الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 3، الدرس الثالث:من( والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
مذهب السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، ونقل العديد من العلماء هذا المعتقد. استمر هذا النقل عبر التاريخ في كتب ومؤلفات مختلفة.
نقل العديد من العلماء إجماع السلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وتم التأكيد على صحة هذا المعتقد بأدلة من الكتاب والسنة ونقل الصحابة والتابعين.
استدل الكاتب على أن القرآن كلام الله غير مخلوق بأدلة من القرآن والسنة، وفصل بين القراءة كفعل مخلوق والقرآن ككلام الله غير مخلوق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الرازيان، رحمهم الله تعالى: مما ذكراه مما أدرك العلماء في جميع الأمصار، حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبهم، قال رحمهم الله: «والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته». وهذا كذلك مما نقلاه رحمهم الله عن من أدرك من العلماء في جميع الأمصار، فكان من مذهبهم أن القرآن كلام الله. ولولا طول المقام بذكر أسماء هؤلاء العلماء، وبما يكون فيه من المشقة، لذكر؛ لكن بما مضى ممن ذكر أسماءهم في مسألة الإيمان، فيه إشارة إلى غيره، وتصديق ما يذكرونه، وذكره غيرهم رحمهم الله تعالى جميعًا في مثل هذه المسائل في الاعتقاد؛ فإنهم لا يقولون إلا حقًا وصدقًا. ولكن حسبنا في هذا المقام أن نتذاكر في بعض الكتب التي فيها ما أشارا إليه من كلام أهل العلم في هذه المسألة. فقد ذكر الغزالي، رحمه الله تعالى، في كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد»، في الجزء الأول، قال رحمه الله: «وقال كافة السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق». وهكذا كذلك ذكر أبو بكر الإسماعيلي، رحمه الله تعالى، عن إمة أهل الحديث: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه كيفما يصرف بقراءة القارئ، بلفظه له، أو محفوظًا في الصدور، أو مثلوا بالألسن، ومكتوبًا في المصاحف، كل ذلك غير مخلوق. ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن، يريد به القرآن، فقد قال بخلق القرآن. ذكر هذا رحمه الله في كتابه «اعتقاد إمة الحديث»، وربما سمي «اعتقاد أهل السنة وشرح أصحاب الحديث». ولاحظ قوله رحمه الله: «كيفما صرف بقراءة القارئ أو بحفظه أو بكتابته»، فهذا معنى ما ذكراه، أي الرازيان، في قولهما: «والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته». فمعنى «بجميع جهاته» أي كيفما كان، فهو كلام الله، سواء أتلى بالألسن، أو كتب بالأحبار على الأوراق، أو حفظ في الصدور، أو سمع بالآذان، أو كذلك تخيل في الفكر والأذهان، كل ذلك كلام الله؛ لأن الكلام يرجع إلى من قاله ابتداءً، كقولك: «إنما الأعمال بالنيات»، هو قول النبي عليه الصلاة والسلام، لو قاله زيد أو عمر أو خالد، لا يخرج ذلك عن كونه قول النبي عليه الصلاة والسلام. فكذلك القرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، أي كيفما صرف، وكيفما لفظ أو كتب، فهو كلام الله؛ لأنه يرجع إلى من قاله ابتداءً. وهكذا ممن ذكر كلام الصحابة والتابعين ومن تبعهم: أن لا يرحمه الله في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، في مواضع عدة، نقل أن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدى وإليه يعود. ومن قال غير هذا، فقد كثر نقله عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر وابن مسعود، وجماعة كبيرة من