شرح اللآلئ البهية 29

شرح اللآلئ البهية 29

الدرس في شرح اللآلئ البهية 29، الدرس التاسع والعشرون : فيه : ( وقال الطوفي المشهور عن أصحاب الإمام ... ثبوت وعلم وجود بلا كيفية ولا تحديد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في مذهب أهل السنة والحديث

يتناول المقطع مذهب أهل السنة والحديث في إثبات صفات الله، ويستند إلى أقوال السلف والعلماء. يبرز أهمية قبول ما جاء في الكتاب والسنة دون تكلف.

الردود على المعارضين لنزول الله تعالى

يناقش المقطع آراء المعارضين لنزول الله تعالى ويعرض ردود العلماء عليهم، مشدداً على أهمية صحة السند في الأخبار المنقولة.

منهج السلف في إثبات صفات الله تعالى

يؤكد على منهج السلف في إثبات صفات الله من غير تحريف، ويرد على المخالفين من الأشاعرة وغيرهم الذين ينفون بعض الصفات.

ختام الدرس والتأكيد على أهمية العلم

يتم الإعلان عن درس قادم بإذن الله، مع التأكيد على أن العلم الحقيقي عند الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا فيما ذكره المرداوي رحمه الله تعالى في شرح لامية شيخ الإسلام التيمية رحمه الله، وفي مبحث إثبات النزول على ما يليق بجلال الله وعظمته. وكان آخر ما توقفنا عليه، وما نقله من كلام الحافظ ابن حجر عن البيهقي رحمه الله تعالى وغيره. قال رحمه الله تعالى: وقال الطوفي المشهور عن أصحاب الإمام أحمد أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة، كالمجيء والإتيان والنزول والتدلي والدنو، كما لا يتأولون غيرها من الصفات، متابعة للسلف. قال: وكلام السلف بهذا الباب يدل على إثبات المعنى المتنازع فيه. قال الأوزاعي: لما سئل عن حديث النزول، قال: يفعل الله ما يشاء. وقال حمد بن زيد: يدنو من خلقه كيف يشاء. وهذا معناه أن السلف كانوا يثبتون النزول على حقيقته، ولهذا أثبتوا وجود الكيف، وإن كان الكيف مجهول غير معلوم. وهذا هو الصواب. وما ذكره الطوفي رحمه الله تعالى من المجيء، دلت عليه الأدلة، وهو نقل شيء مجمل بالنسبة لما نقل عن أصحاب الإمام أحمد رحمه الله. وإلا بعض ذلك، كما مر معنا، بعض ذلك مما فيه نزاع، وفيه راجح ومرجوح، مثل مسألة التدلي. فإن مسألة التدلي مر معنا أن الصحيح أن الآية ليست في حق الله عز وجل، وإنما هي في حق جبريل عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر غير واحد من أهل العلم رجحات كثيرة على هذا المعنى. وأما بقيت ما ذكره، فأدلة الكتاب والسنة تثبته: المجيء والإتيان والنزول والدنو. قال رحمه الله تعالى: وهو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث، يعني أن هذا هو مذهب أهل السنة والحديث. وأشار عندكم إلى كلام صاحب لوامع الأنوار، وما نقله عن الطوفي رحمه الله من كتابه «قواعد الاستقامة والاعتدال». والطوفي من أحسن من تكلم على المسائل العقدية في باب الأصول. قال رحمه الله تعالى: وقال عثمان بن سعيد الدارمي: وادعى المعارض أن قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا»، الحديث. فادعى أن الله لا ينزل بنفسه، وإنما ينزل أمره ورحمته، وهو على العرش، وعلمه في كل مكان من غير زوال؛ لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه من لا يزول. قال: فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان، ومن ليس عنده بيان. يعني: هو يرد الآن على بشر المريسي المعتزلي. قال: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان، ومن ليس عنده بيان؛ لأن أمر الله ورحمته ينزلان كل وقت وأوان. فما بال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحد لنزوله الليل دون النهار، وبوقت من الليل شطره أو الأسحار؟ يعني: أنه جاء في الروايات أنه ينزل في نصف الليل، وينزل في آخر الليل، وهو السحر في الثلث الأخير من الليل. فيقول: إذا كان كما زعمت -يعني يا بشر المريسي- أن النازل ليس هو الله سبحانه، وإنما أمره ورحمته، فهذا باطل؛ لأن أمر الله ينزل في كل وقت، فما من لحظة من اللحظات إلا ولله أمر في خلقه، فهو لا يزال يأمر بما شاء في خلقه: هذا يموت، وهذا يحيى، وهذا يصاب، وهذا يبتلى، وغير ذلك من ما يكون في مخلوقات الله التي لا تنقطع طرفة عين، ولا أقل من ذلك. فأمره لا يزال ولا ينقطع، وهو مستمر في النزول. وهكذا رحمته سبحانه، فما من شيء من مخلوقات الله إلا وهو يمد في كل لحظة من اللحظات برحمة الله سبحانه، فرحمته غير منقطعة. فكيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ينزل في الثلث الأخير»؟ فهذا يدل على بطلان هذا الزعم الباطل الذي زعمه بشر المريسي. قال رحمه الله تعالى: لأن أمر الله ورحمته ينزلان كل وقت وأوان، فما بال النبي صلى الله عليه وسلم يحد لنزوله الليل دون النهار، وبوقت من الليل شطره أو الأسحار؟ أفأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار؟ يعني: هل الذي ينزل هذا، إذا كان هو أمره ورحمته، هل الأمر ورحمة تتكلم وتقول: هل من داعي؟ هل من مستغفر؟ هل من سائل؟ هل الرحمة والأمر يقولان ذلك؟ قال: أفأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار، أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلم دونه؟ أو يقدر الأمر والرحمة -يعني هل تستطيع الأمر والرحمة أن تتكلم دون الله سبحانه- وهم فيما يزعمون من أعرف الناس بالمسائل العقلية؟ فبأي عقل أو شرع ممكن أن يقول عاقل هذا الكلام؟ فهذا كلام -كما قال رحمه الله- من حجج من لا يعرف الحجج. فمثل بحجج النساء والصبيان؛ فإن النساء والصبيان يستدلون بما لا يستدل به. قال رحمه الله تعالى: أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلم دونه، فيقولان: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ الحديث إلى آخره. قال: كلام الدارمي رحمه الله -يعني انتهى كلام الدارمي رحمه الله- وفيه إيضاح غاية الإيضاح لإثبات النزول على حقيقته، على ما يليق بجلال الله وعظمته. قال: قال الإمام الحافظ أبو بكر ابن خزيمة رحمه الله تعالى: باب ذكر أخبار ثابتة السند، ورواه علماء الحجاز والعراق عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول الرب جل وعلا. والله جل وعلا ولي نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام أفضل الصلاة، أتم السلام، بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم. فنحن قائلون ومصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر للنزول، غير متكلفين القول بصفة الكيفية؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية النزول. ثم ذكر الأخبار بأسانيدها، انتهى كلامه رحمه الله. فما أعلمه من إمام. وهذا كذلك بيان كيف العقلاء يعرفون ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وما يجب أن يكون عليه أهل الإسلام. فإن كل عاقل ومنصف لا يمكنه إلا أن يأخذ بما أخذ به أهل السنة والجماعة في باب الصفات. فانظر بماذا قدم هذا الإمام الذي لقب بإمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى. قال: باب ذكر أخبار ثابتة السند. وهذا من أوائل ما ينبغي أن يعتني به أن يصح السند، إما من كلام الله أو من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما كان من القرآن فهو متواتر، وما كان من السنة فيثبت سنده. قال: ورواه علماء الحجاز والعراق عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولماذا خص الحجاز والعراق؟ لأن علماء الحجاز والعراق أعلم العلماء وألصق العلماء بالسلف الصالح، فهم تلامذة وأبناء الصحابة الذين كانوا أعرف الناس بالتنزيل. لم يرويه شواذ الناس من أهل المشرق والمغرب، وإنما رواه أعلم الناس بالدين الذي نزل عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال: ورواه علماء الحجاز والعراق عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول الرب جل وعلا -يعني في إثبات النزول-. والله جل وعلا ولي نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم، بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة -يعني بعثه بهذه الرسالة، ووكله في بيان هذا الدين- فما جاء عنه يجب أن يقبل، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وكما قال سبحانه: ﴿إِن تَتَّبِعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. وهو