تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 10

تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 10

الدرس في تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

علم الله السابق ومفهوم القدر

يشير إلى أن كل ما يحدث مكتوب في كتاب قبل خلق السماوات والأرض، ويهدف إلى منع الحزن الشديد والفرح المفرط. هذا العلم السابق يبين أن الله كتب مقادير الخلائق.

أحوال الناس مع القدر والمقادير

الناس مع القدر في خمس أحوال مختلفة: الساخط والصابر والراضي والشاكر ومن لا صبر ولا رضا ولا شكر له. لكل حالة منها جزاء مختلف عند الله.

التحذير من الفخر والخيلاء والبخل

يتناول التحذير الإلهي من الفخر والخيلاء والبخل، ويبين أن هذه الصفات منافية للإسلام والإيمان. كما يشير إلى أن الإنفاق في سبيل الله يبارك المال.

ختام الدرس والدعاء

يختتم بالدعاء أن يجعلنا من الصابرين الشاكرين والمؤمنين، ويحمد الله على ما وفق إليه من الخير والهداية.

التفريغ النصي الكامل

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال المفسر -رحمه الله-: "ما أصاب من مصيبة في الأرض بالجدب، ولا في أنفسكم كالمرض وفقد الولد، إلا في كتاب -يعني اللوح المحفوظ- من قبل أن نبرأها -نخلقها-، ويقال في النعمة كذلك. إن ذلك على الله يسير؛ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم. والله لا يحب كل مختال متكبر بما أوتي، فخور به على الناس. الذين يبخلون بما يجب عليهم، ويأمرون الناس بالبخل به، لهم وعيد شديد. ومن يتولَّ عما يجب عليه، فإن الله هو -ضمير فصل، وفي قراءة بسقوطه- الغني عن غيره، الحميد لأوليائه". أما بعد، هذه الآيات تتم لما قبلها. إن ذكر الله عز وجل أحوال المؤمنين والمنافقين، وكذلك الكافرين والمتقين، وذكر ما يبتلي الله عز وجل به الدنيا، ذكر هذه الآية في أحوال الناس مع المصائب ومع ما يؤتي الله عز وجل من نعم. فقال سبحانه وتعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. وقول المفسر -رحمه الله- "بالجدب" هذا من التفسير ببعض المعنى. ولهذا كان الأولى أن يقول "كالجدب". كأن المقصود بالمصيبة ليس حصرها بالجدب، بل المصيبة في الأرض كل المصائب التي تكون في الأرض من الأوبئة والأمراض وهكذا الغلاء والحروب والزلازل والعواصف والفيضانات وغيرها من المصائب التي تصيب الناس أفرادًا وجمعات. وكل ذلك في كتاب. ولا في أنفسكم كذلك، قال "كالمرض". وقد أحسن بقوله "كالمرض وفقد الولد". فهذا من التفسير ببعض المعنى. فما يصيب النفس كثير، كالمرض وفقد الولد والقتل وضياع المال، واحتراق البيوت وغير ذلك مما يصيب الناس وما يملكون. وكل ذلك في كتاب. وقول سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ حصر، أي أن الله عز وجل قد كتبه. ليس شيء يخرج عن هذا الكتاب. وفسره بقوله "يعني اللوح المحفوظ". أي هذا الكتاب. وقد جاءت أدلة من الكتاب والسنة أنه اللوح المحفوظ. ففي الصحيح من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام". وهذا التقدير قبل الخلق. ثم أمر بالكتابة، فكتب. فما من شيء إلا أمر الله عز وجل بكتابته. وليس هذا على الله عز وجل بعزيز. كل شيء يأمر الله عز وجل بكتابته قد كتب. وقد ضرب بعض مشايخنا المعاصرين مثالًا -ولله