شرح أصول السنة للرازيين 14

شرح أصول السنة للرازيين 14

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 14، الدرس الرابع عشر:من( والبعث بعد الموت حق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أصول الإيمان والبعث بعد الموت

الإيمان بالبعث بعد الموت هو أحد أصول الإيمان، وقد دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. يُعد البعث بعد الموت حقيقة وليس تخييلاً.

تفاصيل يوم القيامة وأحوال الناس

يوم القيامة يحاسب الناس بحسب أعمالهم، ويجازون بأفعالهم، ويمرون على الصراط. يتفاوت الناس في منازلهم في الجنة بحسب أعمالهم.

عقيدة أهل السنة في أهل الكبائر

أهل السنة لا يكفرون أهل القبلة بذنوبهم ما داموا يؤدون الصلاة، والإيمان ينقص بفعل المعاصي. يحذر من التفريط في الأعمال الصالحة.

خاتمة وتأكيد على النقاط الرئيسية

تم تلخيص النقاط الرئيسية في المبحث، مع الإشارة إلى أن الله تعالى أعلم. يمثل نهاية المبحث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. في معتقدهما: البعث بعد الموت حق. وهكذا كذلك مما أدرك عليه علماء الأمصار، ومما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة: الإيمان بالبعث بعد الموت أنه حق. وقد دلت أدلة كثيرة من الكتاب والسنة على هذا الأصل من أصول الإيمان، بل هو معنى من معاني الركن الخامس من أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. البعث بعد الموت كذلك نص عليه العلماء في كتب العقائد الصغار والكبار، وجعل له مباحث في كتبهم. ويذكر أحيانا بمسمى الإيمان بالبعث، وأحيانا يدخل هذا تحت الإيمان باليوم الآخر وما يلحق به من مباحث. وكما قلنا: الإيمان بالبعث، ومنه الإيمان بالبعث قد دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب، ومن السنة. من هذه الأدلة قول الله عز وجل: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فجعل من أعظم صفات أهل الإيمان: الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والذي منه الإيمان بالبعث، إذ كذب به المشركون، وكذب به كذلك بعدهم بعض من ضل من الفلاسفة وغيرهم، ولو انتسبوا إلى الإسلام، فربما لم يجحدوه صريحا، ولكنهم حرفوه وصرفوه عن المعاني الحقيقية التي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فقولهما -رحمهما الله-: "البعث بعد الموت حق"، يعني أولا: أنه من أصول الإيمان، كما دلت عليه الأدلة، وتواتر عن سلف الأمة، ونقله علماء الأمصار. وأنه كذلك حق، أي: على الحقيقة، أي: أنه على الحقيقة، ليس هو بتخييل كما زعمه بعض الفلاسفة ومن تبعهم في ذلك من العقلانية، بل هو حقيقة، كل ما ذكر على حقيقته، وإن لم نعهد له مثالا أي في بعض ما ذكر في الدنيا. فأمر الآخرة ليس كأمر الدنيا، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. وما أكثر الأشياء التي يحيل العقل ثبوتها في أول الأمر، فإذا وجدت عنده بالحس والمشاهدة والتجربة، فإنه يدعن ويخضع بها. فصار دليل الحس أقوى من دليل العقل. ومما يذكر بهذا المبحث وتفاصيل هذا الأصل، وهذا الركن من أركان الإيمان، وهو الركن الخامس: كثيرة، لكن مما يذكر على وجه الاختصار: الإيمان بالموت، وأنه حق، وما يلحق به من أحوال. فالله عز وجل أخبرنا أنه يتوفى الأنفس عند نومها، وما قضى عليها الموت، فإنه يكون موتها. فالوفاة وفاتان: وفاة أو توفي أصغر، وهو ما يكون عند المنام، وهو بذهاب الروح ثم رجوعها، وتوفي أكبر، وهو الذي يكون به الموت، وهو أول منازل يوم القيامة، وهو أول منازل اليوم الآخر. وقد ثبت بالصحيح من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن قوما من الأعراب سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة وعن