الدرس الرابع والثمانيون:من( قال الإمام البيهقي رحمه الله في دلائل النبوة:حدثنا أوب عبدالله الحافظ ... الكهان والجن وأهل الكتاب من حديث أبي أسامة مطولاً وليس فيه وزاد غيره )
يبرز المقطع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الممارسات الجاهلية، ويشير إلى حديث زيد بن حارثة الذي يدل على طهارة فطرة النبي قبل الإسلام. يُظهر هذا عصمته منذ البداية.
يناقش المقطع حكم التمسح بالأصنام والقبور، ويبين أن هذا الفعل يعتبر شركًا أكبر إذا كان بقصد التعظيم ورجاء النفع. يُفرق بين التمسح الشرعي وغير الشرعي.
يشرح المقطع الفرق بين تعظيم العبادات لله وتعظيم المخلوقات، ويبين أن معرفة التوحيد فطرية ولكنها تتأثر بالعوامل الخارجية. يُظهر أهمية التفريق بين التعظيم الشرعي والشرك.
يؤكد المقطع على مسؤولية ولي الأمر تجاه من تحت رعايته، سواء في الولاية العامة أو الخاصة، ويشدد على أهمية تعليمهم وتوجيههم بشكل صحيح.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابي الصحيح المسند من دلائل النبوة: قال رحمه الله تعالى: قال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في دلائل النبوة: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان العامري، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا محمد بن عمر، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب السلمي، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة، قال: «كان صنم من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمسه»، قال زيد: «فطفنا فقلت في نفسي لأمسنه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تنه عن هذا الفعل؟»، قال: قلت: زاد فيه غيره عن محمد بن عمر بإسناده، قال زيد: «فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه»، قال: هذا حديث حسن. وينظر في قوله: قلت، زاد فيه من الذي زاد، فقد تقدم فيما جاء عن الكهان والجن وأهل الكتاب من حديث أبي أسامة مطولًا، وليس فيه: وزاد غيره. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكر دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته، وأن من دلائل نبوته عصمته عليه الصلاة والسلام من الأمور الجاهلية، ومن ذلك أنه لم يتمسح بصنم في جاهلية ولا إسلام، فهو عليه الصلاة والسلام لم يمس شيئًا من الأصنام ويتمسح بها حتى قبل بعثته عليه الصلاة والسلام، وهذا من عصمة الله عز وجل إذ كرها إليه وبغض فعل المشركين، فكان يكرهه ويبغضه، وفطر على عدم الرغبة والميل إليه، وهذا من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. ومر معنا هذا الحديث في أوائل الكتاب مطولًا، وفي الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، وفي بعض ألفاظ تلك الروايات المطولة بعض ما أنكره أهل العلم، ولهذا بعض أهل العلم تكلم في تلك الألفاظ إما من جهة تصحيحها، فاختلفوا في تصحيحها وعدم ذلك، ومن صححها فوجهها بتوجيهات سبق الكلام عليها. لكن الشاهد هنا في هذه الرواية هو هذا: كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يمس صنمًا ويتمسح به، وأنه نهى مولاه أو عبده في ذاك الوقت قبل أن يعتقه زيد بن حارثة أن يمس شيئًا من هذه الأصنام، وهذا هو موضع الشاهد. وفيه مسائل أخرى، من هذه المسائل: أن من الشرك أن يمس الإنسان الصنم أو ما يعبد من دون الله على وجه التعظيم ورجاء النفع ودفع الضر، حتى لا يقول قائل: إن الشرك فقط بالسجود لغير الله، فليس هذا بصحيح، بل الشرك يتناول أشياء كثيرة أقوالًا وأفعالًا، كل ما كان منها فيه معنى التعظيم والخضوع والذل لغير الله فهو من الشرك؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تجوز إلا لله. وكل ما رجي فيه النفع والضر فهو من الشرك، ولا يجوز أن يكون ذلك إلا من الله، فحتى المسحة يمسحها الإنسان يكون بها مشركًا إن قصد بها خضوعًا وذلًا وتعظيمًا وراجى بها نفعًا أو دفع ضر، فإنه يكون من الشرك. فإن المشركين كانوا يمسحون بالأصنام مسحة بالأيدي، لكن هذه المسحة فيها تعظيم ومحبة وإجلال وخضوع وذل، ومعها رجاء حصول نفع أو دفع ضر، فكان من شرك المشركين. وكذلك اليوم من يمسح بالقبر أو بالتابوت أو بالستور على القبور والتوابيت، أو كذلك بالقباب أو السقائف أو غير ذلك مما يكون فيه هذا المعنى، فإنه يكون من الشرك، لا فرق بين من مسح صنمًا من نحاس يقال له أساف أو نائلة فكان مشركًا شركًا أكبر، وبين من مسح قبرًا أو تابوتًا أو ستارًا على قبر أو قبة أو حتى ترابًا