التابعين سماهم، وأتباع التابعين يشق حصرهم، ولكن يرجع إليه في موضعه. ومن من ذكر كذلك، وعدد الدارمي، رحمه الله، في رده على الجهمية، في الجزء الأول، فقد نقله عن جماعة. وهكذا في نقضه على المريسي. ومن هؤلاء كذلك عبد الله بن أحمد في كتاب «السنة». وهكذا كذلك الخلال في كتاب «السنة». عبد الله بن أحمد، في الجزء الأول من كتاب «السنة»، نقله عن جماعة. وهكذا الخلال كذلك نقله عن جماعة. وابن بطل عكبري، رحمه الله، نقله في «الإبانة الكبرى» عن جماعة، وفي مواضع من كتابه «الإبانة الكبرى» في الجزء الأول والثاني والثالث ومواضع. وهكذا كذلك نقل نحوه في «الإبانة الصغرى». وهكذا كذلك نقل نحو ذلك أبو أحمد الحاكم في كتابه «شعار أصحاب الحديث» عن جماعة: أن القرآن كلام الله غير مخلوق. وممن نقل هذا كذلك الحسن بن علي بن نصر الطوسي في كتابه «مختصر الأحكام المستخرج» له على جامع الأحكام، فقد ذكره عن جماعة من إمة هذا الشأن، ومن علماء الأمة. وهكذا كذلك من هؤلاء أبو الحسن الأشعري في كتابه «الإبانة» وفي كتابه «مقالات الإسلاميين». ومن هؤلاء كذلك ابن عساكر، رحمه الله، في كتابه «تبيين كذب المفتري». ومن هؤلاء كذلك الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل» في الجزء الأول منه، فقد نقله عن جماعة: أي أن القرآن كلام الله غير مخلوق. ومن هؤلاء ابن الجوزي، رحمه الله، عبد الرحمن، في كتابه «تلبيس إبليس». وهكذا عدد لا يحصون ذكرهم شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في مواضع من كتبه، كـ«منهاج السنة». وهكذا كذلك في «مجموع الفتاوى» ومواضع أخرى كثيرة. وتلميذه ابن القيم، رحمه الله، في مواضع من كتبه، ومن ذلك كتابه «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية»، فقد نقل عن جماعة، وذكر منهم ابن المديني وجماعة كثر. وهكذا كذلك تتابع العلماء في نقل ذلك من قبل ومن بعد، ومنهم من ذكر نحو ذلك في نظم، ومنهم من ذكره في شرح، كما فعل ابن أبي داود، رحمه الله، في نظمه، فقد أشار إلى ذلك فيه. وهكذا لا يزال العلماء ينقلون نحو ذلك، كما نقل كذلك المعلمي، رحمه الله، في «التنكيل» في رده على الكوثري، ونحوه في كتابه «القائد للعقائد». ونقل نحوه كذلك صاحب «التحفة المدنية» حمد بن ناصر المعمر. وهكذا الحكمي، رحمه الله، في «معارج القبول»، وغيرهم كثر ممن نقلوا مثل هذه النقولات عن أهل العلم ممن سبق ولحق. ويناسب في هذا المقام أن يذكر تنبيه نبه به شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: أنه روي مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمر، ونسب إلى الإمام أحمد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدى وإليه يعود». وهذا كذب لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من عدل وإنصاف أهل السنة: أنهم يردون الكذب ويثبتون الحق؛ فهو حق من جهة معنى دلت عليه دلالة الكتاب والسنة، ونقل عن جماعة من الصحابة والتابعين، كما ذكر شيخ الإسلام وغيره من الإمام، كما سبق. ولكنه لم يصح مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يعني أنه لم يصح مرفوعًا أنه كلام ليس بصحيح، بل هو صحيح نقل عن الصحابة وعن التابعين وأتباع التابعين وجماعة لا يعدون كثرة من أهل العلم. وأما قوله: «والقرآن كلام الله»، فقد دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة. فمن أدلة الكتاب على وجه الاختصار، قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فسماه الله عز وجل القرآن كلام الله، وهو كذلك كلام الله نزل من