المحاضرة بعنوان الحذر من البدع وأسباب إنتشارها، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
تؤكد المحاضرة كمال الدين الإسلامي وتبليغ النبي صلى الله عليه وسلم للرسالة كاملة، محذرة من البدع والمحدثات بوصفها ضلالة تؤدي إلى النار. وتوضح أن عودة الأمة لعزتها وكرامتها لا تكون إلا بالرجوع الصادق إلى كتاب الله وسنة رسوله والالتزام بهما دون زيادة أو نقصان.
يؤكد المقطع أن العبادة الصحيحة لا تكون إلا بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مستدلاً بأحاديث نبوية وآيات قرآنية تبين أن كل بدعة ضلالة. ويذكر أمثلة من هدي النبي والصحابة في إنكار البدع والتحذير منها رداً على من أحدث في الدين ما ليس منه.
يستعرض المقطع مواقف الصحابة والتابعين في إنكار البدع كقصة أبي بكر مع المرأة الناذرة الصمت، وابن مسعود مع الحلقات المبتدعة، والإمام مالك مع الإحرام من المسجد. ويبين أن أسباب انتشار البدع تتمثل في الجهل وذهاب العلماء، واتباع الهوى، والتقليد الأعمى، والتشبه بالكفار، مؤكداً أن العلاج بالعلم الشرعي واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
يذكر المقطع أن من أسباب انتشار البدع علماء السوء الذين يسعون للمال والمنزلة ويصدون عن سبيل الله. كما يشير إلى أن أعداء الإسلام من الصليبيين والغرب يدعمون الجماعات المنحرفة والفرق الضالة لتشويه الدين وصرف الناس عنه.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الحذر من البدع وأسباب انتشارها، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة في الله، إن من أعظم النعم التي أنعم الله عز وجل بها علينا أن بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل عليهم الكتاب ليقوم الناس بالقسط. وكان من أعظم هؤلاء الرسل مكانة ومنزلة وأعمهم رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد بعثه الله عز وجل والناس في أمس الحاجة إلى بعثته ورسالته، كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فهدى الله سبحانه وتعالى به بعد الضلالة، وجمع به بعد الفرقة، وأعز به بعد الذلة، وجعل الله عز وجل به هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، كانوا شامة في الوجوه، وكانوا قدوة وأسوة لسائر الأمم. ثم لما حصل التبديل والتغيير والانحراف والزيادة والنقصان، قلب الله عز وجل عليهم أحوالهم الجميلة بأحوال قبيحة، بعد أن كانوا هم القادة وهم السادة، وكانوا هم الحكام والرؤساء، أذل الله سبحانه وتعالى هذه الأمة بسبب المعاصي، وبسبب البدع والخرافات والمحدثات التي أحدثت في الدين ونسبت إليه وليست منه. فلذلك عباد الله، إذا أرادت هذه الأمة أن يعيد الله عز وجل لها عزتها وكرامتها وصدارتها، فلا بد من العودة السريعة إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالله تبارك وتعالى أكرمنا بهذا الكتاب، ومن علينا ببعثة هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. نعم عباد الله، فالله أكرمنا بدين عظيم وشريعة عظيمة، كاملة في العقيدة والعبادة، وكاملة في المعاملة والسياسة، وكاملة في الأخلاق والآداب، وكاملة في الدعوة والمنهاج. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وهكذا عباد الله، بعث ربنا عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم فبلغ البلاغ المبين، لم يترك شيئاً يقرب إلى الله سبحانه وتعالى إلا ودل عليه وحث عليه ورغب فيه، ولم يترك شيئاً يباعد عن الله سبحانه وتعالى إلا وحذر منه، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «وَلَمْ يَكُنْ مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُ لَهُمْ». وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، في ذلك الجمع الغفير والعدد الكبير، يعلمهم شرائع الإسلام ويبين لهم الحلال والحرام، ثم يقول: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» فيقولون: نعم، فيقول: «اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ» ويرفع أصبعه وينكتها عليهم: «اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ، اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ». هكذا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم بلاغاً عظيماً وبلاغاً كاملاً وتاماً. وفي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ». والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. نعم