الدرس في شرح السياسة الشرعية 17، الدرس السابع عشر:من( فصل:الثالث من الأموال السلطانية الفيء ... ومن تجار أهل الذمة إذا اتجروا في غير بلادهم وهو نصف العشر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُعرّف الفيء بأنه ما يُؤخذ من أموال الكفار بغير قتال، ويشمل الجزية والخراج. يُقسم الفيء كما تُقسم الغنيمة، واستدل بآيات سورة الحشر على ذلك. الفيء يدخل في بيت مال المسلمين.
زكاة تجار المسلمين تؤخذ ربع العشر، بينما تجار أهل الذمة نصف العشر وتجار أهل الحرب العشر. العشر الزكوي يصرف في مصارف الزكاة بينما العشر غير الزكوي يصرف في مصارف الفيء.
أخذ الجزية من الكفار وأهل الذمة جائز، وأخذ العشر من أموالهم ليس من باب المقسوم، وإنما هو من باب المقابلة. شيخ الإسلام علق على هذه المسألة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «السياسة الشرعية»: قال فصل، قال: الثالث من الأموال السلطانية الفي. قال: وأما الفيء فأصله ما ذكره الله تعالى في سورة الحشر، التي أنزلها الله في غزوة بني النضير بعد بدر، من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. قال: فذكر سبحانه وتعالى المهاجرين والأنصار والذين جاءوا من بعدهم على ما وصف، فدخل في الصنف الثالث كل من جاء على هذا الوجه إلى يوم القيامة، كما دخلوا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أورد رحمه الله تعالى في أول هذا الفصل وهذا العنوان الذي ذكر في بعض النسخ: «قال فصل: الثالث من الأموال السلطانية الفي»، والفيء هو ما أخذ من الكفار بغير قتال، فمنه الجزية والخراج، وما أخذ على المهادنة مع الكفار، وهكذا ما طرحته الريح من مراكب العدو وأموالهم، وكل ما حصل للمسلمين من أموال الكفار بغير قتال، ومنه -كما سيأتي- ما يؤخذ من تجار أهل الذمة وغيرهم؛ لأنه يؤخذ بغير قتال، فهذا كله يدخل في معنى الفيء. وقسم الفيء فيه خلاف، وأكثر أهل العلم والعمومات تدل عليه أنه يقسم قسمة خمس الغنيمة، ثم صدر بهذه الآية في سورة الحشر، فهي أصل هذا الفصل وهذه المسألة، ومعنى أصلها -يعني دليلها-. فقوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ﴾، فيه معنى الفيء، فهو ما دخل على المسلمين من أموال الكفار بغير قتال، وسمي فيئًا -كما سيأتي معنا إن شاء الله-؛ لأن الكفار لا يملكون حقيقة، فصار ملكهم للمال كأنه غصب لكفرهم، فرجوعه إلى المسلمين كأنه رجوع إلى أصله، مثل فيء الظل حين يرجع بعد امتداده فإنه رد إلى المكان الذي كان فيه، فكذلك سمي هذا المال الذي أخذ من الكفار بغير قتال فيئًا كأنه رجع إلى أصله. ثم قال رحمه الله مبينًا معنى بعض ما يحتاج لتوضيح من الآية: «قال: ومعنى قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، أي: ما حركتم ولا سقتم خيلًا ولا إبلًا»، ولهذا قال الفقهاء: «إن الفيء هو ما أخذ من الكفار بغير قتال؛ لأن إيجاف الخيل والركاب هو معنى القتال»، وسمي فيئًا؛ «لأن الله أفاءه على المسلمين -أي رده عليهم- من الكفار». قال: «فإن الأصل أن الله تعالى إنما خلق الأموال معونة على عبادته؛ لأنه إنما خلق الخلق لعبادته، فالكافرون به أباحوا أنفسهم التي لم يعبدوه بها -يعني الكافر الحربي- وأموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته»، ولهذا أموال الكفار الحربيين تصير ماذا؟ غنيمة، تصير غنيمة للمسلمين. قال: «وأموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته لعباده المؤمنين الذين يعبدونه، وأفاء إليهم ما يستحقونه، كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه وإن لم يكن قبضه قبل ذلك»، وهذا المعنى -بكره- غير واحد من أهل العلم، ويدل عليه معنى لفظ الفيء، وهو كذلك تعليل لطيف. وأشار شيخنا في تعليقه إلى هذا المعنى، وأوضحه بالآيات الدالة والمؤكدة على هذا المعنى، كقوله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فهي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة، معناه: ليست للكفار، فالكفار ليس لهم فيها حظ ولا نصيب، فإن أخذوها فقد عجلت لهم طيباتهم. قال رحمه الله تعالى: «وهذا مثل الجزية التي على اليهود والنصارى، والمال الذي يصالح عليه العدو أو يهدونه إلى سلطان المسلمين، كالحمل الذي يحمل من بلاد النصارى ونحوهم»، والمعنى: أن هذا كذلك يدخل في معنى الفيء، وهو مما يؤخذ منهم تحت هذا المعنى. وتقدم معنى أن الفيء يشمل الجزية والخراج، وكذلك كل مال يدخل على المسلمين من الكفار بغير قتال، لكن بحق ننتبه لهذا؛ لأنه قد يدخل مال من الكفار إلى المسلمين لكن بغير حق، فقد يكون هناك مال يدخل على المسلمين من الكفار بغير قتال يراد به الرشوة، ويراد به كذلك الفتنة وغير ذلك. وقوله: «أو يهدونه إلى سلطان المسلمين»، الجزية ما يؤخذ على أهل الكتاب مقابل بقائهم بين المسلمين ودفاع المسلمين وحمايتهم لهم. وأما قوله: «أو يهدونه إلى سلطان المسلمين كالحمل الذي يحمل من بلاد النصارى ونحوهم»، علق شيخنا فقال: «قال هذا في عصر الشيخ رحمه الله وقبله، النصارى يهدون هدايا للسلطان كثيرة يحملونها على الإبل»، يقول شيخ الإسلام: «إن هذا كله لبيت مال المسلمين؛ لأن السلطان لم يهدَ إليه لشخصه»، إلى آخر كلامه، ومعناه: أن هذا معنى كلام شيخ الإسلام، وكما تقدم هو يدخل في معنى الفيء؛ لأنه لم يعطَ لشخصه وإنما أعطي لمنصبه، فإذا كان كذلك فيدخل في بيت مال المسلمين وهو من الفيء. ثم ذكر شيخنا رحمه الله في التعليق حديث هدايا العمال غلول، وهو كما مر معنى فيه ضعف، لكن معناه صحيح، وتدل عليه أحاديث صحيحة كثيرة في الصحيحين وغيرها، وقد مرت معنا قريبًا في شرح «اللؤلؤ والمرجان». وقال رحمه الله: «وطيب هنا يأتي سؤال أو مسألة: هل كل هدايا السلطان تدخل في هذا المعنى، أو قد يستثنى منه شيء؟»، بعض أهل العلم استثنى ما قد يحتاجه السلطان في عمله، وهو مما يكون به عزة المسلمين، فهو ليس لأجل الدنيا ولكن لأجل الدين، يعني كون سلطان المسلمين وولي أمرهم يظهر بشيء من القوة هذا مطلوب، فلذلك إذا احتاج أن يستعمل بعض ذلك فإنه مما يؤذن له فيه. قال رحمه الله: «وما يؤخذ من تجار أهل الحرب -وهو العشر- ومن تجار أهل الذمة إذا اتجروا من غير بلادهم -وهو نصف العشر-»، يعني: كذلك يدخل في معنى الفيء. وأصل هذا الكلام آثار كثيرة رويت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونحوه، ونحوه عن عمر بن عبد العزيز، وجرى عليه عمل المسلمين، ونقل بعضهم فيه اتفاق