كتاب الجهاد  4

كتاب الجهاد 4

الدرس في كتاب الجهاد 4، الدرس الرابع:( ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم ... نسأل الله أن ينصر دينه وأن يعلي كلمته إنه قوي عزيز ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وأسسها

دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قائمة على الحجة والبرهان وليس على القوة أو الإكراه. الناس دخلوا في الإسلام طوعا بعدما تبين لهم الهدى.

استخدام القوة في الإسلام ومقارنته بالكفار

استخدام القوة في الإسلام يهدف إلى نشر دين الله وإحقاق الحق. الكفار يشنعون على المسلمين أفعالا مماثلة لما يمارسونه هم.

مراحل الدعوة والقتال في الإسلام وتأثير الكفر

الدعوة النبوية مرت بمراحل من تلقي الوحي إلى القتال بعد الإذن الإلهي. الكفر يؤثر سلبا على إقامة شعائر الإسلام ويسبب انتشار الذنوب والمعاصي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: صالح اليهود وأقرهم على دينهم، فلما حاربوه ونقضوا عهده غزاهم في ديارهم، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك، كما قصدوه يوم أحد، يوم الخندق، ويوم بدر أيضا، هم جاءوا لقتاله، ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم. والمعنى أن هذه الوقائع والأحداث في سيرته عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله عنهم، تدل أنه عليه الصلاة والسلام لم تكن دعوته قائمة على السيف والقهر، بل كانت دعوته عليه الصلاة والسلام قائمة على الحجة والبرهان، وإنما يستعان بالسيف عند الحاجة، ولدفع الشر، ولإقامة الحق الذي أمر الله عز وجل به. وإلا فقد خير خير نبينا صلى الله عليه وسلم الكفار جميعا بين إحدى ثلاث: إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يدفعوا الجزية، فإن أبوا فالقتال. قال رحمه الله تعالى: والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم لم يكره أحدا على الدخول في دينه البتة، وإنما دخل الناس في دينه اختيارا وطوعا. وقد مر معنا أدلة كثيرة تدل على ذلك. ومن تأمل السيرة بما فيها من أحداث وقائع استيقن ذلك، وعلم علما يقينيا -إن كان منصفا ولو كان كافرا- أن هذه الدعوة التي رمي بها أهل هذا الدين دعوة كاذبة زائفة، خارج عن العدل والإنصاف. قال: فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته لما تبين لهم الهدى وأنه رسول الله حقا، فلذلك دخل الناس في دين الله أفواجا. وهذا السر في انتشار هذا الدين في سنوات قليلة. فإن قوة السيف، وكذلك الإدخال بالجبر في الدين، لم يكن هو السبب. وإلا فقد كانت هناك ممالك في ذاك الزمان هي أقوى، وكان عندهم من الجبر والقهر ما يندى له الجبين مما سطر في التاريخ، ومع ذلك ما استطاعوا أن يغيروا الناس عن دينهم. فمن تأمل مثلا تاريخ اليهود والنصارى وما جرى بينهم من حروب ومقاتل عظيمة، وكذلك بين الفرس والروم وغيرهم، علم أن قوة السيف ليست هي التي يمكن بها إدخال الناس في الدين وأخذ قلوبهم، ولكن قوة الحجة والبرهان والحق هي التي جعلت الناس يدخلون في دين الإسلام في فترة يسيرة قصيرة، حتى كان ما كان من انتشار هذا الدين في سنوات قليلة. قال رحمه الله: فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته لما تبين لهم الهدى وأنه رسول الله حقا. قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي لا تكره أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح جلية دلائله وبراهينه، لا يحتاج لأن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقصورا. وهذا أحد التفسيرين في تفسير هذه الآية، فيكون معنى الآية خبر. والتفسير الآخر -وكل التفسيرين صحيح- فإنه يرد الخبر ويراد به الإنشاء، كثير في الشرع وفي اللغة، وهو المعنى الثاني، أي الإنشاء، أي لا تكره أحدا على دينه. وهذا الذي يفسره فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهديه مع الكفار، كما تقدم معنا في حديث بريدة وعائشة وجماعة: أنه عليه الصلاة والسلام إذا أرسل أميرا أمره أن يدعوهم إلى دين الإسلام، فإنهم أبوا فالجزية، فإنهم أبوا فيقاتلون؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وحتى يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. قال رحمه الله تعالى: وكلام العلماء المحققين في هذا الباب كثير، وهو الذي يفهم من روح الإسلام ومبادئه ومقاصده. ولكن أعداء الإسلام أبوا إلا أن يصفوه بما يشوهه ويشينه؛ للتضليل والتنفير. وهذا أمر ليس بغريب عنهم وعن أمثالهم ممن لم يعرف الإنصاف والعدل. وإلا لو تأمل كل منصف -حتى ولو كان كافرا- في تاريخ الأمم وتاريخ أهل الأديان، لعلم أن ما وقع من الكفار من استعمال السيف وسفك الدماء هو في الحقيقة ما يستدعي الوقفة والتشنيع. وأما ما نقل عن أهل الإسلام فإنه ليس كذلك. ولا أدل على ذلك من تاريخ الأمم الكافرة بعضها مع بعض قبل وبعد دين الإسلام. كم قتل اليهود من الأقباط؟ بل كم قتل النصارى بعضهم من بعض؟ وكذلك اليهود مع النصارى، وكذلك فيما بينهم الكفار وملل الكفر جميعا، بل حتى المسلمون بطش بهم في فترات مختلفة، بما يعلم أن هؤلاء الكفار هم أحق من يوصف بهذا الوصف. فإن الله لما مكن المسلمين من رقاب الكافرين لم يفعلوا شيئا من ذلك، بل على العكس وجد الكفار في دين الإسلام من العدل ومن كذلك الإنصاف ما لم يجدوه مع أممهم. لكن انظروا ماذا فعل هؤلاء بالمسلمين. ولا يخفى ما فعله النصارى في بلاد الأندلس وقبل ذلك وبعده من ملل الكفر الكثيرة، وإلى يومنا هذا، فإنهم يفعلون الشيء الشنيع الذي هو في الحقيقة يحتاج إلى إظهار، لو كان هؤلاء من أهل الإنصاف. لكن هذه الحقائق تخفى، ويشنع على أهل الإسلام بما ليس فيهم. قال رحمه الله: غزواته صلى الله عليه وسلم التي فتحت القلوب والعقول، وحمل عليها الدفاع عن العقيدة المهددة، ومعاملاته ومعاهداته، ودعوته بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، تضحد تلك المزاعم. فإن ربك أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين. والنبي صلى الله عليه وسلم حتى عند استعمال القتال لنصرة دين الله عز وجل، فإنه استعمل بالضوابط الشرعية التي أمر بها، فيكون فيه إحقاق الحق ورد الباطل، ووضع كل شيء في موضعه الذي يكون به كماله وتمامه. فلا يقتل من الكفار إلا المقاتلة، كما مر معنا، ولا يكون ذلك إلا بعد الإصرار على الكفر الذي هو يحول بين الناس وحرياتهم، والذي هو يحول بين عبادة الناس لرب العباد. فلذلك أمر ربنا جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك. وإن كان في هذا لوم، فعند الكفار مثل هذا وأشد. فعندهم ما يسمى بالحروب المقدسة، وهي بمثابة الجهاد في سبيل الله عند المسلمين. وهذا معروف في تاريخ اليهود والنصارى، بل وأهل الأديان الأخرى من أديان أهل الشرك والكفر والوثنيات. ومع ذلك لم يوجد التشنيع عليهم كما وجد على أهل الإسلام، وعندهم ما هو أشد من هذا بكثير. قال رحمه الله: وقد بين ذلك ابن القيم في كتابه "زاد المعاد"، حيث قال: فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي ربه عز وجل. قال: أول ما أوحي إليه ربه ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بالتبليغ. ثم نزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. فنبأه بقوله: ﴿إِقْرَأْ﴾، وأرسله