عباد الله، كتاب الله تبارك وتعالى فيه جميع ما نحتاج إليه في أمر المعادي والمعاش، وفيه بيان العقائد والعبادات والمعاملات والآداب والأخلاق والسياسة. وهكذا رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام بين للناس ما يحتاجون إليه، إما ابتداءً وإما جواباً عن سؤال، حتى إن الصحابة رضي الله عنهم ليفرحون بمجيء الأعرابي العاقل الذي يسأل عن دينه. فهذا البيان في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إما بالمنطوق وإما بالمفهوم، إما بالنص وإما بالإيماء، إما بالإشارة وإما بالتوضيح، توضيح العبارة. فإذا عرفنا ذلك عباد الله، أن كتاب الله فيه ما نحتاج إليه، كما قال الله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلغ البلاغ المبين فيه، وعلم أصحابه ما يحتاجون إليه، وعلمهم العقيدة والعبادة والمعاملة والآداب، آداب السلام، آداب الاستئذان، حتى آداب قضاء الحاجة علمهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. في مسلم من حديث سلمان الفارسي أن رجلاً من المشركين قال له: «لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخَرَاءَةَ»، يعني حتى آداب قضاء الحاجة. قال: «أَجَلْ، قَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ». هكذا عباد الله، حتى آداب قضاء الحاجة علمهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلذلك نستفيد مما تقدم عباد الله، أن الله أكرمنا بهذا الدين وأمرنا باتباعه والالتزام به والقيام به والعمل به، فلا نحتاج عباد الله إلى أن نزيد في الدين ما ليس منه، ولا يجوز أن نصفه بالنقص بعد أن أخبر الله سبحانه وتعالى عن كماله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فدين الله كامل من جميع الجوانب، لا يجوز أن يزاد فيه، ولا يجوز أن يوصف بالنقص، بل الواجب على العباد أن يحمد الله تبارك وتعالى إذ من عليهم بهذا الدين وأكرمهم بهذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. ما بقي علينا جميعاً إلا أن نبادر وأن نسلم وأن نعمل وأن نتقرب إلى ربنا تبارك وتعالى بما وجدناه في كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالله تبارك وتعالى لا يعبد بالبدع ولا بالخرافات ولا بالعوائد ولا بما عليه الآباء والأجداد ولا بالأذواق ولا بالاستحسانات ولا بالآراء والمذاهب والمناهج، إنما يعبد الله سبحانه وتعالى ويتقرب إليه بما أخبرنا به في كتابه وبما أرشدنا إليه نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بهذا تكون العبادة الصحيحة المقبولة النافعة المثمرة المفيدة لأصحابها، عبادة مبنية على كتاب الله وعلى سنة رسول الله وبما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من أئمة الهدى ومصابيح الدجى وأعلام الإسلام. فهذا ديننا مأخوذ من كتاب ربنا وسنة نبينا. من هنا عباد الله نستفيد ضرورة الحذر من هذه البدع والخرافات التي ملأت مجتمعات المسلمين. ما أكثر البدع التي ألصقت بالدين والدين بريء منها! ما أكثر أنواع الطقوس والعبادات التي يمارسها كثير من المسلمين، سواء كانت هذه البدع قولية اعتقادية أو كانت بدعاً عملية. نعم عباد الله، هذه كلها لا يجوز أن تنسب إلى دين الله، ولا يجوز أن يتقرب إلى الله بها. الدين هدى كله هدى، والبدع بنص الأحاديث النبوية تعتبر من الضلال. أليس النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح خطبته بقوله: «خَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ». وفي صحيح مسلم: «وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ». هكذا كان يقول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». والشرع كله هدى، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وهكذا هو القائل عليه الصلاة والسلام: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ». نعم، في حديث جابر المتقدم، وفي حديث العرباض بن سارية الأخير، فيه التصريح بأن كل بدعة تعتبر من الضلال: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». «كُلُّ» كما يعرف طلاب العلم من ألفاظ العموم، كل بدعة بدون استثناء تعتبر من الضلال، وليست منسوبة إلى الدين. والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل كما في حديث عائشة: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»، فهو رد مردود على صاحبه، ولا يزيد صاحبه إلا بعداً