الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 116، الدرس السادس عشر بعد المائة:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا بشر بن مرحوم ... لا يلقى الله عبد مؤمن بهما إلا حجبت عنه النار يوم القيامة.هذا حديث صحيح ورجاله ثقات). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
في غزوة تبوك، واجه المسلمون مجاعة شديدة، لكن بفضل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، كثر الطعام وملأ أزودتهم. هذا يدل على بركة دعائه ونعمة الله عليهم.
الدعاء عبادة وطاعة لله، وقد ييسر الله الأمور ويُيسر الحلول من خلاله. كما أن كرامات الأولياء دليل على صدق الأنبياء، ويُشدد على أهمية الدعاء في الشدائد.
التوحيد واليقين فيه من الفضائل ما يضمن دخول الجنة ويحرم النار. اليقين شرط من شروط "لا إله إلا الله" كما ذكر العلماء، ومن وحد الله توحيدًا صحيحًا يضمن اليقين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابي «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا بشر بن مرحوم، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، رضي الله عنه، قال: خفت أزواد القوم وأملقوا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم، فأذن لهم. فلقيهم عمر، فأخبروه، فقال: ما بقاؤكم بعد إبلكم؟ يعني ينتهي كل شيء، فأنتم جياع، وزيادة على ذلك تذبحون الإبل، فكيف تمشون في هذا السفر الطويل؟ ومعنى «أملقوا» يعني أنهوا كل شيء، حتى كأنهم أصفروا أوعيتهم وأمتعتهم من شدة الجوع وانتهاء الطعام. قال: ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نادي في الناس يأتون بفضل أزوادهم» -يعني ما بقي-. قال: فبسط لذلك نطع، وجعلوه على النطع -والنطع: القطعة اليسيرة من القماش-. قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا، وبرك عليه -يعني على هذا اليسير من الطعام الذي اجتمع-. ثم دعاهم بأوعيتهم، فاحتث الناس حتى فرغوا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله». فهي بركة من الله سبحانه وتعالى، حتى نبينا عليه الصلاة والسلام تعجب من ذلك، لأنه شيء أراده الله للمسلمين على يديه عليه الصلاة والسلام. قال: وقال الإمام مسلم، رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي النضر، قال: حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم، قال: حدثنا عبيد الله الأشجعي، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير، فنفدت أزواد القوم، حتى همَّ بنحر بعض حمائلهم -يعني بعض القوم-. أو عندكم «همو» إيش عندكم؟ هل في نسقة؟ -يعني إذا قال «حتى همَّ» فيكون الفاعل محذوف، هم القوم أو الناس-. قال: فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم، فدعوت الله عليها. قال: ففعل. قال: فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره. قال مجاهد: وذو النواة بنواه -النواة-. قال: قلت: وما كانوا يصنعون بالنواة؟ قال: كانوا يمصونها ويشربون عليها الماء. وهذا يدل أن الشدة كانت تمر عليهم بين الحين والآخر، وإلا الذي يأكل التمر في الغالب لا يفكر أنه سيأتي عليه وقت يحتاج أن يمص النواة، يأكل التمر ويرمي بالنواة، لكن من مرت به شدائد يعرف أنه يتمنى النواة، يمصها مصًا، ويأكل ما حولها من قشرها، فالنقير والقطمير وباقي الحلاوة على النواة كله يمص ويأكل، حتى لا يبقى شيء من شدة الجوع. وهذا يدل -كما قلنا- أن الجوع كان يتكرر عليهم، ولهذا كانوا إذا أكلوا التمر أبقوا النواة. قال: كانوا يمصونها ويشربون عليها الماء. قال: فدعا عليها، حتى ملأ القوم أزودتهم. قال: فقال عند ذلك: «أشهد أن لا إله إلا الله، أني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة». قال: وحدثنا سهل بن عثمان، وأبو كريب محمد بن العلاء، جميعًا عن أبي معاوية، قال أبو كريب: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه. قال الشيخ: هذا التردد لا يضر الحديث، لأن الأشجعي قد جزم أنه أبو هريرة، وأيضًا الصحابة كلهم عدول، فلا يضر -يعني سواء عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد-. قال أبو سعيد: شك الأعمش، قال: لما كان غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افعلوا». قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر. وغزوة