الدرس الثاني والأربعون بعد المائة:من( فلما مات يزيد طلب الأمر أخوه إبراهيم فبايعه أخوه ولم ينتظم له أمر ...غفر الله له ولوالديه وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم).
قامت دولة بني العباس على يد السفاح بعد خلافة مروان بن محمد، وتلا ذلك سلسلة من الخلفاء العباسيين مع استمرار الفتنة الثالثة. كانت هذه الفتنة محنة القرآن ولم تنته بعد.
زبيدة بنت جعفر قامت بجهود خيرية مثل إنشاء طريق الحجاج وتوفير الماء لهم. في عهد عمر بن عبد العزيز، بدأ تأليف الكتب بجمع حديث رسول الله خوفًا من ضياع العلم.
في أيام المنصور، بدأ العلماء في تصنيف كتب التفسير والحديث، حيث ألف علماء كبار كتبًا في الحديث والفقه، مما كان نقلة نوعية في حفظ العلم وتنظيمه.
المقطع ينتهي بالدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه، معتبرًا ذلك من الأعمال الصالحة التي يحبها الله ورسوله.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول» صلى الله عليه وسلم: قال رحمه الله: «فلما مات يزيد، طلب الأمر أخوه إبراهيم، فبايعه أهل الشام، ولم يمتظم له أمر، فطلب الأمر مروان بن محمد بن مروان، الذي يقال له مروان الحمار». ولقب مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الأموي بمروان الحمار، قيل: كما ذكر عندكم في التعليق، لأنه كان مقداما في الحروب، وقيل: لخفة عقله، كما ذكره ابن حبان في السيرة، فكان فيه شيء من الخفة، ولذلك أكثر من الحروب، فكانت نهاية دولة بني أمية على يديه. ويلقب كذلك بمروان الجعدي، نسبة للجعد بن درهم المبتدع الضال، فقد كان مربيا لمروان بن محمد بن مروان، فإنه كان تلميذًا للجعد بن درهم، فلذلك ربما لقبه بعضهم بالجعدي من باب المساءة. قال: «فبايعه بعض الناس في صفر سنة سبع وعشرين ومئة، ولم يزل في حروب وتخبيط إلى آخر سنة اثنتين وثلاثين ومئة، يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، فقتل في كنيسة أبي صير». وكانت مدة خلافته خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وهو آخر من ولي الخلافة من بني أمية. قال: «دولة بني العباس». ثم قامت دولة بني العباس. وفي هذه السنين وقعت الفتنة الثالثة التي لم يرفع الخرق بعدها إلى اليوم. والمراد بهذه الفتنة: فتنة المحنة، محنة القرآن. وقد اختلف في هذه الفتنة الثالثة، وتقدم معنا الحديث الذي ذكره البخاري معلقًا، الموقوف أو المقطوع على سعيد بن المسيب، رحمه الله، وأنهم فسروا الفتنة الأولى والثانية، وتركوا تفسير الفتنة الثالثة. وقد اختلف العلماء في الفتنة الثالثة، فمنهم من ذكر محنة القرآن، ومنهم من ذكر ترجمة كتب الكفار من فلاسفة الهند واليونان، ومنهم من ذكر غير ذلك. قال: «وفي هذه السنين وقعت الفتنة الثالثة التي لم يرفع الخرق بعدها إلى اليوم». فأول من قام من بني العباس: السفاح، واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فبقي نحو ست سنين، ثم مات، وعهد إلى أخيه المعروف بالمنصور، فبقي فيها اثنتين وعشرين سنة، ثم توفي، وعهد إلى ابنه المعروف بالمهدي، فبقي نحو عشر سنين، ثم مات، وقام بعده ابنه موسى المسمى بالهادي، فبقي سنة وشهرًا، ثم توفي، وقام بعده أخوه هارون المسمى بالرشيد، فبقي أكثر من عشرين سنة، ثم مات، وقام بعده ابنه المسمى بالأمين -يعني ابن هارون الرشيد- والأمين لقب، قيل: اسمه محمد، وقيل: اسمه الأمين، ومحمد يذكر تبركًا، فهو محمد الأمين ابن هارون الرشيد. قال: «وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور، وهي زوجة هارون الرشيد، وهي ابنة جعفر بن المنصور، وكانت امرأة صالحة محبة للخير جدًا». ومن أعمالها الصالحة أنها أنشأت طريق الحجاج من العراق إلى مكة، وأجرت على هذا الطريق ماءً يسمى بماء زبيدة، وهو موجود آثاره إلى يومنا هذا. والآن حكومة الحرمين الشريفين تقوم بإعادة وتجديد ماء زبيدة في هذه الأيام. فانظروا في ذلك الزمان، مع قلة ذات يد الناس، وكذلك قلة الإمكانيات، استطاعت أن تجري ماءً على طريق الحجاج من العراق إلى مكة. بل إنها صنعت في بعض الطرق الأخرى كذلك سبلًا. وقيل: وكذلك كانت تعتني بالقرآن وحفظته، فجمعت عندها أكثر من ألف حافظة، وقيل: أنها أول من ألف بيتًا أو جمعت بيتًا لحافظات القرآن. ويذكر في ترجمتها أشياء عجيبة كثيرة في الخير والبر، فرحمها الله