الدرس في شرح الدروس المهمة 35، تابع الدرس السادس من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة وله أدلة من الكتاب والسنة، لكن قد يُرخّص بعدم استقبالها عند الضرورة. يُعتبر استقبال القبلة من الواجبات عند بعض العلماء.
النية شرط أساسي في صحة الأعمال والصلاة، ومحلها القلب وليس التلفظ بها. النية تميز بين الصلوات وتحدد القصد منها.
التلفظ بالنية في العبادات يُعد بدعة ومخالفة للشرع، ولا حاجة لاستحضار النية بلفظ معين. يُشدد على أهمية التفرقة بين الأعمال التي تحتاج إلى نية والتي لا تحتاج إليها.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «واستقبال القبلة»، أي ومن شروط الصلاة استقبال القبلة، فاستقبال القبلة أحد شروط الصلاة التسعة، وهو الشرط الثامن على الترتيب الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. وله أدلّة كثيرة من الكتاب ومن السنة، فمن الكتاب قول الله عز وجل: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. استدل جمهور أهل العلم بهذه الآية على شرطية استقبال القبلة. وأما من السنة فأحاديث كثيرة، ومنها ما جاء في بعض الألفاظ في حديث المسيء في صلاته. وبوّب البخاري رحمه الله في صحيحه بابًا في استقبال القبلة، فقال: «باب ما جاء في القبلة، ومن لم ير الإعادة على من سها فصلّى إلى غير القبلة». وبهذا التبويب من الإمام البخاري رحمه الله يفهم أن شرطية القبلة ليس كسائر الشروط، ولكن هو قريب من مسألة ستر العورة. ولهذا قال بعض أهل العلم: إن استقبال القبلة من الواجبات لا من الشروط؛ لأن الشرط كما مر معنا في الدرس السابق هو الذي لا يُعذر فيه لا بجهل ولا نسيان. فمن صلى جاهلًا بغير طهارة أُمر بإعادة الصلاة، ومن صلى ناسيًا بغير طهارة أُمر بإعادة الصلاة، بخلاف ستر العورة والصلاة إلى غير القبلة، فإنه يُعذر بالجهل والخطأ والنسيان. وهذا يدل على أنه من الواجبات لا من الشروط على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. ولهذا فإن أهل العلم بيّنوا أن استقبال القبلة قد يُرخَّص فيه عند الأعذار والضرورة. فمن لم يستطع استقبال القبلة لمرض أو غيره، كالذي في البحر لا تثبت السفينة الصغيرة على جهة واحدة إذا رُبطت مثلًا في البحر بما نسميه نحن المرسى أو البرونسي، تعرف الذي يُرمى في الماء، فإن السفينة يأخذها الهواء مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار، فلا يستطيع المصلي إذا صلى عليها أن يتابع جهة القبلة. ففي مثل هذه الحالات يُرخَّص للضرورة ونحوها. ومثله المسافر على الطائرة إذا كان أدركته الصلاة في الرحلات الطويلة ولا يستطيع أن يصلي في مكان يتجه فيه إلى جهة القبلة، إذ لا مكان للصلاة إلا فوق كرسيه. فهنا نقول له: كبّر تكبيرة الإحرام إلى جهة القبلة إذا عرفت جهة القبلة، ثم واصل بقية الصلاة على جهة جلوسك في كرسيك؛ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الشرط الثامن. والله تعالى أعلم. من مواضع الرخص بالقبلة عند الضرورة، فإنه يرخص بعدم استقبال القبلة لضرورة كالقتال، إذا اختلط الجيش كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إذا اختلطوا فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس». روي مرفوعًا، موقوفًا عن ابن عمر، موقوفًا من قوله، مرفوعًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ومعناه صحيح في كل الحالين. فإذا اختلط الجيش وحضرت الصلاة، فتكون الصلاة بالتكبير والإشارة بالرأس. وهذا كما قال العلماء أحد أوجه صلاة الخوف. وهكذا