طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 118

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 118

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 118، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شهادة الله تعالى لأهل العلم وبيان فضلهم

يذكر الشيخ شهادة الله تعالى لأهل العلم بالإيمان والعلم، ويفرق بينهم وبين من يخالفهم في الفهم والإدراك. يستشهد بآيات من القرآن الكريم وكلام الإمام ابن القيم لتوضيح هذه الشهادة.

انتقاد أهل التعطيل والتخيل وتحريفهم للنصوص

ينتقد المقطع أهل التعطيل والتخيل الذين يحرفون نصوص العقائد ويقدمون العقل على السمع. يبين أن أدلة الكتاب والسنة تدل على وجوب الالتزام بالنصوص الشرعية.

خطأ قياس الأمور الغيبية على الحسية وأسبابه

السبب في الخطأ هو قياس الأمور الغيبية على الحسية، حيث يعتبرون ما يأتي من العقل قطعيًا وما يأتي من الشرع ظنيًا. هذا خطأ من وجهين: الأول أن القطع بالأمور الحسية قد يتغير باختلاف الزمان والمكان، والثاني أن قياس الغيبيات على الحسية غير صحيح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. نسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال وقد أشهد الله سبحانه عباده الذين أوتوا العلم والإيمان أن الأمر كأكس ما قالوه، وأن كلامه وكلام رسوله هو الشفاء والعصمة والنور الهادي والعلم المطابق لمعلومه، وأنه هو المجتمل على القواطع العقلية السمعية والبراهين اليقينية. وأن كلام هؤلاء المتهوكين الحيارة المتضمن لخلاف ما أخبر به عن نفسه، وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، هو الشبهات الفاسدة والخيالات الباطلة، وأنه كالسراب الذي يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب». وهؤلاء هم أهل العلم حقا الذين شهد الله سبحانه لهم به، فقال تعالى: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد﴾. ومن سواهم من الصم البكم الذين قال الله فيهم: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾. وقال تعالى: ﴿فمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب﴾. وكان ما شهدوه من ذلك بالعقل والفطرة، لا بمجرد الخبر، بل جاء إخبار الرب تعالى وإخبار رسوله مطابقا لما في فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة، فتضافر على إيمانهم به الشريعة المنزلة والفطرة المكملة والعقل الصريح، فكأن العقل أو حقا وعقولهم هي المعيار. فمن خالفها فقد خالف صريح المعقول والقواطع العقلية. ومن أراد معرفة صحة هذا فليقرأ كتاب شيخنا، وهو «بيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح»، وهو المسمى «بدرع التعارض العقل والنقل». كما في التعليق عندكم قال: «فإنه كتاب لم يطرق العالم له نظير في بابه، فإنه هدم فيه قواعد أهل الباطل من أساسها، فخرت عليه سقوف من فوقهم، وشيد فيه قواعد أهل السنة والحديث وأحكمها ورفع أعلامها وقررها بمجامع الطرق التي تقرر بها الحق من العقل والنقل والفطرة والاعتبار، فجاء كتابا لا يستغني من نصح نفسه من أهل العلم عنه، فجزاه الله عن أهل العلم والإيمان أفضل الجزاء، وجزى الله العلم والإيمان عنه كذلك». هذا تتمة أهل الفصل المتقدم في كلام أهل التخيل والتعطيل من الفلاسفة والباطنية أهل التخيل، وكذلك القدرية والجبرية وسائر معطلة الصفات من الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية. فهم عطلوا نصوص العقائد