رحمة واسعة. قال: «وبقي نحو ثلاث سنين، ثم قتله عسكر أخيه المأمون، وقام بعده المأمون، وهو الذي جر على المسلمين كثيرًا من الفتن في العقائد». ولهذا جعل بعضهم ولاية المأمون هي الفتنة الثالثة التي ابتليت به أمة الإسلام. قال: «فترجم كتب اليونان في الفلسفة، وأظهر القول بخلق القرآن، وألزم الناس القول به، وامتحن الإمام أحمد وغيره من الأئمة، رحمهم الله في ذلك». وهذه المحنة قد ذكرها العلماء بتفاصيل كثيرة في كتب العقائد والسير والتاريخ. قال: «بدء تأليف الكتب». وفي أيام عمر بن عبد العزيز، كتب إلى أبي بكر بن حزم بالمدينة، وكان ذلك من سنة ستة وثمانين إلى ثلاث وتسعين هجرية، قيل: أنه أمر بهذا الكتاب سنة تسع وتسعين هجرية حين تولى الخلافة، وقيل: قبل ذلك. والصحيح أنه كان قبل ذلك، قبل أن يتولى الخلافة، فقد كان واليًا على المدينة قبل أن يتولى الخلافة، رحمه الله. فأمر بما أمر، فإنه خشي أن يقبض العلم. وقد بوب البخاري، وقد أورد هذا الأثر بابًا في صحيحه، فقال: «باب كيف يقبض العلم». وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم بالمدينة، قال: «كتب إلى أبي بكر بن حزم بالمدينة: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعه، فإني خفت دروس العلم». ومعنى دروس العلم: أي ذهابه وخفاؤه. قال: «وذهاب العلماء» -يعني بموت العلماء- ولهذا أتبع البخاري، رحمه الله، هذا الباب بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزع مصدور العلماء، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا، أو لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وزاد البخاري، رحمه الله، بعد هذا قوله: «ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم». وجاء في بعض الروايات: «أنه حتى على العلم والجلوس له، حتى لا يذهب العلم». وأن العلم لا يزال في الناس على خير ما دام يجهر به، وإذا أسر به، فاعلم أن أهله على شر. وهكذا كذلك جاء عنه: أنه أمر أو طلب من سالم بن عبد الله بن عمر أن يجمع أحكام الزكاة. فنقل أنه كتب إلى سالم، فقال: «يا سالم، أكتب لنا أحكام الزكاة والجواية برواية جدي عمر بن الخطاب»، لأنه من سلالة -أي عمر بن عبد العزيز- من سلالة عمر بن الخطاب. قال: «وفي أيام المنصور، شرع العلماء في تصنيف كتب التفسير والحديث، وكان ذلك سنة ست وثلاثين ومئة». قال: «فصنف ابن جريج بمكة، وابن جريج توفي سنة خمسين ومئة، فكان تصنيفه قبل هذا وبعد ست وثلاثين ومئة، فألف كتابًا سماه الأمانة، أو سمي بالأمانة لكثرة صحته، وقيل: أنه ألف كتابًا آخر سمي بالجامع لابن جريج». قال: «ومالك بن أنس بالمدينة، ومالك توفي سنة تسع وسبعين ومئة، وله الموطأ المشهور». قال: «وعبد الرحمن الأوزاعي بالشام، وهو من فقهاء الشام، وتوفي في ست وخمسين ومئة، وله كتاب السنن». قال: «ومحمد بن سلمة بالبصرة، وحماد بن سلمة له كتاب سماه المصنف، وتوفي سنة ستين ومئة». قال: «وسفيان الثوري كذلك، سفيان الثوري ممن ألف، وهو من أهل الكوفة، وله كتاب الجامع، قيل: فيه ثلاثون ألف حديث». قال: «ومعمر بن راشد باليمن، صوابه معمر بن راشد، فلعله خطأ من بعض النساخ، أو إذا أراد أبو عبيدة، فالله أعلم، لكنه ليس من أهل اليمن، بل أبو عبيدة ممن تكلم فيه، فقيل: أنه كان يحقد ويحمل على بعض المسلمين». قال: «وصنف محمد بن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة النعمان بن ثابت الرأي -يعني فقه أهل الرأي-». قال: «وقبل هذا كان لئم يتكلمون من حفظهم، ويروون العلم صحفا غير مرتبة». وقد ألفت في ذلك مؤلفات في ثنايا تلك الأعوام، فمنهم من حفظ مؤلفاته، ومنهم من لم تحفظ مؤلفاته، ومنهم كما ذكر: كانت له صحف، مثل صحيفة همام بن المنبه، وغير ذلك من الصحف التي حرص أهل العلم على روايتها وحفظها، ومنهم من كانت له أحاديث مفردة. قال: «وقبل هذا كان لئم يتكلمون من حفظهم، ويروون العلم صحفا غير مرتبة». والله سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على خاتم المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب الشريف يوم الأربعاء لإحدى عشر خلت من شهر رجب سنة تسع وثلاثمائة وألف، على يد الفقير إلى ربه سليمان بن سحمان، غفر الله له ولوالديه وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. اللهم صل على محمد، آله وصحبه وسلم.