بــ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. وهذا مشهور عند أهل السير والتاريخ والتفسير والفقه، وليس فيه نص صحيح صريح يدل على هذا التفصيل، أي أنه أرسل نبيا بــ ﴿إِقْرَأْ﴾، وأرسل بالمدثر. ولكن الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام جاءته النبوة أول ما جاءت بما أنزل عليه من سورة "إقرأ"، فعلم أنه يوحى إليه، كما قال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي نزل على موسى. وهو بهذا كان متبعا لدين الأنبياء. ثم أمره الله عز وجل بتبليغ الدين بعد ذلك، وهو كذلك نبي وهو رسول. فكان ذلك بالآيات التي فيها الأمر بذلك. والصحيح في التفريق بين النبي والرسول: أن النبي من أتى متبعا لشريعة من قبله، وأن الرسول من أتى بشرع جديد، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه "النبوات". لكن المقصود من هذا أن نأخذ هذا المعنى الذي يتبين به تدرج دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، والحكمة التي حصل بها هذا التدرج بأمر الله عز وجل ووحيه. قال: ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال: ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حوله من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين. فأقام بضعة عشر سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال، ويؤمر بالكف والصبر والصفح. ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال. وتأمل في قوله: "أذن"؛ لأنه سنوات يقاتل ويظلم ويضطهد هو وأصحابه عليه الصلاة والسلام، ويأمره ربه جل وعلا بالصبر، والآيات الدالة على ذلك كثيرة، أي في بيان الإذن. قال: ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عن من اعتزله ولم يقاتله. ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله. وكان أول القتال مع قريش أهل البغي، ثم مع اليهود أهل البغي، ثم بعد ذلك الطوائف الأخرى التي كان منها البغي أو إرادة البغي ممن حوله من عشائر وقبائل المشركين. وبعد الفتح وإعزاز الدين أمره ربه جل وعلا بأن يكون الدين كله لله، يعني بعد عرض الحجة والبرهان والإباء يكون بالسيف والسنان، حتى يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. قال: قلت: ويعلم من المرحلة الأخيرة في القتال وجوب قتال الكفار ومهاجمتهم بعد دعوتهم والإعذار إليهم، حتى تكون كلمة الله هي العليا. وأن قتال الكفار في الإسلام ليس مدافعا فقط -يعني كما يزعمه بعض المتملقين للكفار- فيوجد ممن ينتسب للإسلام من هو متملق للكفار، فيزعم أن القتال الذي شرعه الإسلام إنما هو قتال الدفع، أي ما قد يقع عليه أهل الإسلام من بغي. وهذا ليس بصحيح. بل الإسلام أقر كلا المعنيين: القتال الذي يكون به دفع بغي الباغين -قتال الدفع- وهكذا كذلك القتال الذي يكون به إعزاز دين الله ونشره في الأرض -وهذا هو قتال الطلب-. وكلا الأمرين مشروع في دين الإسلام، لكن إذا اتضح ووضحت ضوابطه وشروطه، علم أنه ليس فيه شيء من البغي والعدوان أبدا، بل هو يدعو الناس لأن يخرجوا من عبادة العباد لعبادة رب العباد. يكفي بغيا في الكفر وأهله ألا يؤذن لأهل الإسلام بإقامة شعائر دينهم، وأن يبقى الناس تحت تلك الضغوط -ضغوط الكفر- فتكون أنواع الذنوب والمعاصي والكفريات والشركيات التي كان من أعظم أسبابها وجود هؤلاء الكفار الذين أحالوا أو حالوا بين الناس وحرياتهم. وبكل المعايير يعلم أنه إذا كان هناك إنصاف أنه لا ينافي ذلك العدل في شيء. قال رحمه الله تعالى: بل هو حركة جهادية حتى يكون الدين كله لله. نسأل الله أن ينصر دينه وأن يعلي كلمته، إنه قوي عزيز. إلى هنا والله تعالى أعلم.