يأخذه بكفه، فكل ذلك من الشرك الأكبر الذي يخرج من دين الإسلام. فإن شرك المشركين الأولين إذا وقع لغير تلك الأصنام لم يخرجه عن كونه شركًا، فالعبرة بوقوع الشرك لا بالمعبود الذي يعبد من دون الله، فكل ما عبد من دون الله فهو باطل وشرك، لا فرق بين حجر وشجر وبين صنم وقبر وبين شجرة وتابوت أو غير ذلك، فكل ما عبد من دون الله عز وجل يقع به الشرك ويحكم على صاحبه بالشرك. ولكن قد يجهل الناس مثل هذا، فيبين لهم ويعلمون أن هذا من الشرك، كما أن زيد بن حارثة كان يجهل أن هذا مما يكره ويبغض بالفطرة فضلًا عن الشرع، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تنزل عليه الشريعة، فكذلك يعلم جهال الناس أن ما يفعلونه فيما يذهبون من زيارات القبور فيتمسحون ببعض القبور أو التوابيت أو تربتها أو ستورها أو الحجرة أو غير ذلك، كل ذلك من الشرك الأكبر. حتى قال بعض أهل العلم: هذا يتناول حتى البيت الحرام، حتى الكعبة، الكعبة يمسحها الإنسان وهو يمتثل سنة النبي صلى الله عليه وسلم، يمسح الحجر الأسود ويقبل أو الركن اليماني من دون تقبيل، لكن يمسحه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ليس خضوعًا ولا ذلًا ولا تعظيمًا يكون فيه إشراك بالله عز وجل. ولهذا قال عمر لما قبل الحجر الأسود: «أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك»، فإذا كان كذلك، فمن تمسح بالكعبة يريد منها نفعًا وضرا على طريقة المشركين، كان فعله هذا من الشرك، لكن المشروع هو أن يمسح ما جاز مسحه ويقبل ما جاز تقبيله، ولا يعتقد أنه ينفع ويضر، بل امتثالًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. أنت تسجد على الأرض وليس معناها أنك تعظم الأرض، تسجد على الأرض تعظيمًا لله سبحانه وتعالى، وهكذا كذلك تدخل إلى المساجد وتتعبد لله، وهذه العبادة تريد بها ماذا؟ تريد بها وجه الله، فأنت تعظم هذه المساجد تعظيمًا لله، وليس تعظيمًا لذاتي المسجد حتى يصير قلبك متعلقًا به فترجو منه نفعًا أو ضرا كما يفعل المشركون بمواضع شركهم، لا، أهل الإسلام ليس كذلك، بل كل شيء يحب لله، وليس شيء يحب لذاته إلا الله سبحانه وتعالى، ليس شيء يرغب فيه ويرجى إلا الله سبحانه وتعالى، وكل ما سوى الله مما أمر الشرع بحبه أو تعظيمه فهو محبوب ومعظم لله سبحانه وتعالى. وهذا الفرق بين الموحد وبين المشرك؛ لأن المشرك لا يفرق بين الوسائط وبين ما يجب أن يخلص، فالذي يجب أن يخلص له العبادة هو الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل: أن معرفة التوحيد لا تقتصر على العلم الذي جاءت به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكنه كذلك فطر عليه الخلق، فقد فطر الخلق على أصل الفطرة وهي التوحيد، والأدلة على هذا من الكتاب ومن السنة كثيرة، فإن الإنسان فطر على التوحيد، وفطر كذلك على معرفة ربه سبحانه، ولكن من الذي غيره؟ ومن الذي كذلك شوش فطرته؟ شياطين الجن والإنس ممن يغيرون فطرة بني آدم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». وأنت ترى الطفل الصغير أول ما يولد ما يعرف الكذب، ما يعرف إلا الصدق، فيه البراءة، فيه الصدق، فيه الأمانة، فيه الرحمة، فيه صفات كلها من الصفات الجميلة الحميدة، فإذا خالط من خالط من أهل بيته أو جيرانه أو غيره اكتسب من الأخلاق ما يشوش ذاك الصفاء. كان صافيا كاللبن، كان كالزجاج ليس عليه شيء، فاكتسب أخلاقًا من من جاوره، صار بعد صدقه يكذب، وصار بعد أمانته يخون، وصار بعد كذلك رحمته يبطش وينتقم ويحسد، وكل هذه الصفات مكتسبة لم تكن فيه، فهو فطر على الصفاء والنقاء. وهكذا في توحيده لو ترك الإنسان على فطرته فإنه على أصل الفطرة يعرف ربه سبحانه وتعالى، ولكن شياطين الجن والإنس هم الذين يغيرون، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام كذلك: «أن الله خلق عباده حنفاء، فاجتالتهم الشياطين»، اجتالتهم الشياطين أي جرتهم وسحبتهم بالشبهات وبما يعيشه الناس من مجتمعات باطلة فيها من الشرك، فصار الناس يتابعون تلك المجتمعات إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وهذا الذي هو أضل أكثر الخلق. وهكذا كذلك من مسائل هذا الحديث: ما يجب على ولي الأمر الولاية العامة أو الخاصة الصغيرة أو الكبيرة من تعليم من تحت رعايته والاهتمام والاعتناء به حتى ولو كان عبدًا، فإذا كان ابنًا أو زوجة أو غير ذلك فمن باب أولى. هذا خلاصة ما يذكر في الحديث، به نكتفي، والله تعالى أعلم. هذا يسأل عن مسح الكعبة هل من الشرك؟ قد سمعت التفصيل في ذلك.