الدرس في شرح أصول السنة 19، الدرس التاسع عشر : (الجهاد ماض إلى يوم القيامة مع البر والفاجر ... لا يكن في صدرك من ذلك شك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الجهاد مستمر مع ولاة الأمور مهما كانت حالهم، وطاعة ولاة الأمور واجبة في غير معصية الله. هذا الأصل من أصول أهل السنة والجماعة.
يجب طاعة ولاة الأمور في غير معصية الله، ولا يجوز الخروج عليهم أو نزع اليد من طاعتهم ما داموا يقيمون الصلاة. يجب دفع الصدقات إليهم وإقامة الحدود على أيديهم.
الصلاة خلف الأئمة الفجار جائزة وتامة ركعتين، واتباع سنة النبي وطريقة السلف في هذا الشأن مهم. يُشدد على مخالفة أهل الأهواء في هذا الأمر.
يُشدد على أهمية أصول دينية معينة لكل مسلم، ويتم التأكيد على ذلك. يُختتم بالتأكيد على علم الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: «والجهاد ماضي إلى يوم القيامة مع البر والفاجر، والغزو ماضي مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر لا يترك، وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضي، ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه، برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة باقية تامة ركعتين، من أعادها فهو مبتدع تارك للآثار، مخالف للسنة، ليس له من فضل الجمعة شيء، إذا لم يرَ الصلاة خلف الأئمة من كانوا: برهم وفاجرهم، فالسنة بأن يصلي معهم ركعتين، ويدين بأنها تامة، لا يكن في صدرك من ذلك شك». وهذا كذلك أصل تضمن مسائل من أصول أهل الإسلام وأصول السنة. ولم يذكرها الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، بأصول السنة إلا أن جماعة من أهل البدع والأهواء خرجوا وخالفوا في ذلك. فالجهاد ماضي إلى يوم القيامة مع البر والفاجر؛ لأن الله عز وجل أمر بطاعة ولاة الأمور، ومن طاعتهم طاعتهم في إقامة الجهاد في سبيل الله؛ لأن عدم الخروج مع أمراء وولاة أمور المسلمين في الجهاد تعطيل للجهاد، وهذا تعطيل للشريعة. ولذلك صار من أصول أهل السنة الخروج مع الأئمة في الجهاد، ولو كانوا فجارًا. أما البر فلا إشكال، وأما الفاجر؛ فلأن الخروج ليس لفجوره، ولكن لنصرة الإسلام، ولو كان هو يريد الملك ما دام جهادًا شرعيًا صحيحًا، فلكل امرئ ما نوى. أنت نيتك نصرة الإسلام ودخول الإسلام إلى بلاد الكفر، وهو نيته الدنيا، فلكل امرئ ما نوى. من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه. ولأن بهذا ينصر الله عز وجل الدين، ويظهره، ويكون به كذلك دخول الحق على من يحتاجه، وكل هذه خصال عظيمة، النصوص الشرعية بعموماتها تأمر بها. وعلى هذا كانت طريقة السلف الصالح، فإنهم كانوا يخرجون مع أمراء المسلمين، ولو كان فيهم بعض الفجور أو الفسوق. فلم يزل أئمة الإسلام وعلماؤها يخرجون مع ولاة الأمور في زمانهم، ويقاتلون الكفار، ويجاهدون في سبيل الله، سواء أكان الجهاد الذي يدفع فيه شر الكفار في اعتدائهم على المسلمين من فرض العين، وما كان بمعناه، أو كان الجهاد في توسعة بلاد المسلمين ودخولهم في بلاد الكفار، أي النوعين من الجهاد، فإنهم كانوا يجاهدون ويقاتلون. وقد قاتلوا خلف بني