من الله تبارك وتعالى، ولا يقيم الله سبحانه وتعالى لهذه البدعة وزناً، وليست لها قيمة عند الله عز وجل، ما يزداد بها إلا بعداً، ويأثم عليها وهو يظن أنه يتقرب إلى الله وأنه يؤجر عليها. أصل عظيم في رد جميع البدع والخرافات والمحدثات: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ، مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ»، سواء كان هو الذي ابتدأ بفعل هذه البدع أو كان مسبوقاً بغيره، كما في الرواية الأخرى: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». فهو رد: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، وَمَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا» أي في ديننا وشرعنا «مَا لَيْسَ مِنْهُ، مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ». إذن النبي صلى الله عليه وسلم حذر التحذير الشديد من البدع والخرافات والأهواء وعذي المذاهب والمناهج التي على خلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. الله سبحانه هو المنفرد بالتشريع: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. وهكذا ينكر ربنا فيقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾. فالله سبحانه وتعالى لا يأذن لأحد أن يشرع وأن يقنن وأن يضيف إلى ما بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم شيئاً، لا قليلاً ولا كثيراً، لا صغيراً ولا كبيراً. وهكذا كان هدي الصحابة ومن جاء بعدهم من الأمة والعلماء، ينكرون هذه البدع ويشجبونها ويحذرون منها. النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً كما في البخاري من حديث ابن عباس قائماً في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: «أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ». فقال: «مُرُوهُ فَلْيَجْلِسْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَتَكَلَّمَ وَلْيَتِمَّ صَوْمَهُ». هذا الصوم عبادة مشروعة، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإكمال عبادته، أما أنه يقوم في الشمس وأنه يبقى قائماً ولا يستظله وأنه لا يتكلم، هذه من البدع، هذه ليست مما يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، فنهاه عنها. وهكذا لما جاء ثلاثة نفر إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فكأنهم تقالوها، رأوها قليلاً، فقالوا: «أَيْنَ نَحْنُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ». فلما قال أحدهم بعد ذلك: «أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ وَلَا أَرْقُدُ»، وقال الثاني: «وَأَمَّا أَنَا فَأَصُومُ النَّهَارَ وَلَا أُفْطِرُ»، وقال الثالث: «وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ». جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر بمقالتهم، فجاء إليهم وقال: «أَأَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «أَمَّا إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، وَلَكِنِّي أُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». هكذا يرسم لهم النبي صلى الله عليه وسلم منهج الصفاء والنقاء والتحذير من البدع والخرافات والأهواء. ومن أراد أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بترك الطيبات تديناً وتقرباً، هذه من البدع. من ترك أكل اللحم أو ترك أكل الفواكه أو ترك الزواج لعلة من العلل هذا معذور، أما أنه يترك المباحات التي أباحها الله سبحانه وتعالى بنية التقرب، هذا أمر ممنوع، أنك تتقرب إلى الله بتحريم ما أحل وبالرهبنة والغلو والتجاوز والتنطع. ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. انظروا كيف جعل الله سبحانه وتعالى من حرم ما أحل اعتداءً عليه، لأنه اعتداء في التشريع. وانظروا كيف قرن الله سبحانه وتعالى بين الأمر بأكل الحلال وبين لزوم تقوى الله، إشارة إلى أن من ترك ما أحل الله تديناً هذا ليس من التقوى في شيء، بل هذا يباعد وهذا يخالف تقوى الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. وهكذا عباد الله، كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهم، أبو بكر الصديق كما في البخاري من حديث قيس بن أبي حازم، يدخل على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم، قال: «مَنْ هَذِهِ؟» قالوا: هذه امرأة من أحمس يقال لها زينب، حجة مصمتة، يعني نذرت أنها ما تتكلم في حجها. قال لها: «تَكَلَّمِي، هَذَا لَا يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ». قالت: من أنت؟ قال: «مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ». فتكلمت. نعم، ما يقبلون البدع ولا يقبلون المحدثات. نعم عباد الله، هكذا كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عن أصحابه. وهكذا الإمام ابن مسعود رضي الله عنه والقائل: «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ». وهكذا أبو موسى الأشعري حينما بكر إلى المسجد لصلاة الفجر، فرأى أناساً حلقاً في المسجد، على كل حلقة رجل، ويقول لهم بين أيديهم حصى، يقول لهم: «كَبِّرُوا مِائَةً، وَهَلِّلُوا مِائَةً، وَسَبِّحُوا مِائَةً». فرأى شيئاً عجباً، فذهب إلى العالم النحرير الجليل عبد الله بن مسعود، فأخبره بما رأى في المسجد. قال: «مَا رَأَيْتَ إِلَّا خَيْرًا». قال: رأيت شيئاً أنكرته، ولم أرى إلا خيراً، لم أرى فواحش ولا موبقات، ولا يعني من هذه الشهوات، رأيت ناساً يذكرون الله لكن شيء غريب ما رأيته من قبل ولا أعرف عليه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لكن من باب التأدب مع الكبار لا يتقدم بين أيديهم. ذهب من العلماء المفتين أبو موسى الأشعري، ومع ذلك تواضع وذهب إلى من هو أعلم منه إلى عبد الله بن مسعود، فجاء إليه وأخبره الخبر. قال: «مَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟» قال: «مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا، انْتِظَارَ أَمْرِكَ أَوْ رَأْيِكَ». قال: «أَلَا قُلْتَ لَهُمْ: اعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ، وَأَنَا ضَامِنٌ أَلَّا يُضَيَّعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ». فانطلقوا سوياً إلى هذه الحلقات في المسجد، فوقف عليهم عبد الله بن مسعود وقال لهم: «وَيْحَكُمْ يَا أَمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ! هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَهَذِهِ آنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ. إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، أَوْ إِنَّكُمْ مُفْتَحُوا بَابِ ضَلَالَةٍ». قالوا: يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير. قال: «وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ. إِنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا عَنْ أَقْوَامٍ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، وَمَا أَظُنُّكُمْ إِلَّا مِنْهُمْ». قال الراوي: «فَرَأَيْتُ عَامَّةَ هَؤُلَاءِ يَطَاعِنُونَنَا يَوْمَ نَهْرَوَانَ». رأيت عامة هؤلاء يطاعنوننا يوم نهروان. فهكذا كان السلف الصالح عباد الله. جاء رجل إلى الإمام مالك يقول: «أَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ». قال: «لَا تُحْرِمْ إِلَّا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ». قال: «لَا، أَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ». قال: «أَخْشَى عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ». قال: «أَيُّ فِتْنَةٍ إِنَّمَا هِيَ بِضْعَةُ أَمْيَالٍ أَزِيدُهَا». قال: «أَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّكَ سَبَقْتَ إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾». فالحاصل عباد الله، أن الواجب على المسلمين الحذر من هذه البدع، والواجب على طلاب العلم وأهل العلم أن يشيبوا وأن ينكروا وأن يحذروا من هذه البدع. فكما حذر منها رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما حذر منها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، فما أكثر البدع التي انتشرت في صفوف الأمة! بدع كثيرة شغلت الناس عن السنن، وبدع كثيرة أضلت كثيراً من الناس عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله عز وجل باتباعه. ولابد أن نعرف أن هناك أسباباً لانتشار هذه البدع. من هذه الأسباب: ظهور الجهل وذهاب العلم. فالذي يقاوم ويردع البدع هو العلم وأهل العلم، فإذا قل العلم وكثر الجهل وكثر الأدعياء وذهب العلماء، كان من أعظم الأسباب في انتشار البدع والخرافات والأهواء، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الصُّدُورِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». وهكذا عباد الله، تعرفون أن الله سبحانه وتعالى