شرح اللآلئ البهية 14

شرح اللآلئ البهية 14

الدرس في شرح اللآلئ البهية 14، الدرس الرابع عشر : فيه ( ويجب السكوت عما شجر بينهم من الموافقة ... واقتفى منهجهم القويم والتعيس من عدل عن طريقهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب السكوت عما شجر بين الصحابة

يجب السكوت عما وقع بين الصحابة من خلاف أو حروب، لأن ذكر ذلك يعتبر طعنًا فيهم وتنقصًا لهم. السكوت عن ذلك يحافظ على اليقين والحب للصحابة.

الرد على منتقصي الصحابة بسبب أخطائهم

يؤكد المؤلف أن الصحابة مع كونهم قد يخطئون، إلا أن حسناتهم وفضلهم يغفر لهم تلك الأخطاء. النبي صلى الله عليه وسلم قبل عذر حاطب ولم يعتبر فعله كفرًا رغم وصفه بالنفاق.

بيان حكم الموالاة والتولي وفضل الصحابة

يناقش المقطع حكم الموالاة والتولي للكفار، ويبين أن ليس كل موالاة أو تولي يعتبر كفرًا. كما يشير إلى فضل الصحابة ومكانتهم، ويوضح أن الخلافات بينهم كانت بقضاء الله وقدره.