المثل الأعلى- بأنه يوجد اليوم من مصنوعات الإنسان المعاصرة الدوائر الصغيرة التي تجمع المعلومات الكثيرة. فإذا أمكن الإنسان أن يصنع مثل ذلك، فليس على الله عز وجل بعزيز أن يجمع كل ما كان ويكون من أمر مخلوقاته وكونه إلا وقد كتب. فإنه أمر بكتابة ذلك كله. والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. وسمي محفوظًا لحفظ الله عز وجل، بحفظ الملائكة. وقوله سبحانه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ قال "نخلقها". ويقال في النعمة كذلك. يعني اختلفوا في عود الضمير في "نبرأها". فقيل "نبرأها" أي الخليقة والكون كل المخلوقات، ومنها السماوات والأرض. وقيل "نبرأها" أي المصيبة. "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها" أي نبرأ المصيبة. والأول هو الأولى كما رجح غير واحد من المفسرين؛ لأن السياق يدل عليه، وعود الضمير على أقرب مذكور هو الأصل في اللغة والشرع. وأقرب مذكور هو الخليقة -الأرض والنفس- وما كان بمعناها. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي لا يعجز الله عز وجل أن يفعل ذلك. فلا ينبغي الإنسان أن يستبعد مثل هذا. فلله عز وجل العظيم قادر جل وعلا أن يفعل مثل ذلك وأعظم. وقوله سبحانه: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. ها هنا اللام للتعليل، و"كي" كما قال -رحمه الله- المفسر، منصوبة بمعنى "أن" أي لألا تأسوا. هذا من جهة المعنى. على ما فاتكم ولا تفرحوا فرح بطر، بل فرح شكر على النعمة. بما آتاكم بالمد أعطاكم، وبالقصر جاءكم منه. والله لا يحب كل مختال متكبر بما أوتي، فخور به على الناس. والذين يبخلون بما يجب عليهم، ويأمرون الناس بالبخل به. لهم وعيد شديد. ومن يتولَّ عما يجب عليه، فإن الله هو الغني عن غيره، الحميد لأوليائه. الناس مع القدر خمسة أحوال: فمنهم الذي يقابل القدر بالتسخط. وهذا آثم. ومنهم من يقابله بالصبر. ومنهم من يقابل القدر بالرضا. ومنهم من يقابل القدر بالشكر. والخامس هو الذي لا صبر ولا رضا ولا شكر. فالأول: الساخط الذي يقابل القدر بالتسخط. وهذا التسخط قد يكون باللفظ والقول، وقد يكون بالفعل، وقد يكون كذلك بالحال. فأيًا كان هذا التسخط لقدر الله عز وجل فإنه من الإثم الذي حرمه الله. كشق الجيوب وضرب الخدود، ومن التسخط بالفعل. والصراخ والنداء بنداء الجاهلية "وثبوراه يا ويلتاه" ونحو ذلك من العبارات. "لماذا أخذت ولدي وتركت أولاد الناس" ونحو ذلك. هذا كله من التسخط وعدم الرضا والصبر مع القضاء. أو كذلك بالحال، يمتنع عن الأكل والشرب، ويطيل الحزن حتى يحرم على نفسه ما أحل الله. فيضرب نفسه ويضرب من حوله. الزوجة تهجر زوجها، والزوج يهجر زوجته وأولاده. وغير ذلك مما هو ليس من الإسلام في شيء. ولهذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تحد امرأة أكثر من ثلاث إلا على زوج. والثاني: الذي عنده عدم الصبر. قد لا يقع منه التسخط، لكن في نفس الوقت ما وقع منه الصبر. فيكون في منزلة وسط. لا هو بالذي دخل مع الصابرين، ولا هو بالذي أظهر التسخط. فيكون الحزن مستمرًا معه في القلب وفي الحال. فقد لا يظهر الحزن بلباس أو قول أو فعل يكون فيه التسخط. لكن استمرار الحزن عليه كذلك. هذا من ضعف الإيمان. بل الواجب أن يرضى العبد بقضاء الله وقدره، ويباشر