العباس، وهكذا كذلك من بعدهم. وهذا إن دل على شيء، دل على تأكيد هذا الأصل، إلا أن لا يكون جهادًا في سبيل الله فلا تقاتل. فقد سئل النبي، عليه الصلاة والسلام: «أي الجهاد في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». فإن كان لأجل أن تكون كلمة الله العليا، فهذا جهاد في سبيل الله، يقاتل ولو كان بعض من يقاتل، ولو كان أميرًا يريد بهذا القتال التوسع في الملك والزيادة من الدنيا، فله ما نواه، ولك ما نويت، وإنما الأعمال بالنيات. وأما إذا كان قتال فتنة وعصبية، فلا تقاتل، لا تقاتل في ذلك؛ فإن ذلك من الفتن التي أمر النبي، عليه الصلاة والسلام، باجتنابها. فإن القاعد خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فلا يستشرف الفتن والحال هذه. وهذا فعل الصحابة ومن بعدهم من الأئمة في اجتناب الفتن. فهذا عبد الله بن عمر، رضي الله عنه وأرضاه، لما وقعت الفتنة فيما وقع بين الحجاج وابن الزبير، كان رضي الله عنه يسكن بينهما -بين الجيشين- فلم يقاتل ولم يشارك. ومع ذلك إذا أدركته الصلاة صلى حيث كان، إن كان خلف الحجاج صلى خلف الحجاج، وإن كان خلف ابن الزبير صلى خلف ابن الزبير. حتى سأله بعض من كان عنده -وقد روى عمير بن هانئ- قال: رأيت ابن عمر إذا حضرت الصلاة مع الحجاج صلى معه، وإذا حضرت الصلاة مع ابن الزبير صلى معه. فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أتصلي مع هؤلاء وهذه أعمالهم -يشير إلى المنجنيق- أربعين منجنيقًا نصب على البيت -يعني يرمون بالمنجنيق على البيت الكعبة- مع ما في الحجاج ومن معه من الظلم المعروف، فسفك الدماء. فماذا قال ابن عمر؟ قال عبد الله بن عمر: «يا أخا أهل الشام، ما أنا لهم بمطيع ولا حامد -يعني أنا لست أطيعهم في معصية الله، ولا أنا أفرح بفعلهم وأثني عليهم فيه- ثم ذكر أنه لا يطاع المخلوق في معصية الله -يعني لا يشاركون في هذه الفتنة- ولكن لا يترك الفريضة، لا يترك الفريضة، يؤدي الفريضة التي عليه». وليس من هذا كذلك إذا حصلت فتنة أوجب الشرع دفع أشر الشرين لتخفيفه، كأن يكون خليفة على خليفة، وأمير على أمير، وقد استتب الأمر لأحدهما، وقد أمر الشرع بدفع الآخر منهما، كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما»، وذلك دفعًا لشره وسدًا لهذا الباب العظيم الذي إن فتح حصلت فتن عظيمة في أوساط المسلمين. فالمهم أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة مع ولاة أمور المسلمين، برهم وفاجرهم. وليس هذا تملقًا وتزلفًا، ولكن طاعة لله؛ لأن الجهاد من فرائض الإسلام، ولأنه نصرة لدين الله. وهكذا كذلك قوله: «والغزو ماضٍ مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر لا يترك». إشارة إلى قول الرافضة في زعمهم الباطل أن الجهاد انقطع، ولا يكون حتى يظهر المهدي المنتظر. وهذه خرافة الرافضة، فالأدلة الشرعية تدل على أن الجهاد والغزو ماضٍ إلى قيام الساعة مع الأمراء المسلمين، ولو كانوا فجارًا؛ لأن الجهاد فريضة من فرائض الدين. وليس الجهاد هو في الحقيقة نصرة للأمراء بقدر ما هو نصرة للدين، وإنما الأعمال بالنيات. فالإنسان يسقط الواجب الذي عليه شرعًا