ما كان بمعناه مما قد يبتلى به بعض المسلمين من أرباب الوظائف التي قد يحصل فيها معنى من معاني الضرورة، مثل عمال الحريق أو غيرهم، إذا أدركتهم الصلاة وخافوا فواتها كصلاة المغرب أو الفجر مثلًا، جاز لهم أن يصلوها وهم يتحركون بالتكبير والإشارة للضرورة؛ «فالضرورات تبيح المحظورات». وإن كان جاز لهم الجمع إن ظنوا أنه يمكن الجمع مع غيرها، وإن خافوا أن لا يمكنهم الجمع صلوا على هيئتهم وهيئة رخصة. ومن مواضع رخص القبلة واستقبالها صلاة النافلة في السفر، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر. وهكذا جاء عن جماعة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي النافلة على راحلته، فيومئ في ركوعه وسجوده، يعني ينحني قليلًا ويشير برأسه. وجاء في بعض الروايات عن ابن عمر أنه قال: «إلا أنه كان يصلي الفريضة على الأرض»، يعني يستقبل القبلة ويصلي على الأرض. كان إذا أراد أن يصلي الفريضة نزل فاستقبل القبلة، أي على الأرض. فأفادنا هذا أن صلاة الفريضة الأصل أنها تصلى إلى القبلة، والنافلة يرخص في السفر خاصة أن يصلي إلى غير القبلة، على أن يبتدأ التكبير أولًا إلى جهة القبلة. والحكمة من ذلك أن المسافر ربما يمنعه حبه في مواصلة السفر وقطعه عن النوافل، يعني المشروع للمسافر مثل ركعتين الفجر والوتر. فإذا قيل للمسافر أنه يجوز أن يصلي على راحلته وأن يركب، تبين أو سهل عليه، سهل عليه عند ذلك أن يصلي النافلة. فهذا من مواضع التيسير والإعانة. قال رحمه الله تعالى: «والنية»، وهذا هو الشرط التاسع من شروط الصلاة. النية والنية شرط في كل الأعمال، فهي من الشروط التي لا تختص بالصلاة، فتلحق بمعنى الإسلام والعقل والتمييز التي هي من الشروط لكل الأعمال. ودليل اشتراط النية أدلّة كثيرة، من هذا الكثير قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر في الصحيحين: «إنما الأعمال بالنيات». فهذا الحديث أصل في بيان مسائل كثيرة من مسائل النية، ومنها أن النية شرط في صحة الأعمال. فالنية بالنسبة للصلاة مهم جدًا؛ لأن النية يحتاجها المصلي من جهتين: أولًا من جهة نية الدخول في الصلاة التي يكون بها المصلي قاصدًا لهذه الصلاة، والأمر الثاني يحتاج إلى النية للتفريق والتمييز بين الصلوات. فمثلًا يفرق بين الفرض والنافلة، ويفرق بين الفرض والفرض، كمن يصلي صلاة جمعًا بين صلاتين كالظهر والعصر للمسافر أو للمريض أو في المطر أو غير ذلك، فهو يحتاج إلى نية يميز الصلاة الأولى من الصلاة الثانية. فلهذه المعاني وغيرها كان من حكمة الله عز وجل فرض النية على الناس على لسان النبي عليه الصلاة والسلام، فكانت النية شرطًا في صحة الأعمال عمومًا ومنها الصلاة. ولكن ها هنا تنبيه مهم، وهو أن النية محلها القلب. ليس معنى أن الأعمال شرط أن النية شرط في الأعمال، ليس معنى ذلك أننا نتلفظ بالنية؛ لأننا أمورون أن نمتثل ما أمر به الشرع بالشرع، لا أن نمتثل ما أمر به الشرع بعقولنا. وإنما نمتثل ما أمر به الشرع بالشرع. فلم يأت في الشرع لا في الكتاب ولا في السنة، بل ولا نقل عن أحد من سلف الأمة ولا عن أحد من الأمة مشروعية التلفظ بالنية. بل التلفظ بالنية يعتبر كما قال العلماء، وذكره الشيخ السلامة الرحيمية رحمه الله: نقص في العقل وفي الدين. أما نقصان الدين فلأنه فعل شيئًا لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام ولا صحابته رضي الله تعالى عنهم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وقال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». فهذا نقصان في الدين. وأما نقصان العقل فلأن المتلفظ بالنية بمثابة المجنون الذي يحدث نفسه بما يريد أن يعمله وتكلم به في صدره، فيسمع أذنيه لما يدور في صدره من كلام وعزم. هذا نوع من الجنون كما ذكر معنا ذلك شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى. فلا يفعل ذلك العقلاء، فكيف يمكن أن ينسب مثل هذا للدين؟ فلهذا ولغيره كان التلفظ بالنية نقصًا بالعقل ونقصًا بالدين. فما يفعله بعض العامة من التلفظ بالنية إذا أرادوا أن يصلوا: «نويت أن أصلي صلاة العصر أربع ركعات مأمومًا حاضرا» إلى آخره، هذا من البدع والمحدثات، لا يجوز التلفظ بالنية؛ لأنه شيء لم يرد به الدليل، فهو مخالف للشرع، وهو كما سمعنا نقصًا في العقل والدين. هذا التنبيه الذي سبقت الإشارة إليه من أمر التحذير من التلفظ بالنية، مع ما فيه من مخالفة الشارع، نقصان العقل، فهو يدخل شرورًا كثيرة على المسلم وعلى الإنسان عمومًا، منها فتح باب الوسوسة؛ لأن التدقيق في مثل هذه المسائل يوقع في الوسوسة، حتى إن بعضهم ربما يشك: ماذا كان لفظه حين دخل في الصلاة؟ هل تلفظ أربعًا أم ثلاثًا؟ هل قال الظهر أو العصر؟ هل قال حاضرا أو قضاءًا؟ هل قال مأمومًا أو منفردًا؟ وغير ذلك من الألفاظ التي يحاسب نفسه فيها، وهو في غنى عن ذلك كله. وصدق من قال من السلف: «ما أقيمت بدعة إلا وأميتت في مقابلها سنة». والشر الذي يدخل على أمثال هؤلاء كثير. ولهذا كان الناس في مسألة النية طرفان ووسط. طرف سلكوا هذا المسلك من الغلو في مسألة النية والتجديد حتى اشترطوا التلفظ بها، وغير ذلك غلوا حتى اشترطوا التلفظ وغير ذلك من الدقائق في وصف العمل، شددوا على أنفسهم حتى ألزموا أنفسهم أن يتلفظوا بتفاصيل وصف العمل، مثل ما رأيتم في الصلاة يذكر كل صفات الصلاة وكيفية تأديتها في النية، مع أنه لم يؤمر لا في الشرع ولا عن أحد من الأئمة، فضلًا عن الشرع. فالمهم هذا من التشديد والتنطع. وفي مقابل هؤلاء قوم آخرون تساهلوا في مسألة النية وضيعوا أحكامها حتى صاروا لا يبالون بمسألة النية في الأعمال، ويتساهلون في هذا. وهذا كذلك خطأ، فالأول خطأ والثاني خطأ. والوسط هو أننا نفرق بين الأعمال التي فيها نية، فنصدح نيتها في القلب، والأعمال التي لا تحتاج إلى نية، مثل التروق، إزالة النجاسات وسائر وسائل باب التروق لا يحتاج إلى نية. فالمهم ما كان يحتاج إلى نية استحضرنا النية، وما لا يحتاج إلى نية فلا يحتاج إلى استحضار نية. وهنا تنبيه: ليس معنى استحضار النية أن نستحضر لفظًا في القلب. فإن هذا كذلك من البدع كما نبّه عليه شيخ الإسلام بن تيمية، ونقله عن إمام الشافعي رحمه الله وغيره. يعني مثلًا ليس معنى أنك تستحضر النية لصلاة الظهر مثلًا أن تحدث نفسك في قلبك قبل تكبيرة الإحرام، فتقول في نفسك: «نويت أن أصلي الظهر أربعًا حاضرا كذا كذا». هذا نوع آخر من البدعة؛ لأن استحضار لفظ النية في القلب ليس من السنة. واضح، لكن المقصود أنك تعرف أنك الآن تصلي صلاة الظهر، يكفي هذا. مجرد أنك قمت حين سمعت المؤذن يؤذن بصلاة الظهر، فالنية قد اجتمعت في القلب. فأنت تتوضأ وأنت تعرف أنك ستصلي الظهر، تمشي إلى الصلاة وأنت تعرف أنك تصلي الظهر، هذه نية تكفي. تكبر وأنت تعرف أنك ستصلي الظهر، يكفي. لا يحتاج أن تستحضر لفظًا، فتلزم نفسك به، تدعي أن هذا هو استحضار النية. هذا في الحقيقة تلفظ خفي بالنية، وهو كذلك من المحدثات. هذا خلاصة ما يذكر في أمر النية، وأنه شرط من شروط الصلاة. وبهذا القدر نكتفي في هذه الليلة، وإلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.