حياته كما أمر الله سبحانه وتعالى. والثالث: الصابر الذي يصبر. فيحجز جوارحه -القولية والفعلية- وأحواله أن يكون فيها شيء من التسخط. لكنه يدافع ذلك مدافعة. ليس عنده رضا ولا شكر. وقد يكون عنده بعض الرضا، لكن ليس عنده كمال الرضا. فيغلب عليه الحزن حتى لا يقنع بقضاء الله وقدره. فلا يكون عنده الرضا. وهذا مأجور غير مأزور. لكنه لم يصل إلى الدرجة الأعلى في الأجر. والرابع: هو الذي زاد فوق صبره الرضا. فهذا يكون مع صبره شيء من الرضا بقضاء الله عز وجل. ويعلم أن ما اختاره الله له خير مما يختاره لنفسه. فيكون هذا في بقوله وبفعله وبحاله. فينال أجرًا أكثر من الذي قبله. والخامس: الشاكر الذي وصل إلى درجة أعلى. وهو من أوتي صبرًا ورضا وشكرًا. الشكر باللسان وبالفعل وبالحال. شكره بلسانه بأن يقول "الحمد لله" على قضاء الله وقدره. كما قال بعض الأئمة: "لئن أخذ الله لي ولدًا فقد ترك لي آخرين". "لئن أخذ الله مني رجلًا ترك لي أخرى". وهو عروة بن الزبير -رحمه الله- رحمة واسعة. وهكذا حال من وفق للشكر في مثل هذا المقام. فإنه يصل إلى الدرجات العالية في هذا المقام. فالمقصود أن الإنسان يقابل ما يبتلى به ليس بالأسى والحزن، ولكن بالصبر، بل بالرضا والشكر. وما يأتِه الله عز وجل من نعمه فبالشكر. أن يشكر الله سبحانه وتعالى على ما آتاه الله سبحانه. وقول المفسر -رحمه الله- "بالمد أعطاكم، وبالقصر جاءكم منه". يعني بما آتاكم أي أعطاكم. وبما أتاكم بدون مد أي ماذا جاءكم. وكله بمعنى متقارب. وهي قراءتان سبعيتان مشهورتان. لكن الفرق بينهما أن أحدهما يكون فيه معنى التمليك، والآخر يكون فيه معنى التمرير. فوكلاهما من نعم الله سبحانه وتعالى. فما كان من نعمة من نعم الله فيقابل بالشكر. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ قال "مختال" متكبر بما أوتي، فخور به على الناس. وفسر بأن المختال هو المترفع على الناس بفعله. والفخور المترفع على الناس بقوله. فلا يترفع الإنسان على الناس لا بقول ولا بفعل. فليكن هو وديعًا سهلًا لينًا متواضعًا. فإن هذا من علامات كمال عبودية العبد. وحسن كذلك رضاه بما آتاه الله. ألا يفتخر به حتى لا يقول: "ما آتاني الله بسبب أني فلان ابن فلان، وأني من القبيلة الفلانية، وأني كذا وكذا". فهذا من الفخر والخيلاء الذي حذر الله عز وجل منه. وهو من أخلاق الكافرين. والاختيال كما قلنا بالفعل. كأن يكون باللباس الطويل والإسبال الذي فيه الخيلاء. أو يكون كذلك بالمشية. أو يكون برفع الرأس. وكذلك إبراز الصدر. وغير ذلك من الأفعال التي فيها استنقاص للآخرين. وكذلك الفخور فخور بقوله أو بحاله. بقوله بأن يقول: "أنا ابن فلان ابن فلان، أنا الذي عندي كذا وكذا". وكل هذا من فخر الجاهلية المحرم. أو كذلك فخور بحاله. يفعل فعلًا فيه معنى التعالي على الخلق. كل هذا مما حرمه الله عز وجل وحذر منه. وهو منافي ليس فقط لآداب الإسلام، بل للإيمان، بل للتعامل مع نعم الله عز وجل وقضائه وقدره. فأنت حين تترفع على الناس، ليس فقط ارتكبت ذنب عدم الشكر والوقوع في الفخر والخيلاء. بل استنقصت ما أتى الآخرين من نقص. فكأن هذا يعني ليس من الله. وهو بسبب نقص هؤلاء من ذواتهم. وهذا ليس بصحيح. بل ما أتى وما أعطى هو كله من الله. فينبغي الإنسان أن يشكر الله على ما آتاه. ويحمد الله على ما عافاه. ولا يتنقص أحدًا من خلق الله. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ الآية. كذلك في هذا الباب مناسبة للقضاء والقدر وأمر المصيبة. أن الإنسان إذا أتاه الله عز وجل شيئًا لا يبخل به. بل يجب أن ينفق كما أمره الله عز وجل. وها هنا ذكر صنفين من أهل البخل. الذي يبخل في نفسه بما يجب في النفقات الواجبة. وهي كثيرة. منها الزكاة. ومنها النفقة على الأقارب. ومنها دفع اللأواء والضراء عن المضطرين. ومساعدة المكروبين. ويدخل فيه المال والجاه والمنصب وغير ذلك مما يكون محلًا للإنفاق. لعموم قول الله عز وجل: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. فينفق صاحب المال من ماله. والعلم من علمه. والجاه من جاهه. والمنصب من منصبه. يؤدي به ما أوجب الله على كل واحد من هؤلاء واجبًا ومستحبًا. فينبغي الإنسان أن يفعل الاثنين إن استطاع. ولا أقل أن يفعل الواجب. ولا يقع في المحرم. والصنف الثاني من البخلاء الذي يأمر الناس بالبخل. حتى لو كان هو ما فعل البخل. ليس عنده ما يبخل به فقير. لكنه يأمر غيره الغني بماذا؟ بالبخل. ويخوفه من زوال هذه النعمة ونحو ذلك. أو حصول الضرر بسبب نفقته. وهذا كذلك صاحب إثم آخر. وهو سبب لإدخال الخوف الذي ينافي الإيمان بالله وعطائه وعظيم كذلك إنعامه. لأن من الناس من يكون سببًا في منع الخير عن الآخرين. فهذا يريد أن يشبع بجاهه. فيمنعه. "خاف عليك من كذا وكذا". هذا يريد أن ينفق من ماله. وذاك بجاهه. وذاك بعلمه. وذاك بمنصبه. فيمنع أمثال هؤلاء. فيكون ممن يطغون في معنى هذه الآية. (توعدهم الله عز وجل) كما ذكر المفسر "بالوعيد الشديد". ومن يتولَّ قال "عما يجب عليه". فإن الله هو الغني الحميد. وهذا الصحيح يتناول الأمرين -الواجب والمستحب- لكن صاحب الواجب يأثم، وصاحب المستحب يحرم. فالله عز وجل إذا ولاك نفسك الضعيفة، فإنك حرمت خيرًا كثيرًا. لو لم يكن إلا أن ما في يدك تزول بركته وتذهب منفعته. بما يكون من ذلك الإمساك وعدم الإنفاق. وأما من بالغ في الإنفاق، بارك الله عز وجل. فما نقصت صدقة من مال. كما أخبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وختمت الآية باسمه العظيم "الغني". واسمه "الحميد". وهو الغني الذي يعطي عطاء من لا يخشى سبحانه وتعالى أن ينقص من ملكه شيء. بل كما جاء في الحديث القدسي: "لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم وقفوا في صعيد واحد، وأعطى كل واحد مسألته، ما نقص ذلك من ملك الله شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر". ماذا عسى أن ينقص المخيط إذا أدخل البحر؟ لا ينقص شيئًا من ملك الله سبحانه وتعالى. فمن اعتقد هذا عقيدة عظيمة في قلبه، فإنه لن يبخل أبدًا. بل يعلم أن الله عز وجل سيبارك له. والآيات في البركة في الإنفاق كثيرة. كما قال الله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي يربيها ويضاعفها أضعافًا كثيرة. فيكون منها المنفعة والزيادة. "حميد" أي لأوليائه وعباده الصالحين الذين قابلوا اللأواء والشدة بالصبر، والعطاء بالشكر. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من الصابرين الشاكرين، ومن عباده المؤمنين. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.