وينصر دين الله. وأما من كان في قلبه شيء من الدنيا، فأمره إلى الله سبحانه وتعالى، فلا يترك الواجب لأجل فجور من فجر في نفسه، فجور الأمير العاصي والفاسق والفاجر لنفسه، وأما الجهاد فريضة من فرائض الدين. وهكذا فيه إشارة الرد على الخوارج والمعتزلة ومن كان على طريقتهم من الثوريين الذين يكفرون بالمعاصي، ويوجبون بذلك عدم طاعتهم في مثل هذه الفرائض، وهذا خطأ. بل الفاجر ولو كان فاجرًا ما دام مسلمًا مؤمنًا، فهو مسلم ناقص الإيمان، مؤمن ناقص الإيمان، ناقص الإيمان والإسلام. لا يعني ذلك أن تترك الفرائض. وقد صح عن النبي، عليه الصلاة والسلام، أنه أمر بأن يطاع الأمراء في طاعة الله، وألا تنزع يدًا من طاعة، وإن وقع منهم شيء من الجور أو شيء من المعاصي. فقد جاء في صحيح مسلم من حديث العوف بن مال، الأشجعي، قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قال: «قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم -يعني إذا رأينا ذلك- قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة -ما دام مسلمين يقيمون الصلاة- فلا ينابذون». قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». ثم سألوه: ماذا يصنعوا؟ فقال، عليه الصلاة والسلام: «من ولي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله -إذا رأيت الوالي يأتي شيئًا من معصية الله، فكره ما يأتي من معصية الله- لكن لا تنزع يدًا من طاعة». قال: «فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزع عنا يدًا من طاعة، ولا ينزع عنا يدًا من طاعة». ومن هذه الطاعة فرائض الدين: الصلاة والجهاد والصدقة والصيام. ليس كما يفعل بعض الثوريين التكفيريين، يعلن ولي أمر المسلمين رمضان يوم السبت، عنادًا، يعلنوه يوم الجمعة ويوم الأحد، كما يحصل في بعض بلاد المسلمين اليوم. بعض الأحزاب السياسية تعلن العيد في بعض البلاد في جنوب شرق آسيا على خلاف ما يعلن به ولي أمر المسلمين. يعلن العيد يوم السبت، يقولون: لا، العيد يوم الأحد. وإذا أعلن العيد يوم الأحد، هذا يوم السبت، مثل القط والفأر، ما يجتمعان، وهم يريدون عمدًا مخالفة ولي الأمر، هذا باطل. حتى صارت السياسة على حساب الدين. وهكذا كذلك الصدقة، قال: «وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه، برًا كان أو فاجرًا». كذلك يقول. قسمة الفيء -وهو ما يكون من القتال أو من الجهاد بقتال أو بغير قتال- فالمراد به ما هو أعم من الفيء في اصطلاح الفقهاء، أي كل ما ينفل أو كل ما يغنم، سواء بقتال أو بغير قتال. ما دام أنهم يفرقون بأن الأنفال ما كان من قتال، والفيء ما كان بغير قتال، لكن مراده، رحمه الله، أن ما وقع في يد الإمام وقسم، فتقبل قسمته، حتى لو ظلم في قسمته، فاقبل هذه القسمة، وأمره إلى الله. كما مر معنا أن نسأل الله الذي لنا، ونؤدي لهم الذي لهم، كما سبق بحديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه. وهكذا إقامة الحدود هو للأئمة، ليس لأحد أن يقيم الحدود. من أصول السنة أن إقامة الحدود لأئمة المسلمين، ولاة الأمور، ليس كل أحد يقيم الحدود، أو من ينوبهم ويأذن لهم ولاة الأمور. وفي هذا رد على