الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 132، الدرس الثاني والثلاثون بعد المائة:من( قال الإمام مسلم رحمه الله:حدثنا عمرو الناقد حدثنا عمر بن يونس ... فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي أبو هريرة كيف دعا أمه للإسلام ودعا النبي ﷺ لها بالهداية. الحديث يدل على فضل الدعاء وأهمية الأخذ بالأسباب لتحقيق الهداية.
يُشدد على أهمية الصبر والرفق في الدعوة إلى الله، ويُنصح بالدعاء لتحقيق هداية الآخرين. يُظهر أبو هريرة صبره في دعوة أمه إلى الإسلام.
يتناول المقطع أحكام عورة المرأة والرجل وما يجوز للرجل رؤيته من محارمه. كما يشير إلى أهمية التلفظ بالشهادتين عند الدخول في الإسلام.
يعتبر الشخص شيخا إذا كان كبيرا في السن وحافظا للقرآن ومتفرغا لتعليمه. الأمر يتطلب توازنا بين هذه الشروط لاعتبار الشخص شيخا بالمعنى المقيد.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال مسلم، رحمه الله: حدثنا عمر الناقض، وهو عمر بن محمد بن بكير، أحد ثقات الحفاظ، أخرج له البخاري ومسلم، قال: حدثنا عمر بن يونس اليمامي، تقدم معنا أنه بن القاسم، كذلك أحد الثقات ممن أخرج له بالصحيحين، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، وتقدم معنا أنه كذلك اليمامي، صدوق، تفرد مسلم بالإخراج له، وروايته عن يحيى بن أبي كثير فيها غلط، قال: عن أبي كثير يزيد بن عبد الرحمن، وهو السحيم اليمامي كذلك، أحد الثقات، تفرد مسلم بالإخراج له دون البخاري، قال: حدثني أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام، وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اهد أم أبي هريرة». قال: فخرجت مستبشرا بدعوة النبي ﷺ، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف -يعني مردود-، قال: فسمعت أمي خشف قدمي -يعني أثر الخطى-، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء -حركة الماء-، قال: فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها -يعني لم تلبسه تماما، لبست الخمار ولم تكمل لبسه-، قال: ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله، أبشر، قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا. قال: قلت: يا رسول الله، أدع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا، قال: فقال رسول الله ﷺ: «اللهم حبب عبيدك هذا -أو عبيدك إذا كان المشار إليه وحده- اللهم حبب عبيدك هذا -يعني أبا هريرة وأمه- إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين». قال: فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث في سياق ذكره للأدلة التي تدل على دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام في هذا الفصل: أمر استجابة الدعاء. ووجه الشاهد منه: إجابة دعوة النبي ﷺ في هداية أم أبي هريرة، فقد استجاب الله عز وجل دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، فهدى الله عز وجل أم أبي هريرة، رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما. وهذا كما مر معنا شاهد، ومرت شواهد كثيرة، وسيأتي كذلك إن شاء الله مما يدل أنه كان عليه الصلاة والسلام مجابة دعوته، إجابة لا يشك منصف أن هذا التأييد من الله سبحانه وتعالى، ودليل من دلائل صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى من أهمها: فيه فضل أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه وأمه. ولهذا بوب له في صحيح مسلم في فصل خاص يتعلق بفضائل أبي هريرة، رضي الله عنه. وهكذا كذلك في هذا الحديث: فالدعاء عبادة، وهو سبب عظيم في الوصول إلى ما يطمع به المؤمن من خير الدنيا والآخرة. لكن مع ذلك على المسلم أن يأخذ بالأسباب الأخرى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل: قال: أدع الله أن يجعلني