تبوك كانت في حر شديد، وفي بلاد بعيدة، فإن الظهر إذا قل، كيف لهم أن ينتقلوا في شدة الحر، ويحملوا ما معهم من أمتعة؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افعلوا». قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادعوا الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم». قال: فدعى بنطع، فبسطه، ثم دعى بفضل أزوادهم. قال: فجعل الرجل يجيء بكف درة، ويجيء الآخر بكف تمر، ثم قال: ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير. والنطع أصلا صغير. قال: فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بالبركة، ثم قال: «خذوا في أوعيتكم». قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن رسول الله، لا يلقى الله به معبد غير شاك فيحجب عن الجنة». قال: وقال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا علي بن إسحاق، قال: أنبأنا عبد الله -يعني ابن المبارك-، قال: أنبأنا الأوزاعي، قال: حدثني المطلب بن حنطب المغزومي، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، قال: حدثني أبي، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فأصاب الناس مخمصة، فاستأذن الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحر بعض ظهورهم، وقالوا: يبلغنا الله به. فلما رأى عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم أن يأذن لهم في نحر بعض ظهورهم، قال: يا رسول الله، كيف بنا إذا نحن لقينا القوم غدًا جياعًا رجالًا؟ -يعني لا طعام، وجوع شديد مع ذلك على أرجلنا-. قال: ولكن إن رأيت يا رسول الله أن تدعو لنا ببقايا أزوادهم، فتجمعها، ثم تدعو الله فيها بالبركة، فإن الله تبارك وتعالى سيبلغنا بدعوتك -أو قال: سيبارك لنا في دعوتك-. فدعى النبي صلى الله عليه وسلم ببقايا أزوادهم، فجعل الناس يجيئون بالحثية من الطعام وفوق ذلك -والحثية: ما لا يملأ الكف الواحد، يعني ثلث الكف تقريبًا أو نصفه إن زاد-. وقال: وكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر. فجمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام فدعى ما شاء الله أن يدعو، ثم دعى الجيش بأوعيتهم، فأمرهم أن يحتثوا، كل يأخذ بوعائه. قال: فما بقي في الجيش وعاء إلا ملؤوه، وبقي مثله -يعني كأنه لم ينقص منه شيء-. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله عبد مؤمن بهما إلا حجبت عنه النار يوم القيامة». قال شيخنا: هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث بطرقه، ليشير به رحمه الله إلى ما في هذه الطرق من هذا المعنى الذي يدخل فيما نحن فيه، من أن من دلائل نبوته وعلامات صدق رسالته عليه الصلاة والسلام، ما كان عليه من استجابة الدعاء عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك البركة في الطعام اليسير ليكفي القوم الكثير. وهذا قليل من كثير من هذا الباب -أي من علامات ودلالات صدق رسالته ونبوة عليه الصلاة والسلام- إجابة الدعاء، والبركة بدعائه، أحيانًا في الماء، أحيانًا في الطعام. فهذا المعنى من مواضع دلائل النبوة، ولهذا أورده من ألف في دلائل النبوة، كالبيهقي وغيره. فذكره شيخنا رحمه الله هنا، الذي اشترط في كتاب أن يذكر الصحيح مما ذكره أهل العلم مسندًا في مسائل دلائل النبوة. وهذه الروايات كلها في هذا الحديث تدل على هذا المعنى، ودلالته ظاهرة، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه تعجب مما بارك الله عز وجل الناس في شدة جوع، والطعام شيء لا يذكر، وإذا بالبركة تحل حتى يكفي الجيش جميعًا، ويملأ الأوعية، ويزيد مثله. وفيه من المسائل كذلك فضل الدعاء وهميته، فلا ينبغي للمسلم أن يزهد في الدعاء في أموره العامة والخاصة، وفي أمر الفرد والجماعة، فالدعاء له شأن عظيم في ديننا، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام: حتى المسلم أن يدعو ربه حتى في شسع نعله، حتى نعلك إذا انقطع، فلا تزهد في أن تدعو الله عز وجل أن يعينك على إصلاحه. أحيانًا ينقطع نعلك وأنت في مكان لا تجد عونًا أن تجد بديلًا لهذا النعل في شدة الحر أو في شدة البرد، فكيف تصنع؟ ادع الله أن الله يعينك على إصلاح هذا النعل. فما تدري إلا ويسر الله لك ما يكون عونًا لك، أحيانًا بإيجاد من يعينك أو يعيرك أو يهديك، وأحيانًا بأن تجد وسيلة وفكرة تعينك على إصلاح النعل، وأحيانًا أن تجد شيئًا آخر لم تكن تتوقع أن تجده يكون عونًا في إصلاح نعلك، وغير ذلك. فإذا كان الحث من الشرع حتى على إصلاح النعل أن يدعو الإنسان، فما فوقه من باب أولى. كم تمر بالإنسان من حوائج دينية ودنيوية، فلا ينبغي أن يزهد في الدعاء، الدعاء شأنه عظيم. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام رأى الشيء العجيب في ما استجاب الله له من أمر الدعاء والبركة في دعائه. قد يقول قائل: هذا نبينا عليه الصلاة والسلام. الجواب: ولو كان هذا النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أن هذه الأمة يصلها من خيري وبركتي هذا الدين ونبيها الكريم عليه الصلاة والسلام ما هو علامة، وكذلك دليل على توفيق الله عز وجل لها. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وغيره من العلماء: كرامات الأولياء هي من دلائل صدق الأنبياء. كرامات الأولياء من دلائل صدق الأنبياء -يعني من تصديق ربنا جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام أن يجعل الكرامات على يد أتباعه، يكرمهم بكرامات-. وهذه الكرامات يصل إليها من يصل من المؤمنين بتقوى الله عز وجل، بعد الإيمان: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. ثم بعد ذلك الدعاء في حد ذاته عبادة، يتعبد المسلم بها ربه، فلو لم يستجب الله لك، يكفيك أنك تنال فضل هذا الدعاء بالتعبد لله، وما يدخره الله لك في عاجل أمرك الآتي أو آجله الباقي عنده سبحانه وتعالى. وهكذا فيه من المسائل البركة وإثباتها، وهذه البركة وإن كانت مما وقعت لنبينا عليه الصلاة والسلام، وكانت من مواضع دلائل نبوته، لكن لا يعني ذلك أنه لا يقع لهذه الأمة، بل يقع لهذه الأمة، وله أسباب حث عليها الشرع، من هذه الأسباب الاجتماع، اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه. ومن هذه الأسباب كذلك الدعاء، فالدعاء والاجتماع والتعاون من أسباب البركة. فلذلك لا مانع إذا ابتلي جيش من جيوش المسلمين بمثل هذا الابتلاء، أن يفعلوا كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته، أن يجمعوا ما عندهم من طعام، ويدعوا الله عز وجل أن يبارك لهم فيما معهم من طعام، فسيجعل الله البركة أحيانًا بتكثير الطعام، وأحيانًا بإشباع الناس، وأحيانًا بإيجاد ما يكون سببًا في إغناءهم بشيء آخر، وكل ذلك ليس على الله ببعيد. وفيه من المسائل كذلك فضل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، فإن ما وصل إليه الصحابة من منزلة، وما كان لهم من كرامة وفضل، كان بما كان من سابق عملهم الذي صدق الإيمان، وبرهن الإسلام، فرضي الله عنهم أرضاهم. وفيه صبرهم، رضي الله عنهم، وفيه بذلهم، وهكذا كذلك حرصهم على نصرة هذا الدين، فقد بلغوا دين الله عز وجل، وبذلوا في ذلك القليل والكثير. فهكذا في هذا حث على كل من أراد فضل الله عليه في دنياه وأخراه، فعليه بعلم نافع، عمل صالح يصدق فيه مع ربه سبحانه وتعالى، فليس الأمر بالأماني والأوهام التي يزينها الشيطان، ولكن لا بد أن يكون هناك ما يبرهن ويصدق هذا الإيمان والإسلام. وكذلك فيه من المسائل ما كان عليه خلق نبينا عليه الصلاة والسلام من الشورى، فدخول عمر على النبي عليه الصلاة والسلام، ووضع الرأي له، كان لعلمه أنه عليه الصلاة والسلام يحب الشورى من غيره. وهذا كثير في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وسيرة الصحابة. وهكذا كذلك فيه من المسائل التأني في وقت الشدائد، فليس كل ما يراه الإنسان رأيًا يكون صائبًا، فإنه قد يكون في أول الأمر صائبًا، لكنه إذا دول بين الناس وبين أهل الرشد والحل والعقد، ربما وجد ما هو أصوب منه وأكمل. وكم يقع في واقع حياة الناس مثل ذلك، وفي سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام وصحابة الكرام، رضي الله عنهم، لنا في ذلك عبرة. وفيه من المسائل كذلك فضل التوحيد واليقين فيه، فإن من وحد الله عز وجل توحيدًا تضمن اليقين، كان له فضل هذا التوحيد من دخول الجنة وتحريم النار. ولهذا ذكر العلماء من شروط «لا إله إلا الله» اليقين. نكتب بهذا القدر وإلى هنا، والله تعالى أعلم.