الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 120، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش آراء الزنادقة والدهرية حول آلام الحيوانات، ويستعرض رد ابن القيم على تلك الشبهات. يحذر من خطر البدع والأهواء التي قد تؤدي إلى الإلحاد.
يتحدث عن خطورة التعمق في الباطل دون تحرٍ أو رجوع إلى العلماء، ويحذر من التأليف والكتابة في المسائل الدينية دون علم كافٍ. يشير إلى أن العلماء كانوا يتأنون في التأليف حتى بعد الأربعين عامًا.
يُناقش خطورة الانغماس في البدع والضلالات، ويستشهد بقصة عبد الله القصيمي الذي انحرف بسبب الجرأة والحدة في الجدال. يُظهر كيف أن الانغماس في الضلالات يمكن أن يؤدي إلى نتائج وخيمة حتى بعد التوبة.
يتحدث عن خطر الفتنة والضلال الذي قد يتعرض له الإنسان، ويحذر من الانحراف عن الحق كما حدث مع بعض الأشخاص مثل أبي عيسى الوراق. يشدد على أهمية الحذر والرجوع إلى العلماء.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «وقالت الزنادق والدهرية: كل ذلك من تصرُّف الطبيعة وفعلها، وليس لذلك فاعلٌ مختار مدبرٌ بمشيئته وقدرته، ولا بدَّ في النار من إحراق ونفع، وفي الماء من إغراقٍ ونفع، وليس وراء ذلك شيء». فهذه مذاهب أهل الأرض في هذا المقام. تقدَّم معنى الكلام على هذا، وأن هذا فيما يتعلق بآلام الأطفال والحيوانات ونحوها، وعلاقة ذلك بكون الله عز وجل يخلق الخير والشر، وكذلك معنى ذلك مع عدل الله سبحانه وتعالى. وقد تقدَّم الجواب على ذلك بما يُغني عن الإعادة في الأدلة الشرعية والأمثلة والشواهد من الحس، وكذلك العقل وغير ذلك. قال رحمه الله: «لما انتهى أبو عيسى الوراق إلى حيث انتهت إليه أرباب المقالات، طاش عقله، ولم يتسع لحكمة إيلام الحيوان وذبحه، صنَّف كتابًا سماه "النوح على البهائم"، فأقام عليها المآتم، وانباح بالزندقة الصراح». وأبو عيسى الوراق رجل معتزلي، كما أشار في التعليق محمد بن هارون. انتهى به الأمر، وهكذا البدع تتدرج، انتهى به الأمر إلى الإلحاد، وصار مؤاخيًا لابن الراوندي الملحد. وهذه طريقة أهل البدع والأهواء؛ فإن اللوازم تتبعهم، ولا يزالون من لازمٍ إلى لازمٍ حتى يخرجوا من دين الإسلام؛ لأنهم بنوا عقائدهم على باطل، ونهاية الباطل الخروج من الإسلام. وأبو عيسى الوراق كان مجادلاً، على ذكائه، وألف كتبًا كثيرة. ونريد أن نقفها هنا وقفة: كيف أن الإنسان إذا وقع في شيء من الباطل، فإن الناس لا يستوون في الدخول في الباطل؟ إنسان دخل في الباطل فوقف يتأمل ويسأل ويتحرى، هذا لعله يرجع. لكن إنسان تعمق في الباطل فجادل وألف المؤلفات. ولهذا إذا ذكر في ترجمته يقولون: «صاحب التأليف والمصنفات، كتب كثيرًا، ما من مسألة إلا وكتب فيها». انظروا حتى هذه المسألة اليسيرة ألف فيها مؤلف «النوح على البهائم»، يعني يتظلم للبهائم، كأن البهائم مظلومة ظلمت في دين الله، وأنها على طريقة مذهب أهل السنة تصير البهائم مظلومة، ولم يجد الإنصاف لها حتى على طريقة المعتزلة. ولذلك كما حار عقله انتهى به إلى التعريض بالإلحاد، وهذا ما كان