الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 11، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح المقطع باب تعجيل السحور كما فعله الصحابة لإدراك الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين قدر الوقت بين السحور وصلاة الفجر بأنه قدر قراءة خمسين آية مستدلاً بحديثي سهل بن سعد وزيد بن ثابت رضي الله عنهما.
يوضح الفرق الأدبي بين قول الصحابي «تسحرنا مع النبي» وقول «تسحرنا نحن والنبي» مبيناً أن «مع» تفيد التبعية والأدب، ويفسر «الأذان» في الحديث بأنه الإقامة ويقدر الوقت بينهما بخمسين آية متوسطة.
ينبه إلى مخالفة بعض المساجد للسنة بتعجيل إقامة صلاة الفجر في رمضان، ويبين أن السنة هي الاعتدال بين التعجيل والتأخير مستدلاً بحديث قدر خمسين آية، ويؤكد مشروعية تأخير السحور بأدلة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
يوضح أن تأخير السحور إلى قرب أذان الفجر له أصل في السنة، لكن يحذر من الاستمرار في الأكل والشرب بعد دخول وقت الفجر، ويختتم الدرس بالتأكيد على هذا الضابط الشرعي.
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: باب تعجيل السحور. قال: حدثنا محمد بن عبيد الله، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: كنت أتسحر في أهلي، ثم أكون في سرعة أن أدرك السجود مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا الحديث فيه دلالة على مشروعية تعجيل السحور، أو فيه دلالة؛ فأراد به المصنف رحمه الله بقوله: تعجيل السحور، أراد به تعجيل الأكل، أي: السرعة في أكل السحور، وذلك يدل على مشروعية تأخير السحور كما سيأتي في الباب الذي بعده. وأيضاً يدل على قرب صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني: سرعة صلاة الفجر للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان يصليها بغلَس، فكانوا يختصرون سحورهم، وكانوا يعجلون في أكل سحورهم. ويقول الصحابي رضي الله عنه: كنت أتسحر في أهلي، ثم أكون في سرعة أن أدرك السجود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يعجل ويختصر، ولأجل أن يسرع مسافة المشي من البيت إلى المسجد، عسى أن يدرك الركعة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا يدل على أن السحور يقع قرب طلوع الفجر، ويدل على أنهم يختصرون في سحورهم، وعلى أنهم يعجلون في أكلهم. وهذا حال كثير من الناس في السحور: يعجلون ويسرعون، ويكاد يكون لهم عادة، فهذا له أصل في السنة، هذا الذي يحصل من بعض الناس له أصل في السنة، كما في هذا الحديث الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى. ثم قال المصنف رحمه الله: باب قدر ما بين السحور وصلاة الفجر. قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: «تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة»، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية. هذا فيه بيان الوقت ما بين انتهاء السحور وما بين صلاة الفجر، ما هو الوقت الذي يكون بين انتهاء السحور وبين إقامة صلاة الفجر. قال: «تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم». يقول زيد بن ثابت: فيه مشروعية الاجتماع على السحور. فيه مشروعية الاجتماع على السحور. وفيه أيضاً، كما ذكر الشارح تبعاً لابن الملقن رحمه الله، فقد ذكر هذه الفائدة في شرح العمدة: فيه حسن الأدب في الكلام، ففرق بين قوله: «تسحرنا نحن والنبي صلى الله عليه وسلم»، وبين قوله: «تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم»، فـ «مع» تفيد التبعية، فهذا أقرب إلى الأدب من قولهم: تسحرنا نحن والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيه الأدب في الخطاب من موارد الصحابة في جناب النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: «تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة»، المراد: ثم قام إلى الصلاة، يعني: أقيمت الصلاة. قال: «قلت»: يعني أنا، سائلاً لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ كم كان بين الأذان والسحور؟ قوله: «الأذان والسحور»، المراد بالأذان هنا: الإقامة؛ لأنه جاء في بعض الرواية: «ثم قمنا إلى الصلاة»، وهنا: «ثم قام إلى الصلاة»، فكما ذكر الشارح وغيره أن المراد بالأذان هنا: الإقامة؛ لأنه أراد أن يبين سرعة... أراد أن يبين تأخير السحور إلى وقت إقامة الصلاة، قرب وقت إقامة الصلاة. كم كان بين الأذان والسحور؟ أي: بين الإقامة والسحور، كم هو الوقت الذي يمسك فيه عن الطعام، ما بين آخر وقت للسحور وما بين إقامة صلاة الفجر؟ قال: قدر خمسين آية. فأجاب زيد بن ثابت: قدر خمسين آية. وأفاد الشارح رحمه الله أن عادة للعرب: كان من عادة العرب أنهم يقدرون الأوقات بأعمال البدن، يعني: قدر حلب ناقة، وقدر نحر جزور. كانت عادة للعرب أنهم يقدرون الأوقات بأعمال البدن، فعبر زيد بن ثابت رحمه الله بالقراءة، إشارة أولاً إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة، وأيضاً التقدير بقراءة القرآن أولى؛ لأن الوقت وقت عبادة ووقت تلاوة للقرآن. وقوله: قدر خمسين آية، يعني: متوسطة، لا طويلة ولا قصيرة، لا سريعة ولا بطيئة، فتقريباً ربع ساعة ما بين الأذان وإقامة الصلاة. قدر خمسين آية، مثلاً: سورة ق، قدر أربعة وخمسين آية. فهذا يدلنا على مشروعية التعجيل بصلاة الفجر، فيه دلالة على مشروعية التعجيل بصلاة الفجر. يعني: الخمسون آية تقريباً تقرأ بقراءة متوسطة، والآيات متوسطة، لا قصيرة ولا طويلة، تقريباً في ربع ساعة ونحو ذلك. فالتأخير نصف ساعة: هذا لا ينبغي، وسرعة إقامة الصلاة، يعني: في قدر خمس دقائق، هذا أيضاً لا ينبغي. في بعض المساجد في رمضان خاصة يعجلون بإقامة صلاة الفجر، وكأن الصلاة إنما شرعت للذين هم في المسجد فقط، ولا ينظرون إلى أن الحكمة من مشروعية الأذان هو جمع الناس لأجل الصلاة. يقول المنادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح. منهم من يكون نائماً قبل الأذان، ومنهم من يكون في الحمام، ومنهم من بيته بعيد. فسرعة إقامة الصلاة في صلاة الفجر في رمضان، في رمضان خاصة، هذا خلاف السنة. وأيضاً التأخير الكثير: هذا خلاف السنة. لكن: «سددوا وقاربوا»، سددوا وقاربوا. قال: قدر خمسين آية. هذا الحديث فيه دلالة على مشروعية تأخير السحور، فيه دلالة على مشروعية تأخير السحور؛ لأن الوقت الذي بين انتهائهم من سحورهم وبين إقامة صلاة الفجر قدر خمسين آية، هذا يدل على أنهم ينتهون من السحور مع أذان الفجر، ينتهون من السحور مع أذان الفجر، ويدل على مشروعية تأخير السحور؛ لأن السنة كما تعرفون: تعجيل الفطر وتأخير السحور. مما يدل على مشروعية تأخير السحور: حديث ابن عمر، قال: عن النبي... حديث ابن عمر قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». قال الراوي: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا، ما كان بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا. فهذا يدل على مشروعية تأخير السحور. أيضاً مما يدل على مشروعية تأخير السحور، أي: إيقاع السحور في آخر وقته: أثر عامر بن ميمون الأودي، الذي رواه عبد الرزاق والطبراني والبيهقي، قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أسرع الناس إفطاراً وأبطأهم سحوراً، أسرع الناس إفطاراً وأبطأهم سحوراً. فهذا فيه تعليم للناس أنهم لا يتعجلوا بالسحور. والذي عليه جمهور الصائمين في هذه الأيام هو مخالفة هذه السنة، فأكثر الناس اليوم يسهرون سهراً طويلاً، ثم يتسحرون مثلاً في الساعة الواحدة والثانية، ثم ينامون، فيجمعون بين أمرين: تعجيل السحور والنوم عن صلاة الفجر، إلا من رحم الله. الذي عليه جمهور المسلمين اليوم من الصائمين أنهم يخالفون هذه السنة من حيث أنهم يسهرون سهراً طويلاً، ثم يتسحرون في قرابة الواحدة والثانية، ثم ينامون عقب السحور، وفي الغالب ينامون عن صلاة الفجر. فهذا الحديث وغيره في مشروعية تأخير السحور. وهذا الذي يحصل اليوم بين طلاب العلم أقرب للسنة: أنهم يؤخرون السحور إلى قرب الأذان، حتى إن بعضهم يقول: نصادق الوقت في شرب الجرعة من الماء، يعني: نخاف أن يؤذن المؤذن، هذا يشرب وهذا يزاحم، فهذا له أصل أيضاً في السنة: مشروعية تأخير السحور. لكن لا يكون تأخيراً بعيداً، أنهم يستمرون في الأكل والشرب إلى أن يدخل وقت الفجر، هذا خطأ. لكن أصل التعجيل هذا له أصل في السنة. نكتفي بهذا القدر، فلله الحمد.