شرح أصول السنة 27

شرح أصول السنة 27

الدرس في شرح أصول السنة 27، الدرس السابع والعشرون : ( والجنة والنار مخلوقتان ... ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في إثبات وجود الجنة والنار

يؤكد الإمام أحمد بن حنبل وجود الجنة والنار مستندًا إلى القرآن والأحاديث، ويرد على من ينكر ذلك. يُظهر أن وجودهما ثابت بالدليل الشرعي.

تفاصيل نعيم الجنة وعذاب النار

يشرح المقطع نعيم الجنة وعذاب النار، ويبين أن الجنة للمتقين والنار للكافرين، مستندًا إلى الآيات والأحاديث. كما يفسر رؤية النبي للجنة والنار.

الأدلة القرآنية والنبوية على وجود الجنة والنار

يؤكد النص أن الجنة والنار مخلوقتان حاليًا، مستدلًا بالقرآن وأحاديث النبي. يُظهر أن رؤيا الأنبياء حق وتدل على وجود الجنة والنار.

التأكيد على أهمية تثبيت التفاصيل الشرعية

يؤكد النص على أهمية تثبيت التفاصيل الشرعية للمسلم، ويكتفي بهذا القدر من الشرح، مع الاعتراف بعلم الله الأعظم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «والجنة والنار مخلوقتان، قد خلقتا». ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخلت الجنة فرأيت قصرًا، ورأيت الكوثر، واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها كذا، واطلعت في النار فرأيت كذا وكذا». فمن زعم أنهما لم تُخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار. جعل الإمام أحمد رحمه الله تعالى هذا الفصل كذلك في ذكر أصل من أصول أهل السنة والجماعة، وفيه رد على بعض المبتدعة من العقلانيين وأهل الكلام الذين يكذبون بوجود الجنة والنار. فمنهم من يكذب بها بالمرة، كالفلاسفة وأهل التخيل الذين يزعمون أن هذا إنما هو خيال، ويزعمون أن ذلك إنما هو فقط تشويق للمحسنين للزيادة في إحسانهم، وللمسيئين للتخويف والكف عن إساءتهم. وهذا في الحقيقة دخل عليهم من جهة بعض الملاحدة الكافرين. ولو كان قد قال بذلك بعض من ينتسب للإسلام من الفلاسفة، لكنه شيء دخيل. فأدلة الكتاب والسنة متضافرة ومتواترة بإثبات الجنة والنار ووجودهما حقيقة. بل ليس فقط أنها توجد، بل هي موجودة. وليس هذا في دين الإسلام بل هو في سائر الأديان. فما بعث الله من نبي إلا ودعا قومه لطاعة الله والخوف من معصيته، وتوعدهم بالجنة والنار. وقوله كذلك: «والجنة والنار مخلوقتان» رد على طوائف من أهل الكلام الذين كذلك زعموا أن الجنة والنار غير موجودتان الآن. وعندهم أصول فاسدة إن بنى عليها هذا النفي. زعمهم في ذلك أن هذا يعارض النصوص التي وردت، ويظنونها محكمة، وأن هذا يخالف المحكم. كزعمهم مثلا أن وجود الجنة والنار وذكر من دخل فيها منافي لعمل العاملين، إذ بعض العاملين في الدنيا كما سيأتي في بعض الأحاديث التي أشار إليها رحمه الله. وهذا بالحقيقة يتمشى على أصلهم الفاسد الذي تقدم في القدر. فإن المعتزلة ومن وافقهم من رافضة وشيعة وغير ذلك هم على نفي أدلة القدر. وبذلك هم يظنون أن إثبات مثل هذه الأدلة موجب لمناقضة ومنافاة لإثبات المشيئة والإرادة للعبد. وهذا ليس بصحيح، بل مشيئة الله نافذة، وأمره وعلمه واقع وكائن، وللعبد مشيئة واختيار، ولا منافات بينهما. وأما كون بعض ذلك قد وقع، وبعض أولئك ما زالوا أحياء، أو بعضهم ما زال في قبره، ولم تقم الساعة، فتفسيره كما ذكر غير واحد من أهل العلم: أن تلك الأرواح هي التي تغدو إلى الجنة، فتصور الأرواح بصورة الأجساد. كما بيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه. فإن أهل النار وأهل الجنة ممن