شرح السياسة الشرعية  48

شرح السياسة الشرعية 48

الدرس في شرح السياسة الشرعية 48، الدرس الثامن والأربعون:من( وأبلغ الجهاد الواجب للكفار والممتنعين عن بعض الشرائع ... ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب الجهاد ودفاع المسلمين

الجهاد فرض كفاية عند ابتداء القتال ضد الممتنعين، ويصبح فرض عين على الجميع عند الاعتداء على المسلمين. يجب على كل فرد الدفاع بحسب استطاعته.

أهمية تعليم الصلاة ودور الأئمة

يجب تعليم الصلاة للأبناء منذ الصغر وتأديبهم عليها، مع التأكيد على دور الإمام في الصلاة وغيرها من الأمور الدينية. ضرورة تعاهد المساجد والأئمة لضمان صحة الصلاة وصلاح المجتمع.

صلاح الراعي والرعية بالإخلاص والتوكل

صلاح الراعي والرعية يعتمد على الإخلاص والتوكل والصلاة والصبر. هذه الخصال متصلة ببعضها وتسهم في تحقيق السياسة الشرعية الصحيحة.

تأجيل استكمال الموضوع

يتم التوقف مؤقتا عن استكمال الموضوع الحالي حتى بعد الصلاة. هناك استكمال متوقع للحديث في وقت لاحق.