كما قال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. ثم قال رحمه الله: فنحن قائلون ومصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر للنزول، غير متكلفين القول بصفة الكيفية. يعني: الكيفية موجودة، فهي ثابتة؛ لأن اللفظ يدل على معنى نفهمه باللسان العربي، لا نصرف عن ظاهره، ولا نزعم أنه ليس له معنى كما سبق. وهذه هي طريقة السلف. فمن زعم أن طريقة السلف التفويض، فقد أخطأ. ومن زعم أن الطريقة الصحيحة للتدين طريقة الخلف في التحريف، فقد أخطأ. والصواب هو ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة، وسار عليه أئمة الإسلام، ولا يزال كذلك مع أهل الحق حتى تقوم الساعة. وهو أن تثبت هذه المباحث إثبات وجود، نثبتها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال رحمه الله: غير متكلفين القول بصفة الكيفية؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية النزول، مع أنه أثبت وجود النزول. فنحن نثبته إثبات وجود، ولا نتعرض للكيفية؛ لأن الكيف مجهول، كما مر معنا من كلام الإمام مالك رحمه الله. قال: تنبيه: الذي يلزم من قال بإثبات صفة النزول، يلزم مثله من قال بصفة الحياة والسمع والبصر والعلم والكلام والقدر والإرادة له تعالى؛ لأنه لا يعقل من هذه الصفات إلا الأعراض التي لا تقوم إلا بجوارحنا. فكما نقول نحن وإياهم: حياته وسمعه وبصره ليست أعراضا، بل هي الصفات لا كما تليق بنا. فنقول نحن أيضا: يعني إذا قال أحد: يلزم من يقول بإثبات صفة النزول كذا وكذا من المعاني التي يريد بها إثبات النقص، وبذلك يزعم أن ذلك مما لا يليق أن يوصف به الرب جل وعلا. فيطال له هذه المعاني، كذلك تلزمك في الحياة والسمع والبصر والعلم والكلام والقدر والإرادة. وذكر هذه الصفات السبع؛ لأن الأشاعرة تزعم أنها تثبت هذه الصفات السبع: الحياة والسمع والبصر والعلم والكلام والقدر والإرادة. مع أن إثباتهم لبعض هذه الصفات إثبات ناقص، لا على ما يثبت أهل السنة والجماعة. لكن ليس هذا الموضع موضع بسط ذلك. وإنما أراد أن يعرض بالأشاعرة الذين يزعمون أن ما سوى هذه السبع من الصفات، إثباتها إذا أثبتت على ظاهرها يكون فيه مشابهة المخلوقين. فزعموا أنهم نفوها وحرفوها وتأولوها بالتأويل الذي هو تحريف، تنزيها للرب جل وعلا عن مشابهة المخلوقين. فيقول: ما قلتم في النزول؟ يلزمكم في هذه الصفات السبع. فما جوابكم في الصفات السبع؟ فهو جوابنا في النزول. إن قلتم: هذه الصفات نثبتها على ما يليق بجلال الله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فنقول كذلك: نقول في النزول: تثبت لله جل وعلا على ما يليق بجلاله وعظمته، من غير تحريف ولا تمثيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. قال رحمه الله تعالى: لأنه لا يعقل من هذه الصفات إلا الأعراض التي لا تقوم إلا بجوارحنا. طيب. قال: فنقول نحن أيضا: فمثل ذلك بعينه نزوله، وفوقيته، واستواءه على عرشه، ونحو ذلك. فكل ذلك ثابت معلوم، غير مكيف بكيفية -يعني معلومة لدينا- بل الكيفية موجودة، لكنها مجهولة لدينا. قال: ولا انتقال يليق بالمخلوق، بل هو كما أخبره ورسوله، بما يليق بجلال الله وعظمته، وباهر كبريائه. لأن ذاته وصفاته معلومة من حيث الجملة، ثبوت وعلم وجود، بلا كيفية ولا تحديد، بلا كيفية نحددها، ومعلومة لدينا ندعيها؛ لأن ذلك من الغيب. والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. ولا تحديد لمعنى من المعاني التي فيها معنى من معاني التشبيه والتمثيل. وهذا كذلك؛ لأنه لا يجوز. فالخلاصة أن المؤلف رحمه الله أراد أن يلزم الأشاعرة والماتريدية والكلابية، ومن كان بمعنى هؤلاء الذين ينفون الصفات الفعلية، ويثبتون الصفات السبع. أن يلزمهم بإثبات الصفات الفعلية؛ لأن هذا هو لازم مذهبهم، بخلاف غيرهم كالمعتزلة، فهم ينفون جميع الصفات. ولا شك أن قوله: «أعراضا» لفظة محدثة. وعندكم في التعليق أن هذا مما لم يأت التعبير به، والأولى تركه. طيب. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت. نقبل إن شاء الله في درسنا لاحق. والله تعالى أعلم.