بعض الخوارج ومن سلك مسلكهم، ولو بالفكرة، ممن يجيز إقامة الحدود من غير الأئمة، وهذا خطأ. والآثار المروية عن بعض الصحابة من إقامة الحدود من أنفسهم لبعض من تحتهم، هذا محمول على إذن الإمام، إن صحت تلك الآثار، ولا تجدها تخرج عن ذلك. وهذا هو الواجب، خصوصًا بعد تنصيص علماء السنة وأئمتها على أن هذا من أصول أهل السنة، إقامة الحدود إلى الأئمة. وهكذا قوله: «ماضٍ» يعني لا ينقطع، لا يزعم زاعم أن المجتمعات جاهلية، كما هو فكر بعض الرافضة، وهكذا بعض الخوارج والوعيدية، أو كذلك من وافقهم من أهل فكر التكفير أو غيرهم، يزعمون أن المجتمعات جاهلية، فإذا كانت جاهلية، فإذن لا حاجة لحدود وإقامتها، ولا شيء من طاعة في فرائض ونحو ذلك. ولهذا ربما يستحلون المحرمات -والعياذ بالله- يستجري بهم الشيطان حتى يستحلون المحرمات من الكافرين أولًا، ثم من المسلمين بحجة تكفيرهم، كما يفعل الأحباش، يستحلون الزنا بحجة أنه إغاظة للكفار، ما شاء الله، يأتون شهواتهم إغاظة للكفار، ويتلاعبون بدينهم، كما يزعمون إغاظة للكفار. وهكذا ربما فعلوا أشياء عظيمة من التلاعب بالدين بحجة إغاظة الكفار، وربما تطاولوا على المسلمين بحجة أنهم ليسوا من المسلمين. قال: «ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم» يعني في ذلك، بل هو لهم خاصة. ومنه نعرف بطلان المذاهب الكفرية المعاصرة من فكر الديمقراطية بمعناها الكفري: أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، وأن الحكم للأغلبية والأكثرية، وهكذا نعرف به بطلان مذهب الكفار من طريقة الانتخابات وغيرها التي تدخل الشرور على المجتمعات المسلمة. بل ينبغي أن يجتمع المسلمون تحت ولي أمرهم، بطاعته في طاعة الله، في طاعة الله، والتعاون على البر والتقوى. وهذه الأفكار في الحقيقة ما أدخلت على المسلمين إلا الشر، وصارت أصابع وأيدي خفية لأعداء الدين للبطش بالمسلمين بإسم الحرية والمساواة والعدل الكاذب؛ إذ أن أكثرهم من المنافقين وأذناب المنافقين، يبثون الأحزاب المتعددة التي ربما تدعو إلى كفر أو تدعو إلى زندقة أو إلى علمنة أو إلى غير ذلك. وليس هذا من صالح المسلمين، بل المسلمون يصلح حالهم باجتماعهم حول ولي أمرهم، وتعاونهم معه في طاعة الله، والتزديد والمقاربة في إقامة دين الله. قال: «ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة» كذلك الصدقات تدفع إلى ولي أمر المسلمين. وإذا دفعت على الوجه الشرعي الصحيح، فهي جائزة نافذة، يعني يسقط بذلك الواجب، خلافًا لمن عنده فكر خارجي، ويزعم أنه لابد من إعادة إخراج الزكاة، هذا خطأ. حتى لو كان ولي الأمر يضعه في غير موضعه، فإذا أخذه منك سقط عنك الواجب، وأمره إلى الله، إن وضعه في موضعه الصحيح أو لم يضعه في موضعه الصحيح. هذا إذا كان على الوجه الشرعي الصحيح، فإذا لم يكن على الوجه الشرعي الصحيح، فأنت تعيدها، ليس لأن الإمام الظالم أخذها منك، ولكن تعيدها لأنها لم تكن على الوجه الشرعي الصحيح. مثاله: صدقة الفطر، أمر بها شرعًا أن تكون من غالب قوة البلد، فلو أخذها ولي الأمر نقدًا -مالًا من النقدين- فإنها لا تجزئ لمخالفتها للشرع، فأنت تخرجها مرة أخرى، ليس