طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 117

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 117

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 117، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريف المعاني في النصوص الشرعية وآراء ابن القيم

يناقش تحريف المعاني في النصوص الشرعية وتأويلات بعض الناس البعيدة عن الحقيقة. يعتمدون على آراء فاسدة ويردون النصوص الصريحة التي تتعارض معها.

انتقاد منهج التفويض في التعامل مع آيات الصفات

ينتقد منهج التفويض الذي يتبعه بعض الناس في قراءة آيات الصفات دون فهم معانيها. يبين أن هذا المنهج باطل ويتناقض مع قواعد العقل والنقل الصحيح.

ضلال المتكلمين في قياس الأمور الغيبية على الحسية وتأثيره

يشرح كيف أن قياس الأمور الغيبية على الحسية يؤدي إلى الضلال. يؤكد أن هذا القياس الخاطئ هو أساس ضلال المتكلمين وتبريرهم لمخالفة كلام الله ورسوله.

ضلال أهل التعطيل ونتائج آرائهم

يتناول ضلال أهل التعطيل من المتكلمين ومسلكهم الضال نتيجة لآرائهم وأفكارهم. يختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشهر أن يقدم لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال ثم أصلوا أصلاً في رد هذا المتشابه إلى المحكم، وقالوا: الواجب فيما خالف هذه القواطع العقلية -بزعمهم- من الظواهر الشرعية أحد أمرين». فجعلوا ما في عقولهم الفاسدة قواطع، وما في الشرع متشابه. وقالوا: الواجب فيما خالف هذه القواطع العقلية -بزعمهم- من الظواهر الشرعية أحد أمرين: إما تخريجها على ما يعلم العقلاء أن المتكلم لم يرده بكلامه، من المجازات البعيدة والألغاز المعقدة، ووحشة اللغات والمعاني المهجورة التي لا يعرف أحد من العرب عبارة عنها بهذه العبارة، ولا تحتمل لغة القوم البتة. وإنما هي محامل أنشأوها هم، ثم قالوا: نحمل اللفظ عليها. فأنشأوا محامل من تلقاء أنفسهم، وحكموا على الله ورسوله بإرادتها بكلامه، فأنشأوا منكرًا، وقالوا زورًا. وهذا مثل تحريفهم في الصفات، ومثله في العقائد والقدر، فإنهم اختلقوا معاني لبعض الألفاظ التي جاءت في الشرع ليكيفوها على ما هم عليه من عقيدة فاسدة. وهم اعتقدوا أولاً، ثم ذهبوا يتكلفون فهم الأدلة ليستدلوا بها ثانيًا، مثل زعمهم أن اليد النعمة، أو كذلك زعمهم أن الاستواء الاستيلاء، ونحو ذلك من التحريف والتعطيل للألفاظ التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة. كما ذكر بما لم يرد لا في اللغة ولا في العرف ولا في الشرع، بل تكلفوا ألفاظًا من وحشي اللغة، ربما أخذوا معاني مهجورة لا يمكن أن تستخدم إلا بسياق وسباق لا بد منه، وهذا غير موجود. قال رحمه الله: «فإذا ضاق عليهم المجال، غلبتهم النصوص، وبهرتهم شواهد الحقيقة من اضطرادها، وعدم فهم العقلاء سواها، ومجيئها على طريقة واحدة، وتنوع الألفاظ الدالة على الحقيقة، واحتفافها بقرائن من السياق والتأكيد وغير ذلك، يقطع كل سامع بأن المراد حقيقتها وما دلت عليه». قالوا: الواجب ردها، وأن لا يشتغل بها. فردوها، زعمًا منهم أن العقل لا يقتضي إثباتها. حتى ولو اجتمعت هذه المعاني التي تؤكد أن الحقيقة على ظاهرها مرادة، مثل إثبات العلول لله عز وجل، فقد جاء بأكثر من ألف