ختام الفصل حول فضل الصحابة وتأكيد أهمية اتباعهم

تم الانتهاء من الفصل المتعلق بتفسير فضل الصحابة ونقل أقوال العلماء فيه، وأكد على أهمية اتباع طريقهم. تم الإشارة إلى قول السفاريني في هذا السياق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف المرداوي رحمه الله تعالى في شرحه «ألا آله البهية» في شرح لامية شيخ الإسلام من نثيمية: قال رحمه الله تعالى: «ويجب السكوت عما شجر بينهم من الموافقة والمخالفة والحروب». وقلنا: ننتبه إلى قوله رحمه الله: «ويجب السكوت عما شجر بينهم من الموافقة والمخالفة والحروب». فكل ما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم، فيما وقع فيه الخلاف، سواء اتفاق المتفقين أو اختلاف المختلفين، أو الحروب التي وقعت بين بعض الفرق أو الفريقين منهم، رضي الله عنهم جميعًا، أن ذلك مما يسكت عنه. وقلنا: لأن ذكر مثل ذلك مما فيه الطعن فيهم، وفيه كذلك التنقص لهم، وذلك منافٍ لما أمرنا به بكتاب الله وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فهو من العلم الذي يطوى ولا يروى، وأنه إذا روي فإنما يروى على وجه الرد على المخالفين بشبهة أو نحو ذلك، على ما سبق تفصيله. قال رحمه الله تعالى: «قال ويجب السكوت عما شجر بينهم من الموافقة والمخالفة والحروب، وليس هو من العقائد الدينية، ولا ينفع بالدين». يعني: السكوت عن ذلك لا ينقص الدين شيء، ليس هو من العقائد الدينية حتى يظن أننا لو سكتنا ولم ننقل ذلك الذي وقع أن ديننا سيكون ناقصًا أو أن عقيدتنا سينقص منها شيء، لا، قال: «بل يضر في اليقين»، يضر في اليقين، يعني أنه يزيل بعض ذلكم الحب الذي لبعضهم أو يخدشه وينقصه. فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فلو أنه سمع مثل ذلك تلك الأخبار، فإن ذلك يضره ولا ينفعه. قال: «وَمَا نُقِلَ لِمَ شَجَرَ بَيْنَهُمْ بِالْحُرُوبِ وَالْبِغْضَاءِ» وقاله: محامل وتأويلات حسنة، لأن قتالهم للدين، لأن قتالهم للدين بخلاف غيرهم، يعني: لأن القتال الذي وقع بينهم كان عن اجتهاد وكان للدين. وسيأتي معنا إن شاء الله أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قوله: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران». ومعنى أنه إذا كان كذلك، إذا كان كذلك فإذا هذا معنى أنهم بين الأجر والأجرين، فوجب عند ذلك السكوت والكف. قال: «فورد في حقهم أن القاتل والمقتول في الجنة»، لأنهم عن اجتهاد. ومعنى هذا الذي ورد هو ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من التنويع عليهم جملة، مع أنه قال عليه الصلاة والسلام: «تقتل عمار الفئة الباغية»، سماها في «أهالباغية»، ومع ذلك فهم في جملة الصحابة الذين أثنى عليهم القرآن، وفي جملة الصحابة الذين أثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: ورد في أقتال غيرهم: «القاتل والمقتول في النار»، بخلاف القاتل والمقتول في غير الصحابة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمى أن ذلك في النار. قال: «وما نقل عنهم رضي الله عنهم في الحروب فباطل وكذب، فلا يلتفت إليه»، يعني: أكثر الذي روي في ذلك هو من الباطل والكذب الذي يكتبه أعداء هذا الدين، سواء من الخوارج أو الرافضة أو القرامطة والزنادقة وغيرهم. وقد أشار المعلق -كما هو موجود عندكم- إلى بعض أولئك الكذابين، مثل لوط بن يحيى والكلبي ونحوهم ممن فيه رفض وبدعة، فإنهم كثيرًا ما يكذبون على الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. قال ابن تقي في العقد الشافع رحمه الله: «وما ورد عنهم في مشاجر بينهم في الحروب والفتن وهو الصحيح أولناه على أحسن التأويلات وطلبنا له أجود المخارج»، لأن التنويع عليهم من الله سابق. ومعناه أن الواجب أن نحمل ما صح، وما صح قليل مما فيه خلاف بينهم، نحمله على أحسن التأويلات، وكذلك نطلب له أجود المخارج مما لا يكون فيه التنقص على أحد منهم، كما مر معنا. لأن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم لو قدر أن أحدهم أخطأ فهو بين الأجر والأجرين، وكذلك عندهم من سابقة الإسلام والفضل والإخلاص والمتابعة، وكثرة الأعمال الصالحة ما معه توفر عنده تلك الأخطاء، لو قدر أنها معاصي محضة، فكيف وهم يرجون ما يرجو الناس؟ إذا كان الناس يرجون التوبة وأن التوبة تجب ما قبلها، فالصحابة أولى بذلك، وإن كان الناس يرجون بالحسنات تكفير السيئات، وهم كذلك أولى بذلك. وهكذا قال: «وما نقل محتمل للتأويل»، يعني: هذا الذي نقل عنهم وصح ليس هو شيء صريح لا يمكن أن يحمل له على عذر، بل هو محتمل للتأويل، أنهم استلفوا بأمر فيه لبس وشبهة، جعل أحدهم مجتهدًا مخطئًا وآخر مجتهدًا مصيبًا. قال: «والمشكوك لا يبطل المعلوم»، ويريد بالمشكوك أي: هذه الأخبار المنقولة عن الصحابة، في ظاهرها النقص والتنقص لهم، والحقيقة أنه ليس كذلك، هذا مشكوك، والمعلوم هو الثناء عليهم بكتاب الله وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: «وقد جاء في الحديث الصحيح أن عبدًا لحاطب من أبي بلتعة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله، لا يدخلن حاطب النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كذبت، لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية». والحديث في الترمذي، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وهو كذلك، أي: أصل الحديث في صحيح مسلم كما أشار إليه المعلق رحمه الله كذلك. وهذا الحديث يفيد أن حاطبًا رضي الله عنه أرضاه لا يدخل النار، بل وممن يدخل الجنة، مع أنه فعل ما فعل رضي الله عنه أرضاه، فيما سماه عمر رضي الله عنه نفاقًا، وأقره النبي عليه الصلاة والسلام على هذه التسمية، أي: على تسمية هذا الفعل نفاقًا، ومع ذلك ما أذن لعمر أن يقتله، ولا رضي أن يقال: إنه من في النار أو أنه من أهل النار، بل قال: «لا يدخلها»، يعني: يدخل الجنة ولا يدخل النار. وهذا كما مر معنا مثل ما قال ابن القيم رحمه الله: «إن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث»، فإن هؤلاء أهل حسنات كثيرة تكفر معه مثل تلك العثرات. قال: «وورد أيضًا في الحديث الصحيح في قصة حاطب المذكور لما أخبر قريشًا بأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم اعتذر فقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عذره. وقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق هذا المنافق. وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنه شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». قال بعض الأئمة: «كفى بهذا الحديث معظما لشأن الصحابة رضي الله عنهم، وكافًا كل لسان عن القول، ومانعًا كل قلب عن التهمة، وداعيًا على ذكر محاسنهم». فإن الحامل لهم على تلك الوقائع والدين وما جرى بينهم على سبيل الاجتهاد والمجتهد المصيب، وإن كان مخطئًا كما ورد في الحديث: «إن اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران» إلى آخره. وهذا وهذا كذلك الحديث في قصة حاطب في الصحيحين من حديث علي رضي الله عنه، وهو يدل على المعنى المتقدم كما سبق. وهنا تنبيه فيما يتعلق بهذا الحديث، معظم مفتوني بفتنة التكفير يستدلون بهذا الحديث على تكفير فاعل هذه المعصية، وهي الموالاة للكفار، واستدلوا بقول عمر رضي الله عنه أرضاه. وهذا ليس بصحيح، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن أقره على اللفظ، لكن لم يضره على الحكم، إذ لو كان هذا الفعل كفرًا لكان حاطب ممن ارتد، ولطلب بالتوبة من هذه الردة، لكن ليس الأمر كذلك، بل الصحيح التفصيل في موالاة الكفار. فإن الموالاة منها ما هو كفر، وهو ما كان يقتضيها الكفر، مما فيه موالاة على حب دين الكفار أو حب نصرتهم على المسلمين. وتوجد موالاة لشهوة ومعصية ودنيا، فمثل هذه الموالاة لا تسمى كفرًا، بل تسمى معصية، تسمى نفاقًا، والنفاق نفاق عملي لا نفاق اعتقادي، كما أن الكفر كفرًا عملي وكفرًا اعتقادي، فكذلك النفاق نفاقًا عملي ونفاق اعتقادي. وهكذا وهذا هو القول الصحيح الذي تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب ومن السنة، والذي هو قول المحققين من أهل العلم. ومن نقل غير ذلك فقد أخطأ، لا يمكن أن ينقل عن أحد من الأئمة المحققين المنصفين غير هذا، ومن نقل غير هذا عن أحد من أهل العلم فقد أخطأ ولم يفهم، إلا لو عرضه على غيره من كلامهم، لم يجد مدخلًا إلا أن يرجع إلى مثل هذا التفصيل: أن الموالاة ليست كلها كفرًا. وهكذا كذلك قول بعضهم: بأن التولي كفر، هذا القول -ولو يريد به التفصيل- فهو -والله أعلم- كذلك ليس بصواب، بل التولي منه ما هو كفر ومنه ما هو ليس بكفر. والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، فناداهم بنداء الإيمان، ولو كان هذا الفعل كفرًا لما نداهم بنداء الإيمان. وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾، فهذه كذلك الآية فيها مناداة من فعل هذه المعصية بنداء الإيمان، فلو كان هذا كفرًا لما صح أن يناد هؤلاء بنداء الإيمان. وأما ما ذكره من حديث عمرو بن العاص الذي أشار إليه: «اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران»، وهو في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص، أراد أن يستدل به أن أفعالهم رضي الله عنهم بين الأجر والأجرين. قال: «وسئل الإمام أحمد عن أمر علي وعائشة رضي الله عنهما، فقال: تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون»، يعني: أن تلك أمة سبقت وخلت، فإذا لا نتكلم فيهم. وكما قال عمر بن عبد العزيز: «تلك دماء عصم الله سيوفنا منها، فلنعصم ألسنتنا منها». قال: «ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: لولا علي لم تعرف سيرة الخوارج الباغية، ولنقعنا بحنيفة مثله»، يعني: أن عليًا رضي الله عنه وما وقع معه وما ابتلي به رضي الله عنه وأرضاه كان سببًا في ظهور ومعرفة وفضح فتنة الخوارج. وهذا من حكم الله عز وجل في بعض المصائب التي تصيب المسلمين، فإن المصائب التي تصيب المسلمين لها حكم، فلولا الكفر ما عرف الناس فضل الإسلام، ولولا الطاعة ولولا المعصية ما عرف الناس فضل الطاعة، ولولا النفاق ما عرف الناس فضل الإيمان واليقين، ولولا البدعة ما عرف الناس فضل السنة. وهكذا كذلك لو لهذا الخلاف الذي قدره الله لحكمه فوقع بحكمة الله جل وعلا ومشيئته، لما وقع كذلك، هذا الأمر من معرفة فتنة الخوارج والباغية والحذر منهم ومرادها. ولا لئلا أن هذا الذي وقع وقع بقضاء الله وقدره وبحكمته وعدله سبحانه، فليس هذا مما يعترض. قال: «ويكفي في فضل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ما ورد بالحديث الصحيح: أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم». والحديث ضعيف، بل باطل، وأشار المعلق عندكم كما هو موجود عندنا في هذه النسخة إلى ضعف هذا الحديث، لكن بعض معناه صحيح، ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي موسى: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون». والحديث في صحيح مسلم كما أشار إليه المعلق رحمه الله تعالى. فصح أن يوصل الصحابة بأنهم أمنة على هذه الأمة، فهم بمنزلة النجوم، كما أن النجوم جعلها الله رجومًا للشياطين وحفظًا، فكذلك الصحابة حفظة هذه الأمة. وهكذا بعض الصحابة العلماء قال رحمه الله تعالى: «شبههم عليه السلام بالنجوم، فالنجوم زينة للسماء ورجوم للشياطين وهدى لأهل الأرض، والصحابة كذلك». وهذا وجه التشبيه الوارد في الحديث والله أعلم. قال العلامة السفاريني: «ولا يرتاب أحد من ذوي الألباب أن الصحابة الكرام هم الذين حازوا قصبات السبق واستولوا على معالي الأمور من الفضل والمعروف والصدق والأمانة وغير ذلك، والسعيد من اتبع صراطهم المستقيم واقتفى من هجم القويم، والتعيس من عدل عن طريقهم». قال: «والتعيس من عدل عن طريقهم» انتهى، يعني انتهى النقل عن علامة السفاريني فيما فيه تفسير فضل الصحابة. وبهذا ننتهي من هذا الفصل، وبهذا نكتفي والحمد لله رب العالمين.