تخرجها لأنها لا تجزئ حيث أخذها الإمام، ولكن تخرجها لأنه أخذها على الوجه الذي لا يجزئ، وفرق بين المسألتين. وهكذا كذلك القول بأنها تجزئ إذا أخذها، لا يعني ذلك أن لا تحرص أن تضعها في الموضع الذي يكمل أداؤها فيه. فإذا استيقنت أن الإمام ظالم، ولا يضعها في موضعها الشرعي، فجاء من يطلبها، واستطعت أن تتخلص منه بدفع بعض وحبس بعض، فتعطيه بعض والبعض الآخر تعطيه بنفسك للمستحقين من الفقراء والمساكين ونحوهم، وهذا أكمل. وإن كان هناك مفسدة أعطيته كاملًا، ولم يلزمك شيء على القول الصحيح، ما دمت أديت على الوجه الشرعي الصحيح، وأمره إلى الله فيها. وقوله: «أجزأت عنه برًا كان أو فاجرًا» كما قلنا: أجزأت عنه، ليس معناه أنه هو الأفضل والأكمل. وقوله: «وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة باقية تامة ركعتين» كذلك الصلاة خلف كل بر وفاجر من عقيدة أهل الإسلام. ومر معنا أثر ابن عمر، وقد روي عن غيره من الصحابة والتابعين: الصلاة خلف أئمة الجور، الصلاة خلف أئمة الجور روي عن ابن عمر وأنس أنهما كانا يصليان خلف الحجاج، على ظلمه واشتهاره بفجوره؛ لأن الصلاة فريضة لا تعطل الفرائض لأجل فجور الأئمة. لكن ليس معنى ذلك أنك تترك التقي وتصلي خلف الفاجر، لا، إذا وجد التقي صلي خلف التقي، إذا وجد السني صلي خلف السني، وإذا وجد المبتدع صلي خلف المبتدع. وهذا إذا لم تكن أو إذا لم يكن فجوره وفسقه وبدعته تصل به إلى الكفر، أما إذا وصل به إلى الكفر، فالصلاة خلفه لا تصح. وأما إذا لم يصل إلى الكفر، فالصلاة خلفه صحيحة. إذا وجد غيره ممن هو أحسن حالًا منه، فصلي خلف الأحسن، وإذا لم يوجد لهوى، فلا تعطل الفرائض للجمعة ولا الصلوات الخمس. بل وإذا كان عنده كفر، لكن عنده شبهة فيه، فإنك تصلي خلفه؛ لأنه يُعذر بهذه الشبهة. فقد روي عن الإمام أحمد -كما روى الخلال- وهكذا كذلك ابنه عبد الله بن أحمد في «السنة»: أنه كان يصلي خلف المأمون، ولا يصلي خلف ابن أبي دؤاد. يصلي خلف المأمون مع أنه قتل من قتل من العلماء، وقال بخلق القرآن، فكان يصلي خلفه. فلما سألوه عن ذلك، أخبرهم أنه ممن لا يوصف بكفر، وأن الشر إنما أتى من ابن أبي دؤاد وأمثاله، فهو حسب أنه أمير اغتر بشبهة اغتر بشبهة. وهكذا كذلك الكثير من الحكام الذين يكفرهم بعض المتعجلين والتكفيريين والثوريين لوقوعهم بمعصية ما فعله أو قوله كفر بالإسلام، ولكن عندهم شبهة في ذلك، إما جهل بالإسلام، وإما علماء زيغ يجيزون لهم هذه الكفريات بحجة السياسة والمسايسة، فهم يعذرون في الغالب. وينبغي للمسلم ولطالب العلم على وجه الخصوص أن يتفطن لمثل هذه الدقائق، وأن يسلك مسلك العلماء الراسخين قديمًا وحديثًا، وليس هو الذي يطبق المسائل الشرعية؛ لأنه ليس أهلًا لتطبيقها. بعضهم يأتي ويقول: رأينا في بعض كتب أهل العلم أن من لبس الصليب فقد كفر، من رضي بلبس الصليب فقد كفر. نعم، هذا كفر، لكن هل كل من وقع في الكفر وهو كافر؟ هل كل من وقع في الكفر فهو كافر؟ الجواب: لا، لا يثبت الحكم حتى تتوفر الشروط وتنتفي الموانع. فإذا كان العلماء لم يكفروا فاعل هذا الفعل، كيف أنت تتجرأ على التكفير؟ كيف أنت تتجرأ على التكفير؟ هم أعلم منك وأتقى وأعرف وأحرص على الإسلام والمسلمين، لم يكفروا، احذر أن تتهمهم بدينهم؛ لأنهم لم يوافقوا هواك وشهوتك، لكن اتهم نفسك بأنك قليل البضاعة في العلم، وقليل المعرفة والخبرة بالأمور. فهذه طريقة أهل العلم، خصوصًا وأن أكثر هؤلاء ينظر إلى الكرسي أعظم مما ينظر إلى الدين، فهذا يعمي ويصم عليهم. فالمهم أن المسلم ينبغي عليه أن يتعقل، وأن يسلك المسلك الشرعي الصحيح، ويأخذ بطريقة العلماء. وهكذا كل الفرائض تؤدى خلف أمراء الإسلام، ويتعاون معهم ولو كانوا فجارًا، طاعة لله، ليس تزلفًا ولا تملقًا للأمراء، ولكن طاعة لله، وحفاظًا على المجتمع المسلم من الشر. روى ابن سعد في «الطبقات» بإسناد صحيح عن زيد بن أسلم: أن ابن عمر، رضي الله عنه، كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدى إليه زكاة ماله. انظر: لا يأتي أمير -على أن من تأمل تاريخ الأمراء في آخر عهد الصحابة- كان منهم من يشرب الخمر، ومنهم من يأتي الفواحش، ومنهم ومنهم، ومع ذلك كانوا يصلون خلفهم. لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدى إليه زكاة ماله. بل كان ابن عمر يجمع أبناءه، ويحذرهم من أن ينزعوا يدًا من طاعة، يحذرهم على واحد واحد، ذكورًا وإناثًا، أن ينزعوا يدًا من طاعة. أولًا؛ لأن هذا فيه المحافظة على شرائع الدين، وفيه المحافظة على جمع كلمة المسلمين، والخلاف شر، والفرقة عذاب. فينبغي للمسلم أن يعتبر، وأن يقتدي ويتبع بطريقة السلف التي سلكوها. وقوله، رحمه الله تعالى: «جائزة باقية تامة ركعتين» خلافًا لبعض أهل الأهواء الذين يصلونها أربعًا؛ لماذا؟ لأنهم يرون أن نصفها بطل بخطبة الخطيب الفاجر، ولو صلى غير الخطيب، فيما يزعمون أنها لا تصح إلا أربعًا، وهذا قول مبتدع، قول ضلالة، قول فرقة، ليس من قول أهل السنة. وسمعنا مما سبق من الآثار: أن الصحابة ومن بعدهم من علماء الإسلام كانوا يصلون خلف أئمتهم، برًا كان أو فاجرًا. وقوله: «من أعادها فهو مبتدع تارك للآثار» لأن بعض أهل البدع كان يعيد الصلاة خلف الأئمة إذا صلى خلف الإمام أعاد الصلاة، وهذه بدعة وضلالة وخروج عن طريق السنة ومنهج سلف الأمة، كما سبق في الآثار. وقوله: «تارك للآثار» يعني التي سمعنا بعضها عن ابن عمر وأنس وعمران وجماعة من الصحابة والتابعين كانوا على هذا. وهكذا كذلك قوله: «مخالف للسنة» لأن السنة أمرت بالصلاة خلفهم. فإن أحسنوا فلنا ولهم، وإن أساءوا فلنا وعليهم، كما أخبر النبي، عليه الصلاة والسلام. وقوله: «ليس له من فضل الجمعة شيء» يعني إذا صلى وحده وأعاد الصلاة، بل إنه مبتدع وسالك مسلك ضلالة. وقوله: «إذا لم يرَ الصلاة خلف الأئمة من كانوا: برهم وفاجرهم» كذلك أنه على طريق ضلالة. وقوله: «فالسنة بأن يصلي معهم ركعتين، ويدين بأنها تامة، لا يكن في صدرك من ذلك شك» لأن الأدلة من الكتاب والسنة، وطريقة سلف الأمة تدل على ذلك. ووجب على المسلم أن يبقى على هذا الأصل، ولا يتبع الأوهام والعواطف فيزيغ بها عن الصراط المستقيم، ويخرج عن أصول أهل السنة والإسلام. وهذه أصول مهمة ينبغي لكل مسلم أن يعتني بها. طيب نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.