شرح أصول السنة 6

شرح أصول السنة 6

الدرس في شرح أصول السنة 6، الدرس السادس: (ومن السنة اللازمة التي من ترك ... إنما هو التصديق والإيمان بها). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الإيمان بالقدر في أصول أهل السنة

الإيمان بالقدر خيره وشره هو ركن من أركان الإيمان وأحد أصول أهل السنة والجماعة. ذكره الله في كتابه الكريم في مواضع كثيرة.

مراتب الإيمان بالقدر وعلاقته بحرية العبد

الإيمان بالقدر لا يتم إلا بتحقيق مراتبه الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله ولا تنافي حرية العبد في الاختيار.

التسليم بالقضاء والقدر والإيمان بالغيب

الإيمان بالغيب يقتضي التسليم بالقضاء والقدر دون معارضة أو سؤال عن الكيفية. العقل الصحيح لا يعارض النقل الصريح ويمكن الاستدلال عقلياً على معنى القدر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتابه «صول السنة» المروي عنه: «قال الإيمان بالقدر خيره وشره». قال: «ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه والإيمان بها، لا يقال: لما ولا كيف، إنما هو التصديق والإيمان بها. ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفي، فقد كفي ذلك وأحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم له، مثل حديث الصادق المصدوق، ومثل ما كان مثله في القدر». هذا شروع في التفصيل لأصول أهل السنة، فلما ذكر في أوائل هذه الأصول الأصول العامة التي فيها ملازمة السنة وترك البدع وعدم المعارض لها، شرع بعد ذلك رحمه الله تعالى في ذكر تفاصيل هذه الأصول. فقال رحمه الله: «ومن السنة اللازمة»، أي من طريقة النبي عليه الصلاة والسلام، كما مر معنا أن السنة هنا هي طريقته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودينه الذي كان عليه وكان صحابته رضي الله تعالى عنهم من بعده عليه، وهو صراط الله المستقيم ودينه القويم الذي أمرنا بالأخذ به واتباعه. قال: «ومن السنة اللازمة»، ومعنى اللازمة أي التي يلزم كل مسلم الاستمساك بها، التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها. ومعنى من ثبت عنه أنه ترك هذه الأصول التي سيأتي تعدادها وذكرها، فإنه ليس من أهل السنة، ليس من أهل السنة بل هو من أهل البدع والأهواء. وابتدأ رحمه الله بذكر الإيمان بالقدر خيره وشره، فهو أصل من أصول أهل السنة، بل هو أحد مباني واركان الإيمان، كما في حديث جبريل الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، ورواه مسلم من حديث عمر رضي الله تعالى عنه، قال: «أخبرني عن الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره». فمن الإيمان بالله الإيمان بالقدر، فهو أحد مباني الإيمان وركن من أركانه. وقد ذكره الله جل وعلا في كتابه الكريم في مواضع كثيرة، فإن الإيمان بالقدر من مباني هذا الإيمان، لا يتم إيمان مؤمن إلا بالإيمان بالقدر. ولهذا لما حدثت بدعة القدرية فأنكروا ما أنكروا من أمر القدر، كان من الصحابة رضي الله تعالى عنهم التبرؤ منهم والإنكار عليهم، وهذا دليل على أن هذا من أصول أهل الإيمان والإسلام وأهل السنة والصحابة رضي الله تعالى عنهم. ولهذا صح عن عبد الله بن عمر في ذلك الحديث المشهور الذي رواه الإمام مسلم وغيره، ورواه مسلم مطولا، لما حصل ما حصل من معبد الجهني حين وقع في القدر وقال ما قال، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر، حين سئل قال رضي الله عنه وأرضاه: «فإذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم مني براء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر». ثم ذكر حديث جبريل فيما يرويه عن أبيه عمر رضي الله تعالى عنه، وفيه: «وتؤمن بالقدر خيره وشره». فمن الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وكذلك من مباني هذا الإيمان الإيمان بالقدر، فلا يتم إيمان لمؤمن إلا بالإيمان بالقدر. ولهذا صار أصل من أصول أهل السنة، والإيمان بالقدر على أربعة مراتب كما مر معنا في دروس كثيرة ويتكرر، والعلم يثبت بالتكرار. الإيمان بالقدر لا يتم إلا أن يؤمن به بمراتبه الأربعة. ما هي هذه المراتب الأربعة؟ أمس ذكرها أحد الإخوان: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. جزاك الله خير. الإيمان بالقدر لا يتم حتى يتم الإيمان بهذه المراتب الأربعة: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. أن تؤمن بأن الله جل وعلا علم بالأشياء قبل وقوعها، علم بالأشياء قبل وقوعها، والله بكل شيء عليم. إن كنت تؤمن أن الله بكل شيء عليم، فالله علم بالأشياء قبل وقوعها، ولا ينافي ذلك أن العبد يفعل ما يريد باختياره. فعلم الله سبحانه وتعالى السابق هو من القدر، وهو سر من سر الله سبحانه وتعالى الذي لم يعلمه خلقه، وهو في إمكان الخلق إدراكه. والله جل وعلا مع أنه سبحانه وتعالى علم الأشياء قبل وقوعها لم يحرم الناس من اختيارهم، بل كل إنسان يفعل بمحض اختياره، ولهذا من أحسن يثاب، ومن أساء يعذب: ﴿إِنْ هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة التي بهذا المعنى. وهكذا الإيمان بالكتابة: أن الله جل وعلا أمر بكتابة الأشياء قبل وقوعها، كما في حديث البراء، وجاء معنا من حديث ابن عباس: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». وهكذا كذلك كما أخبر ربنا جل وعلا: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾، قد سطر وكتب أمر الله جل وعلا بسطره وكتابته. وهذه الكتابة على أنواع، المهم أن الأشياء قد كتبت قبل وقوعها، ولا ينافي ذلك فعل العباد. أمر الله جل وعلا بكتابة الأشياء وتقديرها قبل أن يخلق السماوات والأرض، كما في حديث عبد الله بن عمر: «أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام». بل أمر بالكتابة قبل أن يخلق المخلوقات سوى العرش، أول ما خلق الله القلم، فقال: «اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». وهكذا يتأكد أمر كتابة أخرى عند نفخ الروح، يؤمر الملك بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. يؤمر الملك بكتابة هذا عند نفخ الروح، ولا ينافي ذلك عمل هذا المولود وما يكون عليه، فإنه يعمل باختياره، والله جل وعلا قد سبق في علمه ما يعمل، وأمر بكتابة ذلك الذي سبق. وهكذا كذلك الإيمان بالمشيئة: أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فإذا شاء الله جل وعلا شيئا فإنه لابد أن يكون ويقع، ولا ينافي ذلك أن للعبد مشيئة، فإن الله سبحانه أثبت للعباد مشيئة، لكن مشيئتهم لا تخرج عن مشيئة الله، فهي تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. والله سبحانه وتعالى كما سبق أخبرنا أنه أمكن هذا العبد من الفعل والاختيار، وهديناه النجدين: ﴿إِنْ هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. فالله سبحانه وتعالى شاء ما شاء، ومشيئته نافذة، ومشيئته لا تنافي مشيئة العباد، لا تنافي مشيئة العباد. ولا يقال: لما وكيف، كما قال رحمه الله: «والتصديق بالأحاديث فيه والإيمان بها». المسلم كما مر معنا يصدق ويسلم ويؤمن، ولا يكن في صدره حرج، بل يعلم أن ما أخبر الله به في كتابه أو نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته فهو حق، يجب الإيمان به والتسليم والقبول، ولا يقال: لما ولا كيف لما لا يعقله الإنسان، لأن عقل الإنسان قاصر عن أن يدرك كل شيء. كما مر معنا هو لا يعقل بعض المحسوسات التي عنده لا يعقلها، فكيف يعقل بما هو من علم الغيب وبما هو مما هو وراء المحسوس؟ الإنسان ما يعقل القريب المحسوس ما يعقله ولا يدركه، ولا يمكنه إدراكه، ويعترف بالقصور والنقص، ولا يسعه إلا التسليم بأنه عاجز عن تفسير ما حوله وعن معرفة ما حوله. فإذا استسلم لذلك المحسوس وهو دون ما أمر الله جل وعلا بالاستسلام له من شرعه ودينه، وجب عليه أن يستسلم من باب أولى وأحرى بما أخبر الله جل وعلا به في كتابه أو نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته، لأن ذلك من تمام الإيمان والتصديق. ولهذا لما وصف أهل الإيمان وأثنى عليهم، أول ما أثنى عليهم أنهم يؤمنون بماذا؟ يؤمنون بالغيب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، فإن من تمام إيمان المؤمنين أنهم يؤمنون بالغيب، والإيمان بالغيب يقتضي التسليم القبول، يقتضي التسليم القبول. أنت تؤمن باليوم الآخر، وأن اليوم الآخر اليوم فيه بألف سنة، واليوم فيه بخمسين ألف سنة، هل تقول: لما وكيف؟ لا تقول: لما وكيف، بل تسلم وتستسلم وتقول: الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، ونحن نعجز أن نفهم ذلك وأن ندركه لقصور فينا. فما عندنا إلا التسليم والقبول، لا نعارض ذلك بلما وكيف. أخبرنا الله جل وعلا في كتابه كذلك عن أشياء كثيرة من الغيبيات الماضية والحاضرة والمستقبلة، كل ذلك نؤمن به، لا نقول: لما ولا كيف. من تمام الإيمان بالغيب أن يتم التسليم والقبول، فكذلك يجب في الإيمان بالقدر يتم بالتسليم والقبول، لا يعارض بلما ولا كيف. وليس معنى ذلك أن الإنسان يعطي العقل، لا، بل الحقيقة العقل الصحيح لا يعارض النقل الصريح الصحيح، ليس هناك معارضة، بل العقل يدعو ويستسلم ويقر ويوقن تمام الإيقان أن ما أخبر الله جل وعلا به في أمر القدر وغيره حق، وما أخبر به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمر القدر وغيره حق. بل يستطيع أن يأتي بالشواهد العقلية المؤيدة والمصححة لمعنى القدر. ولله المثل الأعلى، ويضرب العلماء لذلك أمثلة، فمن هذه الأمثلة القريبة -والمراد بها التقريب- أنه لو كان لإنسان عمال يعملون في دكانه وله شريك، فأرادوا أن يختبروا بعض هؤلاء العمال بخبرته أحدهم قال -وهم يريدون أن يختبروا أمانة هؤلاء العمال-: هذا سيفوز في الامتحان وسيظهر لك أنه رجل أمين، وفلان سيخسر في الامتحان وسيظهر لك أنه رجل خائن. اختبار يختبرون أمانتهم وخيانتهم، هل عندهم أمانة أم فيهم خيانة؟ فحصل الاختبار، فوقع بمثل ما أخبر به أحد الشريكين: فلان سلم وظهر أنه أمين، والآخر سقط وتبين أنه خائن. فبلغ ذلك أحد هذين الرجلين وهو الخائن، فقال هذا الخائن حين بلغه ذلك محتجا عليه ألا يلومه: أنت قد قلت بأنني سأفعل كذا وكذا، فلماذا تلومني ولماذا تريد أن تعاقبني؟ هل له الحجة في ذلك؟ الجواب: لا، ما له الحجة في ذلك، بل لو قال ذلك لصار معاندا ومكابرا، وهو في نفس الوقت يستحق العقاب مرتين: يستحق العقاب لأجل خيانته، ويستحق العقاب لمجادلته بالباطل، إذ أنه يحتج بما لا يصح الاحتجاج به. وهكذا لو أن أبا عنده أبناء فأمرهم بأمر وأخبر أمهم أن فلان سيستجيب وفلان سيعصي، فوقع بمثل ما أخبر، فقال أحدهم وهو الذي عصى: أنت قد قلت أنني سأعصي، فلماذا تعاقبني؟ هل صح له ذلك؟ الجواب: لا، بل لو قال مثل هذا لصار متهكما وصار مستهترا، واستحق أن يعاقب مرتين: يعاقب المرة الأولى لأجل خروجه عن طاعته، ويعاقب المرة الثانية لكونه يجادل بالباطل. وهذا الأب وصل إلى هذا بماذا؟ بخبرته وبعلمه الضعيف القصير الصغير، استطاع أن يصل إلى هذه النتيجة. وهكذا كذلك ذاك صاحب الدكان. ولله المثل الأعلى، فلو أن عاصيا من العصاة استدل بالقدر على معصيته لاستحق أن يعاقب مرتين: يعاقب المرة الأولى على معصيته، والمرة الثانية على مجادلته بالباطل واحتجاجه بالقدر فيما لا يصح الاحتجاج به. وهكذا لو تأملنا مباحث الإيمان بالقدر وضربت لها الأمثلة المعقولة لوجدنا أنها لا تخرج عن المعقول أبدا، بل المعقول يثبتها ويثبت كل مبحث من مباحثها. ولكن العلماء يقولون: إذا وقع نوع من العجز فينبغي الإنسان أن يتهم نفسه بأنه قاصر وناقص. وهذا هو قوله رحمه الله تعالى: «ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفي ذلك وأحكم له». الذي ما يستطيع أن يفهم الحديث ويرى أن الأمر صعب عليه وأن عقله ما استوعب ذلك، فقد كفي، وأحكم له الأمر بأن يسلم لما جاء في كتاب الله وعن نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. طيب، نكتفي بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله في درس اللاحق. ونبه إن شاء الله أن الدرس يكمل في درس المغرب، يعني بعد الأذان، لأننا انتهينا من كتاب الصيام. والله أعلم.