أهل الإسلام عليه. قال: وقد رويت آثار كثيرة عن عمر رضي الله عنه أنه كتب لعدد من عماله، فجاء من طرق: جاء عن أنس عن عمر، وعن أبي موسى عن عمر، وعن زياد بن حدير -وهو من التابعين- عن عمر، وجاء عن جماعة، رواه عبد الرزاق في «مصنفه»، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، والبيهقي في «السنن الكبرى»، وهكذا كذلك الإمام مالك في «موطئه» في رواية محمد بن الحسن، والقاسم بن سلام في «الأموال»، ويحيى بن آدم في «كتاب الخراج». وقد ذكر الكثير من ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم في هذا الباب «أحكام أهل الذمة»، وذكر أسانيدها، فهي لا تنزل عن رتبة الحسن بمجموع طرقها، وهكذا كذلك تناقل الفقهاء ذلك من الأئمة ومن بعدهم. قال: وقد روي عن الإمام مالك رحمه الله في مواضع أنه أفتى بهذا، وهكذا الإمام أحمد، وإسحاق في «مسائل أحمد» لإسحاق، ولا تكاد تجد شيئًا من كتب الفقه المطولة إلا ويذكرون هذه المسألة. ولكن ينبغي أن نعلم ها هنا ما هو المراد بهذا العشر، ذكر أهل العلم أن العشر يذكر في كتب أهل العلم -خصوصًا كتب الخراج والأموال وما كان بمعناها من مضانه في كتب الفقه-، ويراد به أحد معنيين: إما العشر الزكوي -أي الذي فيه معنى الزكاة- كزكاة الخارج من الأرض، فإنه إما أن يؤخذ العشر أو نصف العشر كما صحت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إن كان يسقى بكلفة أو بغير كلفة. وهكذا كذلك زكاة عروض التجارة التي تؤخذ من تجار المسلمين إذا مروا بالعشارين أو كانت زكاة معجلة، فإنها كذلك من العشر، وهذا العشر بالنسبة لما يؤخذ من تجار المسلمين جاء في نفس الأثر عن عمر، من رواية أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم بن المهاجر عن زياد بن حدير: «أن عمر كتب أن يؤخذ من تجار أهل الحرب العشر، ومن تجار أهل الذمة إذا اتجروا من غير بلادهم نصف العشر، ومن تجار المسلمين ربع العشر»، وربع العشر هو ماذا؟ زكاة النقدين، ربع العشر زكاة النقدين. وبه نعرف أن هذا هو زكاة عروض التجارة؛ حتى تستدل به غير واحد من أهل العلم بهذا الأثر على أن الصحابة كانوا يأخذون زكاة عروض التجارة، زكاة عروض التجارة. فقول أهل العلم: «العشر الزكاة» يريدون به العشر ونصف العشر وربع العشر، فالعشر بالنسبة لماذا؟ للخارج من الأرض، والنصف العشر بحسب بكلفة وبغير كلفة، وربع العشر عروض التجارة، وهو الذي جاءت به الآثار عن عمر رضي الله عنه أرضاه فيما يأخذ من تجار المسلمين ربع العشر. وأما العشر غير الزكوي، فهو العشر الذي يصرف في مصارف الفيء، الأول يصرف في مصارف الزكاة، والثاني يصرف في مصارف الفيء، ومنه ما يأخذ من تجار أهل الذمة نصف العشر، ومن تجار أهل الحرب العشر، ومنه العشر الذي يأخذ عند الصلح الزائد عن الخراج إذا حصل الصلح بين المسلمين والكفار فيأخذ شيء زائد عن الخراج صعفًا، وهو عشر، ومنه كذلك الجزية، ومنه ما يأخذ من نصارى بني تغلب تضعيفًا لهم، وفيه -يعني- أخبار وأمور تذكر في كتب الفقه «وأحكام أهل الذمة». فإذا علمنا ذلك استطعنا أن نفهم أن ما ذكر في أثر عمر ينقسم إلى قسمين: قسم منه من العشر الزكوي -لم يذكره شيخ الإسلام ها هنا-، وقسم منه ليس من المال الزكوي -وهو العشر غير الزكوي-، أشار إليه شيخ الإسلام ها هنا. ولهذا ذكر الأثر مقتصرًا على العشر الذي يأخذ من تجار أهل الذمة وتجار أهل الحرب، ولم يذكر آخر الأثر -وهو ما يأخذ من تجار المسلمين ربع العشر-؛ لأنه لا يدخل في الفيء؛ لأن ما يأخذ من تجار المسلمين ربع العشر هو عروض تجارة لا يدخل في الفيء، فليس هو من مال الفيء. وها هنا تنبيه آخر: وهو أن هذا العشر الذي فرضه عمر رضي الله عنه أرضاه كان له سبب، كما جاء في رواية البيهقي وغيره: «أن سببه ما كان يأخذه الكفار من تجار المسلمين إذا دخلوا في وقت الأمان والهدنة إلى بلاد الكفار أخذوا منهم العشر»، فأرسلوا إلى عمر رضي الله عنه: «ماذا نصنع بتجار الكفار -تجار أهل الحرب- إذا دخلوا إلى بلاد المسلمين؟»، فأمرهم أن يأخذوا منهم كذلك العشر، كما يأخذ الكفار من المسلمين العشر. وأمرهم أن يأخذوا من تجار أهل الذمة إذا انتقلوا -كما قال- «من غير بلادهم» أن يأخذوا منهم نصف العشر، وتجار المسلمين يأخذ منهم ربع العشر. فعلمنا بهذا السبب الذي لأجله كتب عمر رضي الله عنه أرضاه إلى عماله في الأمصار بهذا الذي يأخذ. وها هنا تنبيه آخر: وهو أن بعض أهل العلم من المتأخرين المعاصرين زعم أن هذا الأثر فيه دليل على جواز أخذ الضرائب من الكفار ومن المسلمين، واستأنس ببعض كلام أهل العلم الذي فيه: «أن هذا من المكس الجائز»، وهذا خطأ من وجهين. الوجه الأول: أن ما يأخذ من تجار المسلمين ليس هو من الضرائب أبدًا، بل هو ماذا؟ هو زكاة عروض التجارة، زكاة عروض التجارة، يأخذ منهم إذا مروا بالعشارين -أي من هو موكل بجمع الزكاة-، أو إذا احتاج أهل الإسلام إلى جمع المال فيأخذون من التجار -سواء حق سنة أو سنتين- بحسب حاجة المسلمين. ولهذا أصل في السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقول بعض المعاصرين: «أن هذا الأثر فيه دليل على جواز أخذ الضرائب من المسلمين بهذا الحد -ربع العشر-»، هذا خطأ وجهل؛ لأنه ليس بضريبة ولا مكس، بل الأدلة الصحيحة الصريحة عن النبي عليه الصلاة والسلام فيها تحريم أخذ الضرائب والمكس، وأنه لا يجوز. وأما الوجه الثاني: هو أن ما أخذ من الكفار فهو كذلك على الصحيح ليس بمكس، بل هو في مقابل ما يأخذه الكفار من المسلمين، فهو من العدل الذي يأمر الإسلام بمثله. فلما كانوا يأخذون من المسلمين أمر عمر رضي الله عنه أن يأخذوا من الكفار، ولهذا لم يكن ذلك بزمن النبي صلى الله عليه وسلم ولزمن أبي بكر، وفترة من زمن عمر رضي الله عنه، وإنما فرضه عمر لهذا السبب -كما سمعنا-. وكون بعض أهل العلم سماه مكسًا، فهو من باب المقابلة، يعني: كون الكفار يأخذون ضريبة من المسلمين، فيأخذ المسلمون ضريبة من الكفار. ولهذا علق شيخنا رحمه الله -كما ترون- فقال رحمه الله: «قال الله المستعان، هذا كأنها قصص تاريخية فقط، فأهل الحرب يؤخذ من أموالهم العشر حلالًا لنا وليس من باب المقس»، هذا هو الشاهد. قال: «وليس من باب المقس كذلك أهل الذمة إذا اتجروا في غير بلادهم -أو من غير بلادهم- بأن أتوا في التجارة من غير بلادهم»، إلى آخر ما ذكر رحمه الله تعالى. والشاهد أنه نص أن هذا ليس من المقس. طيب نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم.