شرح أصول السنة 26

شرح أصول السنة 26

الدرس في شرح أصول السنة 26، الدرس السادس والعشرون : ( والنفاق هو الكفر أن يكفر بالله ويعبد غيره ... ولا نردها إلا بأحق منها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تعريف النفاق والكفر

يشرح الشيخ مفهوم النفاق والكفر وأنواعهما مستندا إلى أقوال الإمام أحمد وأحاديث النبي. يُفرق بين النفاق الأكبر والأصغر والكفر الأكبر والأصغر.

صفات المنافقين ودلالات النفاق في القرآن والسنة

يتناول صفات المنافقين ودلالات النفاق مستشهدا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يوضح أن النفاق موجود في كل زمان ومكان ويتمثل في كذب وغدر وخيانة المنافقين.

تفصيل الكفر والنفاق وتفسير النصوص الشرعية

يشرح مفهوم الكفر والنفاق في الإسلام ويبين أن ليس كل ما ورد في النصوص على أنه كفر أو نفاق يخرج من الملة. يتناول آراء أهل العلم في تفسير هذه النصوص وتأثيرها على الإيمان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: «قال: والنفاق هو الكفر، أن يكفر بالله ويعبد غيره، ويظهر الإسلام في العلانية، مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال: «وقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه فهو منافق" هذا على التغليب، نرويها كما جاءت ولا نفسرها». وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا، ظلالا يضرب بعضكم رقاب بعض». ومثل: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». ومثل: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». ومثل: «من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما». ومثل: «كفر بالله تبرؤ من نسب»، «تبرؤ من نسب، تبرؤ من نسب وإن دقى». ونحو هذه الأحاديث مما قد صح وحفظ، فإن نسلم له، وإن لم نعلم تفسيرها، ولا نتكلم فيها، ولا نجادل فيها، ولا نفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت، لا نردها إلا بأحق منها. أورد رحمه الله تعالى هذا الموضع ليشير إلى أصل آخر من أصول أهل السنة، وهو في الكلام على النفاق والكفر، وأنه نفاقان: نفاق أكبر، ونفاق أصغر، وكفر أكبر، وكفر أصغر، وكله يسمى نفاقا، وكله يسمى كفرا على ظاهره. ومناسبة إيراد هذا الأصل أنه لما ذكر بعض مسائل الوعيدية، ناسب أن يذكر رحمه الله تعالى شيئا مما قد يستدلون به، وهو عند أهل السنة والجماعة على هذا المعنى وهذا الأصل، وهو أنهم يفرقون بين ما هو نفاق وكفر أكبر، وبين ما هو نفاق وكفر أصغر، فليس ما قيل فيه كفر فهو يخرج من الإسلام، وليس ما قيل فيه نفاق فهو يخرج من الإسلام؛ لأن الأدلة الشرعية فرقت في ذلك. وقوله رحمه الله: «النفاق هو الكفر» إلى آخره، يشير إلى هذا المعنى، أن من النفاق ما هو نفاق أكبر، كنفاق المنافقين الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يخفون الكفر ويظهرون الإسلام، ويفعله بعض الناس إما خوفا من سطوة الإسلام، وإما كذلك طمعا في الوصول إلى الطعن في أهل الإسلام، حِسًّا أو معنى، حِسًّا أو معنى، كحال بعض المنافقين في كل زمان ومكان، يدخلون في الإسلام ليطعنوا فيه ويشوهوه بفعالهم وأقوالهم. فإذا كان كذلك، فإذا نعلم أن النفاق نفاقان: نفاق أكبر، وهو ما كان عند صاحبه عدم رضا بالإسلام، ورضا وحب لشيء من الكفر، ولو صلى ولو صام ولو فعل ما فعل. وليس هذا خاصا بمن كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، بل هو مع أصحابه، ومن وصف به في كل زمان ومكان. وأصحابه هم أصحابه، إن كان وجد فيهم صفات المنافقين التي ذكرها الله جل وعلا، والتي توعدهم بها بالدرك الأسفل من النار: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾. من صفاتهم أنهم لا يرضون عن الإسلام جملة وتفصيلا، ليس عندهم رضا عن الإسلام، وهذا كفر؛ فإنه لا يتم إسلام مسلم حتى يرضى بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا. مثل ما قد يحصل في بعض بلاد المسلمين اليوم من اشتراكي أو شوعي أو جهودي أو نصراني لدنيا، يظهر الإسلام، ربما يدخل في مساجد المسلمين ويصلي، ولمنصب وكرسي، ولغرض أو آخر، ربما كذلك يعلن أنه مسلم وأنه مع المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، لكن هو في قرارة نفسه غير راض عن الإسلام، يرى أن أحكام الإسلام غير صحيحة، إما بزعمه أن فيها وحشية أو أنها لا تصلح لهذا العصر، أو إذا كان عنده لوثة من لوثات اليهود والنصارى، يزعم أن نبينا عليه الصلاة والسلام ليس أحق بالرسالة، وإن لم يصرح بلسانه، علم ذلك من لحن قوله. وصدق الله إذ يقول: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾. لحن قولهم يميز حال هؤلاء بكلمات وشعارات وصفات يتصفون وينادون بها في وسائل الإعلام المتنوعة: المقروءة أو المسموعة أو المرئية أو غير ذلك. تارة يطعنون في الحجاب، وتارة يطعنون في حكم المرأة في الإسلام، وتارة يقعدون في حكم الميراث، وتارة يطعنون ويهمزون ببعض المشتبه من القرآن، وتارة يهمزون ويطعنون ببعض المشتبه من السنة، وتارة يزعمون أن هذا لا يأتي مع العقل، وتارة كذلك ربما والعياذ بالله يطعنون بالنبي عليه الصلاة والسلام، بل ربما والعياذ بالله وصل ببعض العلمانيين والمُلحدين الذين يظهرون الإسلام أنهم يطعنون بوجود الله سبحانه وتعالى، من بث النظريات الكفرية: نظرية داروين ونحوها من النظريات، وهم يزعمون أنهم من المسلمين ويصلون الصلوات ويصومون، ولكنهم في الحقيقة في قلوبهم عدم رضا بالإسلام، فهؤلاء أهل النفاق. فليس النفاق الأكبر منحصر لزمن النبي عليه الصلاة والسلام، بل هو مع كل من وجد فيه هذا الوصف. وهكذا كذلك في قوله رحمه الله: «مثل المنافقين»، إشارة وتأكيد إلى أن النفاق غير منحصر بما كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فما ذاك إلا مثال، وإلا فالذين يدخلون في الإسلام نفاقا كثر، لا كثرهم الله، كثر، لا كثرهم الله، يأتون في كل زمان ومكان، يبتل الله عز وجل بهم أهل الحق. وقوله بعد ذلك: «وقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه فهو منافق" إلى آخره»، إشارة إلى عدد من الأحاديث، بعضها في الصحيح، إما في الصحيحين وإما في صحيح مسلم، وبعضها خارج الصحيح، وكلها أحاديث صحيحة، إن لم يكن بلفظها كان بمعناها. وهو يشير بهذه الأحاديث إلى المعنى الثاني من معنى النفاق والكفر، وهو الذي هو كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وسمي كفرا ونفاقا لأنه من خصال الكافرين والمنافقين: «ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق». هذه صفات المنافقين: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أتمن خان. وجاءت زيادة في حديث ابن عمر: «إذا خاصم فجر»، كذلك، فكلها من صفات المنافقين. المسلم لا يفعل ذلك، المؤمن ليس خلقه كذلك، إذن هذا عنده خصلة من خصال النفاق؛ لأنه وافق المنافقين ببعض أفعالهم وبعض صفاتهم. فهذه من صفات المنافقين، فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق». وهكذا الحديث الآخر: «لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض»، فالمقصود هل الكفر الأكبر؟ الجواب: لا، كفر دون كفر؛ لأن الله عز وجل سمى المتقاتلين إخوة، إخوة، فقال سبحانه: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾، سماهم إخوة من المؤمنين، ومع ذلك اقتتلوا، فإذا كان كذلك، إذن هو كفر دون كفر. وينبغي للمنصف أن يفسر الأدلة الشرعية بعضها ببعض، لا أن ينظر بعين عوراء؛ فإن هذا يوجب له الجحوف، الإجحاف والظلم وعدم العدل مع ما فيه كذلك من النقص. فإن المنصف لابد عليه أن يأخذ الأدلة بمجموع ما ورد فيها. وهكذا كذلك ما بعده من الأدلة، كلها فيها هذا المعنى، أن هذه الصفات من صفات أهل الكفر، من أهل الجاهلية، أو قتال، وهكذا كذلك التبرؤ من الأنساب، أو الطعن فيها، أو كذلك التهمة بالكفر، فأهل الإيمان والإسلام ليس هذا من أخلاقهم ولا من صفاتهم. وأما قوله رحمه الله: «ونحو هذه الأحاديث» إلى آخره، إشارة منه أولا إلى أن هذا الباب غير منحصر بهذه الأحاديث، بل هناك أحاديث أخرى كثيرة فيها هذا المعنى، فيقال فيها ما قيل في هذا الموطن، أي أنه كفر دون كفر. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، كما قال ابن عباس: أن المقصود منها كفر دون كفر، يعني في حق المسلم، وهي في حق الكافر كفر أكبر، كما جاء عن بعض أهل العلم في التفصيل في ذلك. فالمهم ينبغي أن يعلم المسلم أن ما سمي كفرا ليس كله كفرا مخرجا من دين الإسلام، وما سمي نفاقا في الأدلة الشرعية ليس كله نفاقا يخرج من دين الإسلام، حتى لا يقع فيما وقعت فيه الوعيدية. ثم قوله كذلك: «مما قد صح وحفظ»، لأن بعض ما ورد في هذا الباب لم يصح، أو أن ظاهره الصحة وفيه علة، ولهذا قيده بقوله: «صح وحفظ». وقوله: «فإن نسلم له» إلى آخره، أي أن الواجب على من كان يريد الاستقامة والطريقة السوية التسليم لما ورد في هذا الباب، وإن لم يعلم لها تفسير، وإن لم يعلم لها تفسير، يعني لا يلزم أن يقول: هذا كفر دون كفر، أو يقول: هذا كفر أصغر، بل يقول: كفر، خالص، لكن لا يخرج صاحبه من الإسلام، ولا يقتضي به الخلود في النار، لا، بل هي على ظاهرها. وهذا مذهب لبعض أهل العلم، منهم الإمام أحمد، وسفيان الثوري، وجماعة، كانوا يذهبون إلى أن ما ورد من الأدلة مما ظاهره الكفر أو نزع الإيمان أنه على ظاهره، لا يتأول بشيء. فكانوا يكرهون أن يفسر بلفظ، وهذا من شدة احتياطهم؛ لأنهم يرون أنها ربما تفسر بمعنى ولفظ يكون فيه تقصير عن المقصود، فرأوا الأسلم البقاء على ظاهر اللفظ مع الجزم بأنه لا يقصد به الكفر الأكبر، فلا يزيدون على قراءة هذه الأدلة. فيقال لهم: ما تقولون في قتال المسلم؟ «كفر»، وسبابه «فسوق»؟ يقولون: «قتاله كفر»، تقولون: «كفر أصغر» على مذهبهم؟ يقولون: لا، ما نقول أصغر، إذن هو كفر أكبر؟ يقولون: لا، ليس هو بالكفر الذي يخرج من الإسلام، ولا الذي يخلد بالنار، إذن ما هو؟ يقولون: لا نزيد على أن نقول: «كفر» فقط. لماذا احتاطوا رحمهم الله؟ حتى لا يقصروا في المعنى المقصود من هذه الأدلة. وذهب جمهور أهل العلم على خلاف ذلك، والخلاف يكاد يكون لفظيا؛ لأنهم في النهاية متفقون أنه ليس هو الكفر الأكبر، لكن فسروا هذا الكفر بأنه كفر أصغر، بأنه كفر دون كفر، بأنه كفر غير مخرج من دين الإسلام، ونحوها من التفسيرات. وإذن قوله: «وإن لم نعلم تفسيرها»، على مذهب الإمام أحمد والثوري ممن يقف على اللفظ ولا يرتضي الخروج عن ظاهر اللفظ. وقوله: «ولا نتكلم فيها ولا نجادل فيها»، يعني لا نتكلم بتفسير، فنخرج عن ظاهر اللفظ، ولا نتكلم بكلام باطل يقتضي منافاة، منافاة حقيقة ما دلت عليه الأدلة، فلا يزعمون أن معناها الكفر المخرج من دين الإسلام أبدا. «ولا نجادل فيها» يعني جدال يخرج عن الحق، أو يوقع في تفسير، وهم لا يرون الخوض في تفسير. «ولا نفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت»، كما قلنا هذا على مذهب الإمام أحمد والثوري وجماعة من أنهم يرون عدم الخروج عن ظاهر هذا اللفظ. وجمهور أهل العلم يفسرونها، وتفسيرهم ليس بباطل، بل بالجملة حق، وهو النهاية التي ينتهي إليها مآل فهم هذه الأحاديث، أنه ليس كفر أكبر مخرج من دين الإسلام، فإذن من فسرها ليس بمبتدع، ولا خرج عن طريق السنة، ولكنه أوضح معنى هذه الأحاديث. وقوله: «لا نردها إلا بأحق منها»، يعني إذا ورد شيء يفسر، فإذن نرجع إلى تفسيرها. فمثلا: «لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن»، إذن نفى عنه الإيمان، فإذا صح الحديث: «أن الإيمان يرفع فوقه فوق الضلة»، فإذن هنا على مذهب الإيمان أحمد، يلزم أن يذهب من ظاهر هذا اللفظ والبقاء عليه إلى غيره مما جاء فيه التفسير: «أن الإيمان يرفع فوقه كالضلة»، على القول بصحة هذه الزيادة، فأصحها شيخ العلامة الألباني، رحمه الله تعالى. فإذن القلاصة: ليس كل ما قيل فيه نفاق أو قيل فيه كفر فهو يخرج من دين الإسلام، مع أن أهل السنة اختلفوا في تفسير، في التفسير وعدم التفسير لهذه النصوص، ولم يختلفوا في أن نهايتها أنها ليست هي الكفر الأكبر، ولا النفاق الأكبر. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.