زعما منهم أنها ليست على ظاهرها. فجعل أهل التخيل كما تقدم معنا أن لها ظاهر غير هذا الظاهر، وهو الباطن الذي تخيلوه بعقولهم الفاسدة. وذهب أهل التعطيل إلى تحريفها إلى معاني أخرى كما تقدم معنا، أخذوها من وحشي اللغة وشاذها والمجازات البعيدة والألغاز المعقدة واللغات المحرفة المهجورة، ثم زعموا أن هذا هو المقصود من تلك الألفاظ. وجعلوا الأصل هو العقل، ثم سموا ما في العقل قواطع وما في الشرع سمعا، فقدموا كما زعموا العقل القاطع على السمع المنقول. وهذا هو أكبر الضلال الذي به انحرفوا. وقد علمنا بالأدلة الشرعية فيما تقدم، وفي هذه الخاتمة إشارة إلى بعض ذلك، كيف أن أدلة الكتاب والسنة تدل على وجوب الالتزام بما في الكتاب والسنة من النصوص الشرعية التي يسمونها المسموعة. فهذه يجب الإذعان بها ولها. فالله أعلم بنفسه وبغيره، وما ادعوا فيه القطع في الأمور العقلية تقدم معنا أنه بالحس والتجربة وأدلة الشرع وسائر الأدلة الأخرى أنها ليست كذلك. وقد ضربنا عددا من الأمثلة في أشياء تكون مقطوعة كما يزعمون، ويحيل العقل خلافها، ومع تغير الزمان والمكان وتغير الحال والعلم يتحول هذا المقطوع المحال إلى ضد. ومرت معنا بعض النظائر والأمثلة على ذلك، وعلمنا سبب الخطأ في هذا الباب. من يذكر لنا سبب الخطأ؟ سبب الخطأ في أنهم جعلوا ما يأتي من العقل قواطع وما يأتي من الشرع ليس بقاطع، ما هو السبب؟ قاسوا الأمور الحسية العقلية على الأمور الغيبية. قاسوا الأمور الحسية العقلية على الأمور الغيبية. وقلنا لكم مثال ذلك، يعني عندهم يقولون إذا جاء الخبر فهو يحتمل الصدق والكذب، ولكن إذا أحسست الشيء بيدك فبالعقل نقطع أنه ماذا؟ أنه صحيح واقع. فمثلا عندهم يعني كون أن النار محرقة علم هذا بالعقل والحس والتجربة، وعندهم هذا قطعي، وما يأتي من الشرع هو ظني هكذا قالوا، لأن الخبر يحتمل الصدق والكذب. وهذا خطأ من وجهين. الوجه الأول: قلنا أن ما ادعوا فيه أنه ثبت بالحس مقطوع وأنه يحيل العقل زواله، قد يزول باختلاف الزمان والمكان وباختلاف الحال والعلم. مثال: يعني مثل الأشياء التي كانت في السابق محالة، فعندهم محسوس يحيل العقل أن الحديد ينطق، هذا في زمان متقدم قبل ألف سنة محال، وهو قطعي عندهم. وليس بقطعي، قطعي اليوم العكس، العقل لا يحيل أن يتكلم الحديد، لا يحيل أن يتكلم الحديد، بل صار هذا هو القطعي. إذن ما كان بالأمس قطعي صار اليوم عكس محال، والقطعي ضده. هذا بالنسبة للأمور المادية الحسية التي استدلوا بها، فيقال لهم ما ادعيتم فيه القطع فإنه قد يدعى ضده إذا اختلف الزمان والمكان والعلم والتجربة. ثم الخطأ الثاني: أنه من الخطأ أن يقاس الأمور الغيبية على الأمور الحسية، هم قاسوا الأمور الغيبية على الأمور الحسية، قالوا الأمور الحسية قطعية، إذن العقل إذا تصور شيئا غيبيا فهو القطع. وهذا خطأ، الغيب ما يعلمه إلا الله، ولا يمكن للإنسان أن يخوض في الغيب، بل حذر الشرع من الخوض في الغيب. وهم خاضوا أكثر الخلاف معهم في الغيبيات، أو في المحسوسات في الغيبيات، تكلموا في صفات الله وهي من الغيبيات، وتكلموا في القدر وهي من الغيبيات، وتكلموا في مسائل الإيمان وهي من الغيبيات، وكل هذا مما لا يستطيعه الإنسان على ضعفه، بل نهي الإنسان عن الخوض فيه. فهذا هو وجه الخطأ أنهم قاسوا الأمور العقلية الحسية، جعلوها سببا بأن يحكموا ذلك في الأمور الغيبية. وهنا جاء الضلال كما تقدم. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.