أخبر أن شرك المشركين لم يكن نتيجة علم، وإنما كان بسبب الجهل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ﴾. نعم، الجهل شأنه خطير وعاقبته سيئة، فلا تحصل البدع والظلمات ولا تحصل الفتن إلا بسبب الجهل بدين الله، وإلا فإن العلم ينور القلوب ويضيء للسالك الطريق، وتذهب البدع وتنتهي وتطارد بالعلم والحجة والبيان والبرهان. ولهذا لا تجد مكاناً يحل فيه العلم والعلماء إلا وتقل فيه الفتن والبدع والخرافات. وما أحسن قول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: «إِذَا انْقَطَعَ عَنْ النَّاسِ نُورُ النُّبُوَّةِ وَقَعُوا فِي ظُلْمَةِ الْجَهْلِ وَالْفِتَنِ، وَكَثُرَتْ فِيهِمُ الْأَهْوَاءُ». وكما قال رحمه الله تعالى: «فَكَثِيرٌ مِمَّنْ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَذِهِ الْبِدَعِ كَانَ السَّبَبَ الرَّئِيسَ فِي ذَلِكَ هُوَ خُلُوُّ عَقْلِهِ مِنَ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ الْمَأْخُوذِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَرَادَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِحُسْنِ نِيَّةٍ، فَذَهَبُوا يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِهَذِهِ الْبِدَعِ وَالْخُرَافَاتِ وَالْأَهْوَاءِ». وهكذا عباد الله، من أسباب الوقوع في البدع: اتباع الهوى. قد يكون العلم موجوداً لكن اتباع الهوى، قد يكون العلم موجوداً ولكن يتبع الهوى. فليس عندنا إلا أمران: إما اتباع الحق أو اتباع الهوى، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾. ويقول الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾. وهكذا عباد الله، من أسباب انتشار البدع: تقليد الآباء والأجداد، ولو كانوا على خطأ، ولو كانوا على ضلال وانحراف. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. نعم، ما أكثر الناس الذين يرضون أن يسيروا على ما سار عليه الآباء والأجداد، ولو كان خطأ، ولو كانوا يعني مغفوراً لهم بسبب جهلهم، لكن أنت قامت عليك الحجة وتبصرت وتعلمت وسمعت الدعاة وطلاب العلم. وهكذا من أسباب انتشار البدع عباد الله: تقليد الكفار. نعم، تقليد الكفار من أعظم الأسباب أيضاً في انتشار البدع. هل يوم تجد هذه الاحتفالات والذكريات وهذه المواسم والأسابيع والأيام وهذا التقليد لأعداء الإسلام في أبواب كثيرة بسبب التقليد والتشبه بأعداء الإسلام؟ أبي واقد الليثي قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكِفُونَ عِنْدَهَا وَيُنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا سُنَنٌ، قُلْتُمُ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾». وهكذا من أسباب انتشار البدع أيضاً: علماء السوء الذين يحرصون على نيل الحظوة ونيل المنزلة وأكل أموال الناس بالباطل، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وهكذا كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وهكذا عباد الله، من أسباب انتشار البدع: الكيد من قبل الأعداء، حريصون غاية الحرص على تشويه جمال الدين وعلى تغييره وتحريفه لأجل أن يصد الناس عنه. ولهذا تجد حتى اليوم من أعداء الإسلام من هؤلاء الصليبيين وهؤلاء الأعداء الحاقدين، كيف أنهم يدعمون هذه البدع الدخيلة وهذه الجماعات المنحرفة، يشجعونهم ويمدونهم بالأموال ويعرضون فكرتهم في وسائل الإعلام، وهذا كله من الكيد. وهذا ليس بغريب، بل كان في الزمن المتقدم ولا يزال إلى اليوم، تجد أعداء الإسلام أمريكا وبريطانيا والغرب والشرق، كيف أنهم يشجعون هذه الطرق المنحرفة كالشيعة والرافضة والصوفية وعموم أهل البدع والباطل، بل أيضاً هذه الفرق المنتمية إلى الإسلام كجماعة الإخوان المسلمين أو الجماعة السرورية أو هذه جماعة الدعوة والتبليغ، كيف أنهم يعني يجدون دعماً وإن كان خفياً أو بطرق ملتوية، فيشجعونهم على خوض ما يسمى بالديمقراطية. وهكذا يفتحون المجال لجماعة التبليغ لدخول كل بلدة وقرية حتى في أوساط اليهود، وهكذا الجماعات الحركية كيف يعني ينالون ما يسمى باللجوء السياسي في دول الغرب، بل وحتى هذه الجماعات التي تسمى بجماعة الجهاد والواقع أنهم جماعة خوارج، كيف أنهم يعني يدعمون دعماً خفياً أو ظاهراً من قبل أعداء الإسلام حتى يتمكنوا من تنفيذ مآربهم والوصول إلى مخططاتهم في بلاد المسلمين. فالحاصل أن الإسلام المصفى محارب، الإسلام المصفى الذي بعث الله عز وجل به نبيه صلى