عنده، كما قال جل وعلا: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. وهو كذلك غير مخلوق، ودل على ذلك كذلك أدلة الكتاب والسنة، كما دل على الأول: أنه كلام الله، أدلة الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب ما سمعنا. ومن أدلة السنة قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لأبلغ كلام ربي»، وسمى القرآن كلام الله. وقوله: «غير مخلوق»، دل عليه كذلك دليل القرآن والسنة. فمن أدلة القرآن على وجه الاختصار، وإلا فهذا المبحث قد ذكر في كتب العقائد مبسوطًا، قول الله عز وجل: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ففرق بين الخلق والأمر، وأمره منه الكون، وهو قوله جل وعلا: ﴿لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ومنه الشرعي، ومنه القرآن، أي ومن الشرعي القرآن، فتفريقه جل وعلا بين الخلق والأمر دل أن الأمر ليس بمخلوق. ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بكلمات الله التامات»، وببعض الأحاديث التامة. والتعوذ لا يكون إلا بالله عز وجل، فدل على أن كلام الله من صفته، وليس هو بمخلوق؛ فإنه لا يتعوذ بمخلوق. وقد استدل بالآية والحديث الإمام أحمد، رحمه الله، في مناظرته للمعتزلة. وقولهما، رحمهم الله: «بجميع جهاته»، أي أنه كلام الله؛ لأنه منه بدأ، فهو تكلم به ابتداء، فإليه يعود أن يعود وصفًا، ومنه بدأ، أي تكلم به ابتداء، وإليه يعود أن يرفع في آخر الزمان، كما جاء معناه في حديث رواه ابن ماجه بإسناد حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكل المعنين صحيح؛ فهو كلام الله، ولو تلفظ به المتلفظ، وحفظه الحافظ، وكتبه الكاتب، وسمعه السامع، واستحضره المستحضر، وكل ذلك كلام الله؛ لأن الكلام يرجع إلى من قاله ابتداءً. وقول من قال من لئمة أنه: «كيفما يصرف بقراءة القارئ وبلفظه وبحفظه إلى آخره أنه كلام الله»، هذا إذا أراد به القرآن يعني؛ لأن اللفظ الواحد من القرآن قد يلفظ، ولا يراد به القرآن، مثل كلمة «عيسى»، فكلمة «عيسى» موجودة في القرآن، فهي من القرآن، وهو كلام الله. وكلمة «عيسى» من كلام الناس إذا لم يرد به القرآن، فهو ليس كلام الله. وآخر أو تفصيل آخر: أننا نفرق بين كلام الله القرآن، وبين فعل هذا المخلوق. وعلى هذا جرى قول أهل العلم: «الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري»، «الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري». والمعنى أن أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل، وأما كلام الله فهو وصفه، وهو ليس بمخلوق. وعلى هذا جرى كذلك الكلام على مسألة من قال: «لفظي بالقرآن مخلوق»، أن هذا ليس من كلام أهل السنة، وقائله بين جهمي يتلبس بلباس الجهل وعدم الفهم، وبين جاهل يوافق الجهمية بجهله؛ لأن قوله: «لفظي بالقرآن مخلوق»، يشمل القرآن الذي هو كلام الله ليس بمخلوق، ويشمل فعل المخلوق الذي هو مخلوق. ولهذا روي عن الإمام أحمد أنه قال: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع»؛ لأنه لو قال غير مخلوق صح في القرآن، ولم يصح في فعل العبد؛ لأن أفعال العباد مخلوقة. ولهذا كان لابد من التفصيل: «الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري». فالقراءة التي هي الفعل مخلوقة، والمقروء الذي هو القرآن ليس بمخلوق. وهكذا كذلك المسموع الذي هو القرآن ليس بمخلوق، والسماع الذي هو فعل المخلوق مخلوق. وهكذا كذلك الحفظ الذي هو فعل الإنسان مخلوق، والمحفوظ الذي هو القرآن ليس بمخلوق. وقل مثل ذلك في سائر ما هو بمعنى هذا.