  • 13 جمادى الآخرة 1432هـ - 16/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قالوا: أبلغوا الجهاد الواجب للكفار والمتنعين عن بعض الشرائع، كمانع الزكاة والخوارج ونحوهم، يجب ابتداءً ودفعًا. فإذا كان ابتداءً فهو فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين، وكان الفضل لمن قام به، كما قال الله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾. ومعنى ذلك: إذا تحقق الضرر، فإنه عند ذلك يتأكد دفع ذلك الضرر. ولذلك فإنه قد يجب ابتداءً، وقد يجب دفعًا. فابتداءً إذا كانت تلك الفئة الممتنعة في محلها، وقوي أهل الإسلام، فإنهم يحاربونهم ويقاتلونهم ويجاهدونهم حتى يكون الأمر كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا وفجروا هي السفلى. وكما تقدم، لا يلزم من ذلك تكفيرهم. وقد تقدم أنهم يقاتلون في قول بعض أهل العلم حتى على ترك بعض السنن الراتبة، يعني إذا كانوا طائفة ممتنعة، ليس إذا كان فردًا، حتى لا تغير الشريعة. وهكذا ها هنا، وإن كان منهم الاعتداء على أهل الحق، فهنا يتأكد على الجميع. في الأول يكون من فروض الكفايات، الذي إذا قام به البعض سقط عن الكل. وفي الثاني، إذا وقع أن هؤلاء هم الذين اعتدوا على أهل الحق، أي الطائفة الممتنعة، فهنا يجب على الجميع وجوبًا عينيًا أن يدافعوا هؤلاء، ليدفعوا ضررهم، وليتكون كلمة الله العليا. فإن الأمر أعظم من الأول، لأن فيه الآن ضررًا على الأنفس والأموال والأعراض، فضلًا عن ضرر الدين. فلذلك يتأكد وجوبه على كل فرد بعينه، حتى نص العلماء، نص بعض أهل العلم، أنه إذا كان الحال كهذا، فإنه يجب على الجميع، حتى من لا يجب عليه الجهاد، يدفع بحسب استطاعته. فإذا غزى الكفار أو الفجار أهل الإسلام، فإنهم عليهم أن يدافعوا جميعًا، كل بحسب استطاعته، حتى المرأة والصبي، وحتى الأعمى والعاجز، الكل بحسب استطاعته، حفاظًا على دماء وأموال وأعراض المسلمين. قال رحمه الله تعالى: فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين، فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم، يعني على من يستطيع، وعلى من لا يستطيع، وعلى من يؤمر بالقتال، وعلى من لا يؤمر بالقتال، لأن الأمر صار ضرورة، والضرورات توجب ما لا توجب غيرها. قال: وعلى غير المقصودين لإعانتهم، يعني يعان من يجب عليهم دفاع العدو، فلا ينحصر الدفاع بالمقاتلين وأهل القدرة. قال: كما قال الله تعالى: ﴿وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾. وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن. وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد، بنفسه وماله، مع القلة والكثرة، والمشي والركوب، يعني كل بحسب استطاعته. كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق، ولم يأذن الله في تركه أحدًا، كما أذن في ترك الجهاد ابتداءً لطلب العدو، الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج القاعد، أهل الأعذار والخارج أهل الاستطاعة. بل ذنب الذين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المقام مقام دفع، وقد جاء العدو إلى دار المسلمين، فهنا يجب على الجميع أن يقاتل، لا يعتذر أحد، كل بحسب استطاعته. قال: بل ذنب الذين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم، لم يقولوا: إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، وما هي بعورة، إن يريدون إلا فرارًا. قال: فهذا دفع عن الدين والحرم والأنفس والحرم، يعني العرض، وهو قتال الطغاة، ويكون حال الضرورة، ويكون حال الضرورة غير حال الرخاء. قال: وذلك قتال اختيار، يعني في قتال الابتداء، كغزوة تبوك وحنين وغيرها من الغزوات التي خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى العدو، فهذا اختيار. أما كون العدو جاء واجتمع حول المدينة، فهذا اضطرار. قال رحمه الله: قال: وذلك قتال اختيار للزيادة بالدين وإعلائه، ولإرهاب العدو، كغزوة تبوك ونحوها. فهذا النوع من العقوبة هو للطوائف الممتنعة. يعني العقوبة بالقتال، وقد تقدم معنا أن هذه الطوائف الصحيح أنها تختلف، أنها تختلف، فمنها من يصل أمرها إلى الكفر، ومنها من ليس إلى الكفر. وبالنسبة لتارك الزكاة أو مانع الزكاة، فقد مر معنا في دروس سابقة بعض العبارات عن أهل العلم في هذه المسألة. وأن أكثر أهل العلم على أنهم ليسوا