القيامة، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن نظر إلى أصغرهم قال: «إن يمت هذا تقم قيامتكم»، فمن مات فقد قامت قيامته. فأول منازل اليوم الآخر هو الموت. وفي حديث البراء في مسند الإمام أحمد وغيره: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأحوال الموت، وكيف يكون حال قبض روح المؤمن والبر، وكيف يكون حال قبض روح الكافر والفاجر. فإن أحوال الناس بحسب أعمالهم في الدنيا تقبض أرواحهم، ويكون كذلك حالهم في الدنيا، ثم في القبر، ثم بعد ذلك بعد البعث، حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. فمن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالموت، وما يلحق به من مواقف. ومن ذلك: أن منهم من يكرم، كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ممن كان من أهل الإيمان والبر. ومنهم من يهان ويعذب، ممن كان من أهل الكفر والفجور، وذلك عند التوفي. فتوفي نفوس أهل الإيمان والبر ليس كتوفي نفوس أهل الكفر والفجور. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البراء وغيره: أن نفوس أهل الإيمان والبر تخرج كخروج القطرة من في السقاء، يعني في النعومة والليونة، وما يكون من الرفق بهذه الروح. وأما روح الكافر والفاجر، فتخرج كما يخرج الشوك من السفود، أي: من الصوف، فتنتزع نزعا بما يوجب تمزق ذاك الجسد، كتمزق شعيرات الصوف بخروج الشوك منه. وهكذا كذلك أخبرنا ربنا جل وعلا: أن الملائكة تتوفى أهل الكفر بالضرب بهم. وأما أهل الإيمان، فإنهم يتوفون بالإكرام. وهكذا كذلك يكون الحال حتى يدخل هذا الميت إلى القبر، فعند ذلك يأتيه من يسأله من الملائكة، ويكون الجواب بحسب الأعمال، لا بتعليم من يعلمه، ولا تلقين من يلقنه، ولكن بحسب أعمال المرء في الدنيا. فمن أحسن في عمله في الدنيا أحسن في الجواب. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أنه يسأل في حديث أسماء وغيرها عن دينه، وعن ربه، وعن نبيه. والجواب إنما يكون بحسب أعمال بني آدم. وهكذا يفتح له فيرى منزله في الآخرة، إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران. ثم تكون روحه بين جسده ومكانها: إما في الجنة، وإما في النار، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث البراء وغيره. وهكذا حتى يبعث الله عز وجل هذه الأجساد، حين يتوفى الأنفس جميعا، وذلك بما يكون من النفخ في الصور، على ما جاء تفصيله في الكتاب والسنة. ثم بعد ذلك يكون بعث الناس، ويبعث الناس كذلك بحسب أعمالهم. فالناس يبعثون في صعيد واحد، والشمس تدن منهم قدر ميل، حتى شك الراوي: هل هذا القرب ميل المسافة، أو ميل المكحلة؟ فيتصبب الناس عرقا، وكل يغمر بعرقه بحسب عمله. فمنهم من يصل عرقه إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم إلى ثدييه، ومنهم إلى أذنيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما. والله عز وجل على كل شيء قدير، هم في أرض واحدة ومستوية، ومع ذلك يتفاوتون في هذا العرق بتفاوت أعمالهم في الدنيا. وهكذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أمور كثيرة تكون في البعث. وهكذا بعد ذلك مصير الناس حين يردون على الحوض، وقد مر معنا الكلام على الحوض. ثم المرور بالميزان، وعندها توزن الأجساد والأعمال، ومر معنا الكلام على ذلك. ومنها: من الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالبعث، وما يلحق به: الإيمان بالمرور على الصراط. وأن الناس يمرون عليه بحسب أعمالهم. فمنهم من يمر كالريح والبرق، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يعد عدوا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يكردس في نار جهنم، والعياذ بالله، وكل ذلك بحسب أعمال بني آدم. وهكذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أهوال