دليل، وأكثر من مئة صنف، فمنها ما جاء في إثبات العلول، ومنها ما جاء بإثبات الاستواء، ومنها ما جاء بإثبات النزول والهبوط، مع ما في تلك الأدلة في أفرادها من السياق والسباق والقرائن المحتفة من القرآن والسنة وكلام سلف الأمة، ما لا يمكن أن يجحد إثبات مثل ذلك إلا مكابر. ومع ذلك يصرون على ذلكم التحريف والتعطيل، ويزعمون أن الواجب رد هذا لأن العقل عندهم يستحيله كما زعموا، مع أن الحقيقة العقل الصحيح لا يمكن أن يخالف النص الصريح. قال رحمه الله: «وإن أحسن العبارة والظن، قالوا: الواجب تفويضها، وأن نكل علمها إلى الله، من غير أن يحصل لنا بها هدى أو علم أو معرفة بالله وأسمائه وصفاته، أو ننتفع بها في باب واحد من أبواب الإيمان بالله وما يوصف به وما ينزه وما ينزه عنه. بل نجري ألفاظها على ألسنتنا، ولا نعتقد حقيقتها لمخالفتها للقواطع العقلية». ومعنى يجري ألفاظها على ألسنتهم، أي يجعلونها ألفاظًا مجردة عن المعاني، ليس لها معاني ولا حقيقة. فهم يقرؤونها كما يقرؤون لفظًا لا معنى له. فآيات الصفات عندهم مثل «ألف لا ميم» و«ألف لا ميم را» وغيرها من الحروف المقطعة التي لا يعلم للفظها معنى، ولكن لا شك أنها جاءت لمعنى، وهم يقولون: نحن من الذين لم يعلموا المعنى. هذا إذا أبهرتهم الأدلة وتضافرت قواطع معنى إثباتها، وزعموا أنهم ليس لهم بد إلا أن يثبتوا اللفظ، ولا يعتقدون الحقيقة، زعمًا منهم أن اعتقاد الحقيقة يقتضي مخالفة قواطع العقل. وهذا باطل من أوجه كثيرة. وقد أجاب غير واحد من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه النافع الماتع العظيم «درء تعارض العقل والنقل»، وهكذا كذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «الصواعق المرسلة»، فإنه رد شبه هؤلاء من عدة أوجه. قال رحمه الله تعالى: «فسموا وصولهم الفاسد وشبههم الباطلة التي هي كبيت العنكبوت». وكما قال فيها القائل: «شبه تهافت كالزجاج تخالها حقًا وكل كاسر مكسور». ومعنى ذلك أن ما أوردوه من شبه هي أوهن من خيط العنكبوت في الضعف، وهي كذلك كالزجاج، فلا يصلح الاستدلال بها. قال رحمه الله: «قواطع عقلية مع اختلافهم فيها وتناقضهم فيها، ومناقضتها لصريح المعقول وصحيح المنقول». وسموا كلام الله ورسوله ظواهر سمعية. وعلى هذا أصلوا قاعدة كفرية باطلة بتقديم -كما زعم- القواطع العقلية على الظواهر السمعية. ويا سبحان الله! يمكن أن يكون ما يرد على العقل ويورده مقدمًا على ما يأتي من الله ومن رسول الله، وما في كتاب الله؟ هذا العقل الذي لا يمكن أن يتفق، والذي يتفاوت في الكمال. فما يثبته العقل اليوم يحيله غدًا، وما يحيله أمس يثبته اليوم. وهذا حال عقول البشر، لا تزال في كمال إن كانت موفقة للوصول إلى الكمال. فكيف إذا كان هذا في الأمور الغيبية التي لا يمكن أن يصل إليها؟ الأمور الحسية يكمل عقول العقلاء بتراكم الخبرات والعلوم، هذا فيه إثبات نسبي لهذا المعنى، ولا يمكن أن يقاس عليه. وهو على هذا الوصف والنقص، ما يتعلق بالأمور الغيبية. وخطأ هؤلاء أنهم قاسوا الأمور الحسية على الأمور الغيبية. اتفاق العقلاء في الأمور الحسية هذا له شيء محسوس، ومع ذلك ما يتفق عليه العقلاء قد كذلك يتغير بتغير ما يرد من العلوم والخبرات. فمثلاً على سبيل المثال، قبل ألف سنة من الآن لا يوجد أحد من العقلاء يخالف بأنه لا يمكن أن يطير الإنسان في السماء، العقول تحيل ذلك، وهم متفقون على هذا. وهكذا كذلك يتفق العقلاء أنه لا يمكن للحديد أن يتكلم، ليس كذلك، بل لا يمكن أن يوجد أحد من العقلاء يثبت أن حديدًا يتكلم أو إنسانًا يطير في السماء أرفع من سائر ما تطير فيه كل طائر في السماء. لكن مع تراكم العلوم والخبرات، ووجود ذلك في الحس -وإن كان تغير هذا الذي صار العقل يحيله أم لم يتغير- صار الذي كان العقل يحيله بالأمس اليوم يثبته. وهل يوجد اليوم من العقلاء من يحيل أن الكلام من الحديد؟ ما في أحد يحيل هذا، لماذا؟ لأنه وجد شواهد ذلك بالحس، وتراكمت من العلوم والمعارف ما صار هذا اليوم مما هو مقطوع به عقلاً عند العقلاء. ولكن هذا في الأمور الحسية. فإذا كان هذا في الأمور الحسية، ما يثبته العقل قد ينفيه ويحيله بعد وقت، وما يحيله قد يثبته بعد وقت، فكيف بالأمور الغيبية؟ فلا يمكن أن تقاس الأمور الغيبية على الأمور الحسية. وهذا هو وجه ضلال هؤلاء المتكلمين، فإن ضلالهم أتى من حيث قياس الأمور الغيبية على الأمور الحسية، فحصل بذلك هذا الاعتراض على ما جاءت به نصوص الشرع. وإلا العقل الصحيح لا يخالف ولا يحيل أبدًا أن يثبت ما جاء في الشرع الصريح الصحيح. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن القواطع العقلية الصحيحة والشواهد والأدلة بأنواعها تثبت ما جاءت به الشريعة؟ فإذا قولهم ذلك من أبطل الباطل، وهو السبب الأعظم الذي حصلت به تلك الكفريات. قال رحمه الله تعالى: «قال وسموا كلام الله ورسوله ظواهر سمعية، إزالة لحرمته من القلوب، ومنعًا للتعلق به والتمسك بحقيقته في باب الإيمان والمعرفة بالله وأسمائه وصفاته». فعبروا عن كلامهم بأنه قواطع عقلية، فيظن الجاهل بحقيقته أنه إذا خالفه فقد خالف صريح المعقول، وخرج عن حد العقلاء، وخالف القاطع. والأمر ليس كذلك، بل أولاً تلك التي زعم أنها قواطع عقلية هي ليست كذلك. كما تقدم معنا: ما يحيله العقل قد يثبته بعد وقت، وهذا بالأمور الحسية، فكيف بالأمور الغيبية؟ قد أخطأوا حين قاسوا هذا على هذا. وأعظم من هذا: كيف يجيزوا مخالفة ما جاء عن الله؟ والله أعلم بنفسه وبغيره، والواجب هو التسليم لما جاءت به الشريعة، لأن كمال الإسلام هو الاستسلام لما جاءت به الشريعة من عند الله سبحانه وتعالى في العقائد والعبادات والمعاملات والمنهاج والأخلاق والسلوك وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: «وعبروا عن كلام الله ورسوله بأنه ظواهر، فلا جناح على من صرفه عن ظاهره، وكذب بحقيقته، واعتقد بطلان الحقيقة، بل هذا عندهم هو الواجب». وهذا هو وجه الضلال، أنهم عظموا العقل وهونوا من أمر الشرع. فسموا ما جاء في النصوص الشرعية ظواهر، يعني ممكن أن يكون لها بواطن، أو يمكن أن لا يؤخذ بظاهرها. ولهذا اتفق أهل الضلال من أهل التحريف والتعطيل، من الفلاسفة والباطنية أهل التحريف، والمتكلمون أهل التعطيل على هذا الأصل الذي هو سبب الضلال الأكبر. فأهل التحريف من الفلاسفة جعلوا ظواهر وبواطن للنصوص، وهكذا الباطنية. وأهل التعطيل من المتكلمين بأصنافهم كذلك سلكوا هذا المسلك، فكان هذا الضلال. طيب لهنا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.