رفيقك أو أرافقك في الجنة، قال: وغير ذلك. قال: «بل هذا يا رسول الله». قال: «فأعني على ذلك بكثرة السجود» -يعني دعاء وعمل من عندك- «فأعني على ذلك بكثرة السجود». وهكذا كذلك دعاء النبي ﷺ كان معه اجتهاد أبي هريرة، رضي الله عنه. فأنت إذا أردت أن يهدي الله عز وجل لك قريبا -سواء إلى أصل الإسلام أو يهديه إلى كمال الإسلام- فأنت تدعو بلسان الحال وبلسان المقال. بلسان المقال: تدعو في مواضع إجابة الدعاء، في الثلث الأخير من الليل، في سجودك، أدبار الصلوات، في آخر ساعة يوم الجمعة، بين الأذان والإقامة، وغير ذلك من مواضع يستحب فيها الدعاء، فتدعو الله عز وجل. وهكذا بلسان الحال: تجتهد أن تبذل كل الأسباب التي تعين على هداية من تحب هدايته. فأبو هريرة، رضي الله عنه، يدل هذا الحديث أنه كان مجتهدا في دعوة أمه، إذ كان يكرر عليها، رضي الله عنه، حتى أتى النبي ﷺ فاستعان به في الدعاء، وذلك حين سمع ما يكره. وفيه كذلك موضع من فقه الدعوة إلى الله: أن الداعي إلى الله ينبغي عليه أن يوطن نفسه على الصبر، فربما -كما يقال- آخر ضربة تكسر القلب وتفتحه، تكون عند أشد موقف تلقاه من هذا المدعو. وكثيرا ما يقع ذلك أن المدعو إذا وجد من حسن الخلق والصبر والرفق والحلم، مع ما يجد مقابله من نفسه من غلظة وشدة ونفرة، يؤثر ذلك فيه. بل كل ما رأيته يشتد عليك، فاعلم أن -إن شاء الله- النتيجة قريبة. كل ما اشتد، فالنتيجة -إن شاء الله- قريبة؛ لأنه بشر، ومهما كان يؤثر فيه حسن الخلق والرفق والحلم الذي أنت عليه. فإذا رأى أنك تقابل هذه الشدة برفق وبحكمة وبحلم، فإن ذلك يدعوه أن يغير من رأيه ويستجيب لما تدعوه إليه. وهذا يفسر موافقة هذه الدعوة لهذا الفعل من أبي هريرة، رضي الله عنه: أسمعته في هذه المرة ما يكره، ومعناه أنها كانت من أشد المرات التي جرت بينه وبين أمه في دعوتها، فحلم وصبر ولم يرد السوء بالسوء. وفيه كذلك استعمال فقه الدعوة من درء المفسدة الكبرى بالصغرى، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قد يسبك الكافر والفاجر الذي تدعوه، وأنت إذا رددت هذا السب بسب، أولا: خسرت دعوته. وثانيا: هو قادر أن يرد هذا السب بأعظم منه، وأنت لا تستطيع أن تجاريه في السب؛ لأن عندك دين يحكمك، وهو ليس عنده دين، هو ما عنده دين ولا عنده حياء، فما تستطيع أن تجاريه في السب. فلذلك الخير أنك تصبر. وهكذا لو وجدت السفه وحماقة أثناء الدعوة أو النصيحة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا ترد الباطل بباطل مثله، ولا ترد كذلك هذه الشدة بشدة مثلها، بل الذي ينفع -وهو المجرب- أن ترد الشدة بالرفق والحلم واللين، فإن ذلك يكسره أكثر من أن تكسره بالشدة. قد يكون أحيانا إذا كانت عندك سطوة السلطان وقوة، تستعمل أحيانا الشدة لضيق الوقت -يعني ليس كل الناس تستطيع أن تدعوهم بالحكمة وباللين-، فإذا كانت هناك مثلا جهة معينة من الهيئة ونحوها، فإنهاء المنكر ومحاربة أهله قد يحتاج أحيانا لكثرة مثل ذلك، شيء من الشدة حتى ينقطع سببه في الظاهر، وإن كان في الباطن أصحاب السوء سيبقون على السوء، لكن المقصود هو إنهاء المنكر في الظاهر. فلكل مقام مقال، والأحوال تختلف ويكون لها مواقف تناسبها. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك: مشروعية الاغتسال عند الإسلام، وأنه كان معلوما عند الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، خلافا لمن أنكره. فهذا الحديث مع قصة ثمامة وغيرها يدل على أن الإغتسال عند الإسلام مما يشرع، والصحيح أنه واجب. لو لم يكن إلا أن يرفع الجنابة، الكافر عليه جنابات كثيرة، وهو إذا أراد أن يصلي لابد أن يتطهر، فيكفيه أن يرفع الجنابة بهذا الغسل، أو تلك الجنابات التي تراكمت عليه بهذا الغسل ثم يصلي. قد يقول قائل: ربما هو اغتسل. نعم، الغسل الذي يرفع الجنابة ليس هو الغسل الذي يغتسله الإنسان، لابد له من نية. ألا ترى أنه لو غسل للتبرد وكانت عليه جنابة ولم ينو رفع الجنابة لم ترتفع الجنابة وهو مسلم، فكيف وهو كافر؟ فكيف وهو كافر؟ فمن باب أولى أنه يحتاج إلى غسل فيه نية رفع الجنابة. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل: وجوب استتار المرأة من محرمها. وجوب استتار المرأة من محرمها: فلا يرى الرجل من محرمته أو من المرأة التي محرما له إلا مواضع الوضوء والزينة فقط، لا يزيد على ذلك. لما جاء في البخاري من حديث ابن عمر: أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعا في زمن النبي ﷺ. قال الحافظ ابن حجر: يحمل هذا على أنه قبل الحجاب، أو أنه بعد الحجاب ولكن بين المحارم؛ فإنه يجوز أن يرى الرجل من المرأة التي يمحرم له مواضع الوضوء. وهذا معنى كلامه، رحمه الله. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية، فدل على أن مواضع الزينة -وهي العنق واليدين إلى العضدين والرجلين إلى ما دون أسفل الساقين، وشيء من الصدر يسير، هذا مع الرأس- هذه مواضع الزينة يجوز أن يراها الرجل من محرمه. وهكذا كذلك المرأة مع المرأة. وما زاد عن ذلك لا يجوز، ما زاد عن ذلك لا يجوز. والعورة قسّمها العلماء إلى ثلاثة أقسام: عورة مغلظة، وعورة مخففة، وعورة متوسطة. فأما العورة المغلظة: فالسوأتان. وأما العورة المتوسطة: فباقي الجسد بالنسبة للمرأة -باقي الجسد بالنسبة للمرأة- إلا هذه المواضع هي مواضع الزينة. والعورة المخففة: ما قد يظهر بسبب حركة الإنسان، وما تدعو إليه الحاجة، فهذا قد يظهر، ينبغي الإنسان -يعني- يستره، ولكن إذا ظهر منه شيء أحيانا فإنه يعفى عنه في الخطأ وفي الغلط، مثل الفخذ بالنسبة للرجل، ومثل ما زاد عن هذه المواضع من أطراف جسد المرأة الذي قد يظهر أثناء العمل أو غيره مع محارمها أو بجانب النساء. ومنه: إذا ظهر شيء من ثديها أثناء الإرضاع. ولكن عليها أن تستتر، والرجل -على الصحيح- عليه أن يستر فخذه؛ لقول النبي ﷺ فيما صح عنه: «الفخذ عورة». فهذه هي عورة المرأة وعورة الرجل: من السرة إلى الركبة. فإذا ظهر شيء، فهذا من المخفف ما يلي السرة أو ما يلي الركبة، هذا مما قد يحصل كشفه، كما نبه أهل العلم إلى معنى ذلك. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: التلفظ بالشهادتين عند الدخول في الإسلام. وهذا الحديث مع حديث أخرى أصل في هذه المسألة؛ فمن أسلم يشرع في حقه أن يتشهد، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، أو عبده ورسوله. فإن أم أبي هريرة تلفظت بهذا، فدل أن هذا كان مما قد شرع لهم. هل يجوز قول الشيخ فلان لمعلم التجويد؟ وعلى من يطلق هذا؟ قول الشيخ فلان إن كان كبيرا أو كذلك تخصص في هذا العلم، فإن شاء الله مما جرى به عرف أهل العلم أن يقال لمن هو كذلك أنه شيخ. لو كان حافظا للقرآن ومعلما له، فهو -إن شاء الله- شيخ في القرآن. فمعنى الشيخ مقيد. والأمر في هذا الباب وسط، لا ينبغي أن يكون فيه مبالغة كما لا ينبغي أن يكون فيه كذلك تشديد زائد عن الحد. فليس كل أحد يقال له شيخ، حتى لا تختلط الألقاب ويغتر الناس بمن لا يصلح أن يكون مرجعا للناس بمثل هذا الباب. وفي نفس الوقت كذلك لا ينبغي التشديد حتى يمنع من يستحق مثل هذا اللفظ، بل هذا نوع من الغلو والمبالغة التي لا ينبغي. وفي الحقيقة الكثير من أهل الحق يستحق هذا اللفظ، لكن تواضعا، وكذلك دفعا لمفسدة قد تقع بمثل التساهل بمثل هذا اللفظ. فلذلك قد يتورع بعض الناس ويرون أن الأصلح ترك مثل هذا التعبير. ولا يعني ذلك أنه إذا وقع فقد وقع شيء من الخطأ الذي يكون معه منع أو تحذير أو خلاف. فالأمر وسط، لا إفراط ولا تفريط. فالخلاصة: إذا كان كبيرا في السن وحافظا للقرآن ومتفرغا لتعليمه، فهو -إن شاء الله- شيخ، ولو بالمعنى المقيد. والله أعلم.