توفاهم الله هم في قبورهم، وأرواحهم منتقلة بين تلك القبور إلى الجنة أو إلى النار. وعلى هذا يفسر ما رآه النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة والنار من أحوال أهلهما. وقوله رحمه الله تعالى: «كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخلت الجنة فرأيت قصرًا». يشير رحمه الله إلى الحديث الذي جاء في الصحيحين، إذ ذكر فيه النبي عليه الصلاة والسلام قصة هذا القصر وخبره، وأنه لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وفيه أن الجنة موجودة، وأن كذلك أحوال الجنان لأفراد الناس قد أعدت لأهلها. كتب الله عز وجل في علم الغيب أنه يكون من أهل الجنة، فجنته معدة له. كما قال الله عز وجل: ﴿أعدت للمتقين﴾، فهي ليست تُعد، بل هي جاهزة قد أعدت لكل من خلق، وقد تهيأ للإنصراف إليها. كما أن النار كذلك هي معدة للكافرين والفاجرين. فكذلك إذا توفى الله أهل التقوى، فإن الله عز وجل يذيقهم من نعيمها، أي من نعيم الجنة. وإذا توفى أهل الكفر والفجور، فإنه يذيقهم من عذابها وسمومها. كما قال الله عز وجل: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون أشد العذاب﴾. فإن النار يعرض عليها آل فرعون غدوا وعشيا في الصباح وفي المساء. وهكذا كذلك إذا قامت الساعة، أذاقهم الله أشد العذاب. فإن هذا العذاب قبل ذلك، وهم في البرزخ. إذن الجنة موجودة، وينعم فيها من ينعم، وهو تنعيم الأرواح. والنار موجودة، ويعذب فيها من يعذب، وهو تعذيب الأرواح والأجساد في القبور. وهذا هو تفسير أهل السنة للأدلة، ولا معارضة بين الأدلة وبين واقع أحوال الناس. وهكذا كذلك رؤية الكوثر الذي أشار إليه، هو ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، بما جاء في الصحيح كذلك: «أنه رأى الحوض، وأن عدد آنيته عدد نجوم السماء، وأنه أحلى من العسل وأبيض من اللبن، من شارب منه لا يظمأ بعده أبدا». وغير ذلك من الأحاديث. فقد صح تفسير حوضه عليه الصلاة والسلام أنه الكوثر الذي بشره الله عز وجل به، وأخبر أنه موجود بقوله: ﴿إن أعطيناك الكوثر﴾. إن أعطيناك الكوثر، لا يعطيه شيء غير موجود، بل أعطاه شيء موجود، ورآه النبي عليه الصلاة والسلام. فدل على وجوده، وهذا كذلك من ذاك النعيم الموجود. وهكذا كذلك ما أشار إليه من الحديث الذي بعده: «واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها كذا». يعني يريد أكثر أهلها النساء، كما جاء في صحيح مسلم وغيره: «فإن أكثر أهل الجنة النساء، فإن أكثر أهل النار النساء». وهكذا أكثر أهل الجنة الفقراء. وهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة. وأشار المعلق إلى هذا الحديث عندكم، وهذا الحديث وغيره من الأحاديث يدل على وجود الجنة ووجود النار، وهكذا دخول من يستحق الدخول فيهما. ولا منافات بأن الأجساد في القبور، فإن الدخول لتلك الأجساد التي رآها النبي عليه الصلاة والسلام هو دخول للأرواح، فصورت الأرواح بصورة الأجساد، والله على كل شيء قدير. ومنها جاء كذلك في الصحيح في قصة صلاته عليه الصلاة والسلام في صلاة الكسوف، «فقد أري الجنة والنار حتى تقدم وتأخر عليه الصلاة والسلام وهو في قبلته». وكان مما رأى: «أن امرأة من حمير رآها وعرفها بشكلها ووصفها، وحمير جهة من جهات أهل اليمن أنها دخلت النار في هرة، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض». فحذر النبي عليه الصلاة والسلام أن يصنع الناس مثل صنيعها. وهكذا كذلك ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أري فيه