جميعًا كفارًا، بل فصل فيهم أهل العلم. وهناك عبارات لشيخ الإسلام موهمة، فهم منها بعض أهل العلم أنه يقول بتكفير مانع الزكاة مطلقًا، أي الذين كانوا في زمن الصحابة. وله عبارات أخرى ليست كذلك. وقد بين تلميذ ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه، خصوصًا في كتاب إعلام الموقعين، أنهم ثلاث طوائف. وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم. وأما كونه نقل عن بعض أهل العلم خلاف هذا، فهو خلاف الصواب، فهو خلاف الصواب، والله تعالى أعلم. قال: فأما غير الممتنعين من أهل ديار الإسلام ونحوهم، يعني ليسوا طائفة ممتنعة، قال: فيجب إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام الخمس، وغيرها من أداء الأمانات والوفاء بالعهود في المعاملات، وغير ذلك، يعني من الواجبات بامتثالها، والمحرمات بتركها والانتهاء عنها. قال: فمن كان لا يصلي من جميع الناس، رجالهم ونسائهم، فإنه يؤمر بالصلاة، فإن امتنع عوقب حتى يصلي، بإجماع العلماء. ثم إن أكثرهم يوجبون قتله إذا لم يصل، فيستتاب، فإن صلى وإلا قتل، للحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة». قال: وهل يقتل كافرًا أو مرتدًا أو فاسقًا؟ على قولين مشهورين في مذهب أحمد وغيره، يعني منهم من يقول: إنه كفر أكبر، مرتد. ومنهم من يقول: كفر دون كفر، هو فسق. ومنهم من يفصل، فيقول: الجاحد يكفر، وهذا باتفاق أهل العلم، كما سيأتي. وأما المتكاسل، فلا يكفر. والصحيح الذي دلت عليه الأدلة: أنه يكفر كفرًا أكبر، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، واتفاق الصحابة. قال: والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره. وهذا مع الإقرار بالوجوب. فأما من جحد الوجوب، فهو كافر بالاتفاق. بل يجب على الأولياء أن يأمروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعًا، ويضربوه عليها لعشر، كما أمر النبي صلى صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». وهو حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بإسناد حسن. وهذا الحديث يدل على أن الأولياء مأمورون بتعليم أبنائهم الصلاة من سبع سنين، مأمورون أن يشددوا عليهم، ويلزموا ولو بالضرب لعشر سنين. وفيه كذلك: أن هذا الأدب يعين على المحافظة على الصلاة. فإن الصبي إذا علم الصلاة من الصغر، خالط حبها القلب، وعند ذلك يصعب عليه في الكبر أن يتركها. وأما إذا أهمل الصبي حتى إذا بلغ، أمر بالصلاة، صارت ثقيلة عليه، وربما يتلاعب ويتقاعص. لكن إذا علمها من سبع سنوات، ما يأتي عليه سن البلوغ، خصوصًا إذا شدد عليه من عشر، ما يأتي عليه سن البلوغ، إلا وقد دخل حب الصلاة في قلبه. قال: وكذلك ما تحتاج إليه الصلاة من الطهارة الواجبة، ونحوها، يعني أنه يؤمر به تبعًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». فالصلاة من أعظم شروطها الطهارة. فإذا لابد من تعلم أحكام الطهارة، والاتيان بها. ولهذا فمن ترك الطهارة، وعلم عنه ذلك، فإنه يؤدب على ذلك، إذا بلغ. الإمام يعزر تارك الطهارة، كرجل لا يغتسل، أو يتساهل في طهارته، أو نحو ذلك. قال: ومن تمام ذلك: تعاهد مساجد المسلمين، وأئمتهم، وأمرهم بأن يصلوا بهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وصلى مرة بأصحابه على طرف المنبر، فقال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي». والحديث كما أشار في الصحيحين، من حديث سهل بن سعد. والأول حديث مالك، من حديث الحويرث المشهور في البخاري: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فإذا من مهمة ولي الأمر أن يأمر المسلمين بهذه الآداب، وهذه الواجبات، وينهاهم عن المحرمات. حتى إنه يتفقد أئمة المساجد، ويأمرهم، ويلزمهم بأن يصلوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد يقول قائل: كم سيكون ولي الأمر حتى يقوم بهذه المهام كلها؟ الجواب: يستعين بغيره، فيجعل هناك لجان مختصة لذلك. مثلًا: الآن توجد وزارة للشؤون الإسلامية، هذه الوزارة تحتها فروع، فروع تعتني بالخطباء، وفروع تعتني بالأئمة، وفروع تعتني بالمؤذنين، وفروع تعتني بالأوقاف، وفروع تعتني بالمساجد وبنائها، وهكذا. وينفق عليها من بيت المال، كما تقدم: أن هذه من المصالح التي لا يستغني عنها أهل الإسلام. وما كان كذلك، فينفق عليها من بيت المال، ويولي الأصلح، فالأصلح. وبهذا إن شاء الله تصلح الأمور، ويعان الناس على الخير. قال رحمه الله: وعلى إمام الناس في الصلاة وغيرها أن ينظر لهم، فلا يفوتهم ما يتعلق بفعله من كمال دينهم. بل على إمام الصلاة أن يصلي بهم صلاة كاملة، ولا يقتصر على ما يجوز للمنفرد الاقتصار عليه، من قدر الإجزاء، أو قدر الإجزاء. الصواب عندكم: بالفتح وبالكسر. ومعنى الإجزاء: القدر المجزئ. فيجوز الإنسان أن يقرأ بفاتحة الكتاب، لكن إذا صلى بالناس، يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ولو في السرية، ولو في السرية، لما في ذلك من إعانة لهؤلاء المأمومين على حسن الصلاة. فما يفعل بعض الأئمة من العجلة في صلاتهم، خلاف السنة. بل الواجب في هذا الباب: والمراد بالسنة: سنة النبي عليه الصلاة والسلام، التي تشتمل على الواجب والمستحب. قال: وكذلك إمامهم في الحج، وكذلك أميرهم في الحرب. ألا ترى أن الوكيل والولي في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله؟ وهو في مال نفسه يفوت ما شاء. فأمر الدين أهم، يعني معناه: إذا كنت عاملًا لغيرك، فإنك ستحرص، أداءً للأمانة، على كل صغير وكبير. ولهذا الأمين يتعب، الأمين يتعب في أموال الناس، يحب أن يعمل لنفسه، ولا يحب أن يعمل لأحد. لماذا؟ لأنه يجد مشقة وتعبًا يتبعه لآداء الأمانة، يتعبه. وأما من ليس عنده أمانة كافية، فهو ما يضره شيء، لا يبالي. بل كونه يعمل في مال غيره، أريح إليه من أن يعمل في مال نفسه. إذًا في الصلاة، وفي الدين، من باب أولى. إذا كان الإمام يصلي لنفسه، فيقتصر. لكن إذا صلى بالناس، لابد أن يحسن، وأن يؤدي لهم الأحسن، الأفضل، الأكمل، الأسلم. وهكذا في كل ولاية وإمامة، إمامة الصلاة، وإمامة الحج، وإمامة الحرب. ثم هذا الأفضل ليس بالهواء، وإنما بالعلم. ففي الصلاة مثلًا: هناك فقه من فقه الصلاة. فمن فقه الصلاة: أن يقتدي بأضعفهم، فيراعي ذلك. واقتداؤه بأضعفهم: بما لا يخرجه عن حدود المأذون فيه في السنة. ليس معنى الاقتداء بأضعفهم: أن يخرج عن السنة، لا. بالضعف في حدود السنة. ويراعي في ذلك كله: الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا يحتاج لعلم. ولهذا ينبغي أن يكون الإمام صاحب علم. قال رحمه الله: ومتى اهتمت الولاية بإصلاح دين الناس، صلح للطائفتين: دينهم ودنياهم. والمراد: كما قال شيخنا: الراعي والرعية، إذا اهتم الولاة بإصلاح دين الناس، صلح للراعي والرعية: الدين والدنيا. وعند ذلك تكون الحياة الطيبة التي يرجوها الناس. قال: وإلا اضطربت الأمور عليهم. لماذا؟ تضطرب الأمور إذا لم يعتن بالدين، نشأ الفجور والفساد والشر في المجتمع. فلا يخسر الناس الدين فقط، بل كذلك الدنيا. بعض الولاة ربما يتساهلون في أمر الدين، ويعتنون في أمر الدنيا. وما علموا أن قوام الدنيا بقيام الدين. فإذا لم يقم للناس دين، لم تقم للناس دنيا. ولذلك ليس من الصواب: الاعتناء بإصلاح دنيا الناس، لأن الناس في الغالب يطمعون في الدنيا. وإذا أغدق وأغرق ولي الأمر الناس بإصلاح الدنيا لهم، قد يدفعه ذلك إلى التساهل في باب الدين. فإذا ضيع الناس الدين، فإن الدنيا تضيع تبعًا. ويكون الشر على الراعي وعلى الرعية. ولهذا قال هنا: إن الولاة إذا اهتموا بإصلاح دين الناس، صلح للراعي والرعية: الدين والدنيا. وصدق رحمه الله. قال رحمه الله: وملاك ذلك كله: حسن النية للرعية، وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه. فإن الإخلاص والتوكل: جماع صلاح الخاص والعامة، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. فإن هاتين الكلمتين: قد قيل: إنهما أجمع معاني الكتب المنزلة من السماء. ولهذا افتتح بها كتاب الله عز وجل، وهذه السورة التي هي أم الكتاب، فهي جامعة لمعاني كثيرة. وأما قوله: قيل: إنهما أجمع معاني الكتب المنزلة من السماء، لعل هذا القول فيما يروى بشيء من الأخبار التي تروى عن بني إسرائيل، أو غيرهم. وأما شيء مرفوع عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلا. قال: وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مرة في بعض مغازيه، فقال: «يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين». فجعلت الرؤوس تندر عن كواهلها. وهو ضعيف. وقد صدره بقوله: روي، وهو اصطلاح عند بعض أهل العلم، إشارة منهم إلى ضعفه. ولكن هذا على الصحيح: لا يكفي، بل الأولى ترك الضعيف، والاستغناء بالصحيح عنه. وقد شاع بالتعليق إلى تضعيفه. قال: وقد ذكر ذلك في غير موضع، وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه، كقوله: ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾، وقوله تعالى: ﴿عليه توكلت وإليه أنيب﴾. ومعناه: أن الله عز وجل جمع بين الاستعانة والعبادة، وبين التوكل والعبادة. والتوكل من الاستعانة. وهذا يدل على أهمية هاتين العبادتين. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذبح أضحيته يقول: «اللهم منك ولك». ومعناه: أن فيه العبادة في قول: اللهم. ومنك ولك: فيه الاستعانة. فجمع بين العبادة والاستعانة في هذا اللفظ. وأصل الحديث في الصحيح، في صحيح مسلم. وبهذا اللفظ خارج الصحيح، وهو كذلك الصحيح. قال: وأعظم عون لولي الأمر خاصة، ولغيره عامة: ثلاثة أمور. وهذه نصائح عظيمة يوردها لتصلح السياسة الشرعية التي ينبغي أن يسوس بها الولاة الرعية. قال: وأعظم عون لولي الأمر خاصة، ولغيره عامة: ثلاثة أمور. أحدها: الإخلاص لله، والتوكل عليه، بالدعاء وغيره. وأصل ذلك: المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن. فإن ذلك عون عظيم للراعي وللرعية. قال: والثاني: الإحسان إلى الخلق بالنفع، والمال الذي هو الزكاة. فهذا يعين ولي الأمر خاصة، وغيره من أرباب الأموال عامة. قال: الثالث: الصبر على أذى الخلق، وغيره من النوائب. وكله كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وهو خير أسوة لهذه الأمة. قال: ولهذا جمع الله بين الصلاة والصبر كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾، وكقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾. وقوله تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾. وكذلك في سورة قاف: ﴿فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾. وقال تعالى: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين﴾. والشاهد: أنه أمرها هنا بالصلاة والصبر، وهما مما نصح وأوصى به في هذه الأمور الثلاث. قال: وأما قرنه بين الصلاة والزكاة في القرآن، فكثير جدًا. والمعنى: أن هذا الكثير يدل، يعني كقوله: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾، يدل على أن الإحسان إلى الخلق، وهو الأمر الثاني من الأمور الثلاثة، مما يقرن مع هذه الخصلة الثلاث. قال رحمه الله: فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر، يصلح الحال للراعي والرعية. إذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة، يدخل في الصلاة: من ذكر الله تعالى، ودعائه، وتلاوة كتابه، وإخلاص الدين له. لأن الصلاة تتناول هذه العبادات. فالصلاة ليست عبادة واحدة، بل عبادة تتضمن عبادات. قال: والتوكل عليه. وفي الزكاة: بالإحسان إلى الخلق بالمال، والنفع بالمال، معلوم. وبالنفع من أنواع نافع التي يمكن إعانة الناس بها. قال: ومن نصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، وقضاء حاجة المحتاج. وكل هذا يدخل في النفع. قال: ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل معروف صدقة». فيدخل فيه كل إحسان، ولو بسط الوجه، والكلمة الطيبة. إذن كذلك مما ينبغي نتخلق به الراعي: بسط الوجه، والكلمة الطيبة، فهو من الإحسان إلى الخلق. قال: ففي الصحيحين عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حجاب، ولا ترجمان». قال: «ينظر أيمن منه، فلا يرى إلا شيئًا قدمه. وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا شيئًا قدمه. فينظر أمامه، فتستقبله النار. فمن استطاع منكم أن يتقي النار، ولو بشق التمر، فليفعل. فإن لم يجد، فبكلمة طيبة». والشاهد: أنه جعل الإحسان بالصدقة، وبالكلمة الطيبة، من أنواع الإحسان. قاله في السنن، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهك إليه منبسط». وفي رواية مسلم: «ولو أن تفرغ من دلويك في إناء المستسقي». والشاهد منه: وهو أصله في مسلم، وبهذا اللفظ، كما أشار في التعليق في السنن، بإسناد صحيح. والشاهد منه: أن هذا من أبواب الإحسان لعموم المسلمين. والراعي ينبغي أن يحرص على مثلها، فيعان الرعية في أمورهم الخاصة، إن وجدوا عونًا في ذلك. كان هذا من أعظم السياسة الشرعية التي يصلح بها أحوال الراعي والرعية. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى ما بعد الصلاة.