بداية إلحاده الشديدة، لم يجد له تفسيرًا بعقله، بدأ يعارض ويضاد الشرع ويعرض تعريضًا حتى انتهى به الأمر إلى الكفر والإلحاد. ولذلك ينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا عبرة، أنه إذا وقعت عنده بعض الإشكالات والشبه، ينبغي أن يتأنى فيها ويرجع إلى من هو أعلم منه، ولا ينبغي أن يخوض على قلة علمه وكثرة جهله بنفسه، ويرتجلها ارتجالاً، فضلاً أن يصنف فيها ويكتب. كم عسى أن تكون حين تعاجل بالكتابة والتصنيف؟ وقد كان العلماء على سعة علمهم لا يرضون بالتأليف إلا بعد الأربعين عامًا وأكثر. ومن تجرأ في الفتن قديمًا وحديثًا إنما تجرأوا فيها لأنهم خاضوا فيها وهم قبل الأربعين، خاضوا في الفتن ودخلوا في الخصومات في الدين وهم قبل الأربعين. لو أنهم تأنوا وما خاضوا في الخصومات إلا بعد الأربعين، ما حصل منهم الكثير مما حصل. لكن لأن الكثير منهم تعجل أمر نفسه، فخاض فيما لا يعنيه، ولم يجوز له الدخول فيه، فكان نهاية أمره الإنغماس في الضلال بعمق، وعند ذلك لا يستطيع الخروج منه. كما كان يقول ابن العربي رحمه الله عن شيخ الغزالي: «قال شيخنا: ابتلع علم الكلام فما استطاع أن يتقيأه، دخل فيه مبكرًا وتاب منه مؤخرًا، فما استطاع أن يخرج مما تاب فيه أو تاب منه». وهكذا حال من غمس في الضلالات والبدع بشدة، ونهاية أمره حتى لو تاب ورجع لم يستطع أن يرجع رجوعًا كاملاً صحيحًا، فضلاً أن الكثير منهم والعياذ بالله نهاية أمرهم إلى الإلحاد. ولنا عبرة برجل آخر من المعاصرين، وهو عبد الله القصيمي. عبد الله القصيمي كان ذكيًا، ولكن كان فيه جرأة وحدة وشدة استشراف للجدال والمخالفة وحب الظهور، أربع صفات كانت سببًا في والعياذ بالله انحرافه، حتى كان يتجنى على مشائخه، وكأنه يقول: «أنا هنا». ومع الحدة تسبب قلة أدب وتطاول على الكبار وجرأة وعجب، وهذا كذلك يجعله في ناحية بعيدة عن طريق أهل العلم حقًا وصدقًا. ولذلك كان شيخنا مقبل رحمه الله يقول: «كان شيخنا عبد الله بن حميد يقول: إن هذا لن يفلح -أي عبد الله القصيمي-». وكان من زملاء الشيخ مقبل رحمه الله، ومن تلامذة عبد الله بن حميد يحضرون في حلقة واحدة. كان عنده جدال وجرأة وحدة، وشيء من العجب والغطرسة، حتى أن الشيخ عبد الله بن حميد كان يكف عن مناقشته ومجادلته لأجل ما يعلم أو لما علم من أن غرضه ليس الوصول إلى الحق، ولو كانت مسائل علمية. فانظروا ابتدأت بهذا ولهذا، لما كتب في ردوده على الملحدين وعلى أعداء دعوة التوحيد، كانت ردوده قوية وفيها جرأة وحدة، ولكن سرعان ما انتهى به الأمر؛ لأنه اتخذ الجدال في الدين طريقة يسير عليها، فانتهى به الأمر إلى الإلحاد والعياذ بالله. فمات في أحضان مومسات لبنان، حتى كان يقول: «استبعدوا على الله» أو عبارة بمعناها أن يدخل الله هؤلاء الجميلات النار. هؤلاء الجميلات النار. انظروا كيف فتن على آخر عمره، والمسلم من سلمه الله. ولنا عبرة بأمثال هؤلاء، فالشاهد أبو عيسى الوراق تدرجه في المقالات أورده إلى أن يقول بالإلحاد. والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه، السلام.