رؤيا في أحوال بعض أهل النار وأحوال بعض أهل الجنة. وكان من ذلك: «أن رأى بعض الزناة وهم في تلك التنانير». وهكذا كذلك ما رأى فيما رأى فيمن يفطر قبل تحلة الصوم، وغير ذلك من الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام. ورؤيا الأنبياء حق، فمنها ما رآه بعينه، ومنها ما رآه في منامه. ورؤيا الأنبياء حق، فكل ذلك حق يدل على وجود الجنة والنار. وكذلك أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى. وقد أشار رحمه الله بهذا إشارات إلى هذه المسألة. ثم قال: «فمن زعم أنهما لم تخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم». لأن القرآن أخبر في آيات كثيرة أن الجنة والنار موجودتان. وقد أخبر أنه سبحانه وتعالى أوجد الجنة، وأن فيها ينعم المنعمون من المتقين في آيات كثيرة. كقوله سبحانه وتعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار﴾. «أعد» دل على وجود هذه الجنة، ليس أنها ستعد، ولكن قد أعدت، فهي قد أعدت. و«أعد» لا يغفى على عاقل أنه يدل على الوجود لا على الإيجاد. وهكذا كذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى﴾. وهذا كله على شيء موجود، حكاية وخبر عن شيء موجود. وهكذا كذلك ما أخبر الله جل وعلا عن بعض أهل النار وأحوالهم. قالوا: ﴿لم نكن من المصلين ولم نكن نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين﴾ إلى آخر الآيات. وهذا كله عن شيء قد وقع. وهكذا كذلك آيات أخرى كثيرة فيها إثبات هذا المعنى. وهكذا قال: «وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك». كالأحاديث التي مرت معنا، وغيرها كثير التي فيها الإخبار بأن الجنة والنار موجودتان. بل وفيها الإخبار بدخول بعض أهلهما فيها ممن توفاهم الله. كما أخبر الله عز وجل عن امرأة فرعون، وهكذا عن مريم ابنة عمران، وعن غيرهم من الأنبياء والصالحين مما ذكرهم بالوصف، وممن ذكرهم بالإسم. وهكذا كذلك ما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الأمة أو من الأمم السابقة. كمريم ابنة عمران، وآسي امرأة فرعون، وهكذا كذلك ماشطة امرأة فرعون، وهكذا بعض أصحاب الأخدود، وغير أولئك ممن أخبر بهم النبي عليه الصلاة والسلام أنهم أكرموا وأدخلوا جنة الله. أو كذلك من عذبوا، فأخبر الله عز وجل بهم بأوصافهم أو بأسمائهم. كفرعون وهامان، وهكذا كذلك قارون، أو كذلك قوم فرعون الذين كانوا معه، وهم يعذبون النار ويعرضون عليها غدوا وعشية. أو كذلك من أخبر الله عنهم من أمة محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب﴾ إلى آخر الآيات. وهكذا كذلك ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام هو كل حق وصدق. فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن أمم ممن تقدم وممن في أمته، فأخبر أن ثابت بن قيس بن شماس من أهل الجنة، وأخبر أنه سمع خشخشة بلال في الجنة، وبلال حي يرزق في الدنيا. فإن ذلك هو من تعجيل النعيم الذي يكون للأرواح. فمن لم يؤمن بجنة ولا بنار، فهذا حال الفلاسفة. كما سمعنا بعض الزنادقة الذين ينفون جنة أو يزعمون يثبتونها، ولكنهم كانوا في نفائس لأنهم مفرقون مع أهل السنة والزنادقة. والجنة والنار -يعني هؤلاء المعزين- مذهبهم ووفقهم في ذلك في الحقيقة كادوا يوافقون أولئك الظلال الذين ينفون إثبات الجنة والنار مطلقا. لأن إثباتهما فيما جاء في الأدلة الشرعية جاء على هذا التفصيل. فالواجب للمسلم المستسلم أن يثبتها على هذا التفصيل. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم.