرة بالرواية الأخرى: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». فهذا هو قول الجمهور من أهل العلم، وهو الراجح. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والحمد لله.