وأحوال تكون في ذلك اليوم العظيم: يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. وهكذا ما يكون بعد ذلك من دخول أهل النار النار، وهم بحسب أعمالهم يعذبون. فالكفار والمنافقون والمشركون هم خالدون فيها أبدا. والفجار بحسب فجورهم يعذبون بقدر ما كان منهم من فجور، إن استحقوا النار، وإلا فالله عز وجل يغفر لمن يشاء سبحانه وتعالى. ثم يخرجون ممن دخل من أهل التوحيد فيها بعد أن يعذبوا بقدر أعمالهم، فيرمون في نهر يقال له نهر الحياة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما. ثم بعد ذلك يدخلون إلى الجنة. وفي أثناء ذلك تكون الشفاعات على ما سبقت الإشارة إليه. ثم يكون الاستفتاح في الجنة، ويدخل أهل الجنة الجنة، وأول من يدخل محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته، وأول من يدخل من أمته الفقراء، فإنهم يدخلون قبل الأغنياء بخمسمائة عام، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويوما عند ربك كخمسين ألف سنة ممن عد من أيام الدنيا. ثم بعد ذلك ينزل الناس منازلهم في الجنة بحسب أعمالهم كذلك. وما بين المنزلة والمنزلة كما بين السماء والكوكب الدري الغابر في السماء، حتى أن الناس في منازلهم ينظر بعضهم إلى بعض كما ينظر الواحد منا إلى الكوكب الدري الغابر في السماء. وهذا بحسب أعمال الناس يوم القيامة. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن للجنة أكثر من مئة منزل، فهم ينزلون منازلهم بحسب أعمالهم فيها. والنبيون والصديقون والشهداء لهم الدرجات العليا يوم القيامة. وهكذا قال -رحمهم الله تعالى-: "وأهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل، ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم، ونكلة سرائرهم إلى الله عز وجل". وهكذا مما أدرك عليه علماء الأمصار، ودلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وكانت عليه كلمة سلف الأمة: أن أهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل، يعني تحت المشيئة، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم. وقد تواترت كتب العقائد الكبار والصغار بذكر هذه المسألة، لما وقع من مخالفة من قبل بعض أهل الأهواء من الوعيدية، الذين غلبوا أدلة الوعيد، فجعلوا الفاسق الملي في النار، وربما حكموا عليه بالكفر، أو نزلوه منزلة بين منزلتين، على ما هو مشهور من قولي الخوارج والمعتزلة. وتحت هذا كذلك تفاصيل. فأدلة الكتاب والسنة دلت: أن أهل الكبائر تحت المشيئة، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ومما يدل عليه كذلك أدلة كثيرة من السنة. ومن هذه الأدلة: ما جاء في حديث أبي هريرة وغيره في ذكر حال المفرطين في الزكاة، حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: أنهم يعذبون يوم القيامة قبل أن يقضى في مصيرهم. فأهل الإبل بإبلهم، وأهل البقر ببقرهم، وأهل الغنم بغنمهم، وأهل الذهب والفضة بذهبهم وبفضتهم، تكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم. وهكذا كذلك أهل غير ذلك، كل أهل مال بحسب ماله. قال النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: «ثم يقضى في مصيرهم»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، يعني: أنهم يقضى لهم في جنة أو نار. فهذا في حق بعض أهل الكبائر، وفي من فرط في أعظم ما يكون من الكبائر، أو من أعظم ما يكون، وهو في أمر الزكاة. وهكذا كذلك من دونهم. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أن بغيا من بغايا بني إسرائيل دخلت الجنة في كلب سقته شربة ماء. فالله عز وجل، وهو الغفور الرحيم سبحانه، قد يغفر لبعض أهل الكبائر، بما يكون من صدق وإخلاص، وهكذا كذلك عمل صالح يكون عند بعضهم. ولهذا فإن أهل الإيمان، وإن وقعت منهم كبائر، فهم تحت المشيئة، إن شاء الله عز وجل تجاوز عنهم بفضله وعظيم رحمته ومنته، وإن شاء عذبهم بعدله سبحانه وتعالى وحكمته، وهو على كل شيء قدير سبحانه وتعالى. وهكذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومما كان عليه علماء الأنصار: أنهم لا يكفرون أهل القبلة بذنوبهم. فالعبد لا يكفر بذنبه، ما دام من أهل القبلة، أي: من أهل الصلاة. وتناول هذا معنيين: المعنى الأول: أن تارك الصلاة كافر، في نص علماء الأمصار، وقد دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، فمفهومه: أن من لم يقم الصلاة فهو ليس بأخ لنا. وهكذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم: كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة». وقال عليه الصلاة والسلام: كما في مسند الإمام أحمد وبعض السنن من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة -رضي الله عنه- قال عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وقال عبد الله بن شقيق -رحمه الله-: ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. وهذا يدل على أن تارك الصلاة كافر. ولهذا قالوا -أو قالوا نقلا عن غيرهم من علماء الأمصار-: "ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم". فمن كان من أهل القبلة، أي: من أهل الصلاة، لو أذنب ما أذنب من الذنوب، ما لم يكن شركا وكفرا، فإنه لا يكفر، بل هو مؤمن ناقص الإيمان. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فمن استكمل خصال الإيمان كمل إيمانه، ومن نقصت فيه خصال الإيمان نقص إيمانه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها وهو مؤمن». وليس هذا نفيا للإيمان من أصله، ولكن نفيا لكمال الإيمان، على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. ولأهل العلم تفاسير أخرى، كلها لا تخرج فاعل هذه الكبائر من مسمى الإيمان، بل هو مؤمن، لكنه ناقص الإيمان. أو أن إيمانه في وقت معصيته وكبيرته ارتفع فوقه، كالضلة، فيكون كعقل النائم والسكران. وهكذا كذلك أهل السنة بهذا الباب وسط بين المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، وقد دلت الأدلة -كما سمعنا- أنه يضر مع الإيمان معصية. وبين الوعيدية الذين يقولون: لا يجتمع إيمان وكبيرة، فكلا الطائفتين على ضلال وخطأ، وقول أهل السنة هو القول الحق الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فقولهم -رحمهم الله-: "ونكل سرائرهم إلى الله عز وجل". ومعنى نكل سرائرهم إلى الله عز وجل: سواء من أبطن نفاقا، فالله أعلم به، ما دام أظهر لنا الإيمان والإسلام، فلنا هذا الظاهر، وأما الباطن فهو إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك نكل السرائر إلى الله: يعني مما يكون عليه مصيرهم في الدنيا وفي الآخرة. فنحن في الدنيا نعاملهم معاملة أهل الإيمان والإسلام، وأمرهم إلى الله سبحانه وتعالى. ليس لأهل الإيمان إلا ما ظهر من أعمال الناس، فمن كان من أهل القبلة، ولو كان مذنبا، فله الظاهر. وهذا أحد المعنيين في هذا المقام. وقولهما -رحمهم الله-: "إلى الله عز وجل"، في أن هذا الباب لا يجوز لأحد أن يخوض فيه. وأما ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم شهداء الله في أرضه»، يعني بغلبة الظن، وبما يرجى من حسن بشرى المؤمن، وعاجل بشرى أن يثنى عليه في الدنيا، فيكون ذلك رجاء حسنا له بحسن العاقبة في الآخرة. والعكس: أن يذكر بسوء في الدنيا، مما يخاف عليه. فعقيدة أهل السنة: أنهم يخافون على المسيء، ويرجون للمحسن، يرجون للمحسن بإحسانه، ويخافون على المسيء بإساءته، ولكنهم لا يجزمون لمحسن، ولا يجزمون لمسيء. هذا خلاصة ما يذكر في هذا المبحث على وجه الاختصار. وإلى هنا والله تعالى أعلم.