الدرس في كتاب الحج من الاختيارات الفقهية 10، الدرس العاشر:من( وقول النبي صلى الله عليه وسلم من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه ... ولا يلزمه قضاء حجه إن كان تطوعاً وهو إحدى الراويتين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول عدم الرفث والفسوق في الحج لضمان مغفرة الذنوب، وتناول مسألة سقوط الحقوق بالحج. وأوضح أن الرفث والفسوق يخدشان الأجر ولا يسقطان الحقوق للخلق أو لله تعالى.
أكد المقطع على أهمية الصلاة في الإسلام وضرورتها لقبول الحج، حيث إن تارك الصلاة لا يُعتبر مسلمًا وبالتالي حجُه باطل. وناقش الجمع بين الحج وأعمال أخرى مثل أخذ الأجر لخدمة الحجاج.
تناول المقطع حكم المحصر في الحج والعمرة، وشرح الآثار المترتبة على الإحصار مثل وجوب الدم وفدية الإحصار. كما أوضح حكم من فسد حجه وتم التحلل منه، حيث رفع عنه الإثم ولا يلزمه الإتيان بالحج مرة أخرى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، يدخل فيه من أتى بالعمرة. ولهذا أنكر الإمام أحمد على من قال: إن حجة المتمتع كحجة مكية. يريد رحمه الله تعالى أن يشير إلى معنى آخر اختلف فيه بعض الفقهاء أو خالف فيه. وهذا أصح. بعض الفقهاء في شمولية وعموم حديث أبي هريرة الذي في الصحيح: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»، هل هذا الحكم يتناول الحج فقط؟ فعلى هذا حصول الفسوق والرفث في غير الحج لا يفسده ولا يضره. الصحيح: لا، بل هذا عام يشمل الحج ويشمل كذلك العمرة. ولهذا قال: يدخل فيه من أتى بالعمرة، أن يلزمه عدم الرفث والفسوق. العمرة في الحقيقة حج أصغر، العمرة حج أصغر، فلذلك يلزمها ما يلزم الحج في الغالب، بما دل عليه الدليل ولعمومات الأدلة في هذا الباب، من أن الطاعات إنما ينتفع صاحبها بها إذا سلمت مما يخدشها، فكذلك الحج والعمرة، فإن مما يخدش الحج والعمرة الرفث والفسوق. وقوله رحمه الله: ولهذا أنكر الإمام أحمد على من قال: إن حجة المتمتع حجة مكية، يشير رحمه الله تعالى إلى أن هذا فيه إخراج لمعنى العمرة من الحج وتفريق، وليس الأمر كذلك، بل المتمتع حجته حجة كاملة، ولو كان قد تحلل من عمرته، فإنه يكتب له حج وعمرة معًا، تحلله من عمرته لا ينقص عليه فضل عمرته وأجرها. يعني كأنهم يقولون: كونه أتى بالحج من مكة -أي المتمتع- صار كأنه مثل المكي. تعرفون القارن: من أين يأتي بحرامه بالحج؟ من مكانه الذي أحرم منه. وأما المتمتع فيحرم بها من أين؟ من مكة يوم الثامن يحرم بها من مكة. فهل يعني ذلك أن حجته حجة مكية ولو أتى بها من مكة؟ الجواب: لا، حجته ليست بحجة مكية ولو أتى بها من مكة، حتى ولو قصد القائل أن هذه الحجة من شأنها من مكة، فلا يصح أن يقال حجة مكية؛ لأن الحجة المكية هي في حق من أتى بها من مكة ولم يأت معها بعمره، فالمكي لا يأتي بعمره أصلًا. فحتى لا يحصل اللبس بين حكم المكي حقيقة الذي يأتي بحج من دون عمره، بالمتمتع الذي يأتي بعمرة وحج، كان الإمام أحمد رحمه الله يكره وينكر على من يسمي حجة المتمتع حجة مكية، حتى ولو أراد هذا المعنى اللفظي. لماذا؟ لأنه فيه معنى اللبس وكذلك النقص، والأمر ليس كذلك، بل عمرة المتمتع عمرة صحيحة مقبولة، وحجته حجة كاملة صحيحة، بل على الصحيح أفضل من حجة القارن لمن لم يسق الهدي. قال رحمه الله: ومن اعتقد أن الحج يسقط ما عليه من الصلاة والزكاة، فإنه يستتاب بعد تعريفه إن كان جاهلًا، فإن تاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي من مال أو عرض أو دم بالحج إجماعًا. وهذا كذلك معنى آخر ربما وقع لبعض الناس في فهم هذا الحديث: «الحج يجب ما قبله ويهدم ما قبله»، و«الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، و«من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»، كل هذه الأحاديث لا يعني أنه لا يستتاب من ذنوبه، ولا يتحلل من الحقوق التي عليه للخلق، بل حتى لله سبحانه وتعالى على الصحيح. فمن لم يؤدي الزكاة وقد حج، فإن حجه مقبول، ومن تمام قبول حجه ألا يفسق، وعدم أداء الزكاة من الفسوق في الحج؛ لأنه مستمر في المعصية. ومن أخذ مال آدمي أو قذف عفيفة مسلمة أو كذلك قتل نفسًا ولم يتحلل من هذه الحقوق ولم يتب منها، فإن الحج لا يسقط هذه الحقوق. وهذا هو قوله: فإنه يستتاب. ومن اعتقد أن الحج يسقط ما عليه من الصلاة والزكاة فإنه يستتاب. وهذا وللأسف موجود عند بعض الجهال، ربما يأتي إلى الحج وهو لا يصلي، فإذا قيل له: قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، وربما ذكر هذا الحديث، حديث أبي هريرة الآخر: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»، كأنه فهم بجهله أن المقصود بالحج هو عين الحج مع إسقاط سائر الفرائض، وهذا فهم سقيم. بل المقصود أن يأتي بالحج التي هي فريضة من الفرائض وركن من أركان الإسلام، فلا يقوم الإسلام على الحج من دون الصلاة، والصلاة أعظم من الحج، ولا يقوم الإسلام على الحج من دون صيام، والصيام أعظم من الحج، ولا يقوم الإسلام على الحج من دون زكاة، والزكاة كذلك أعظم من الحج. كلها فرائض وواجبات وأركان، لكنها تتفاوت في الفرضية، وكذلك الأمر بها. فالحج مرة في العمر، ولكن الزكاة في كل سنة لمن بلغ ماله النصاب وحال عليه الحول، والصيام في كل سنة في هذا الشهر شهر رمضان، والصلاة في اليوم والليل خمس مرات. بل من لم يصل فلا إسلام له على الصحيح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». قواه بعض أهل السنة من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة رضي الله عنه. وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: نبينا عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة». وقال عبد الله بن شقيق: لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. فمن حج بغير صلاة فلا حج له، حجه باطل غير مقبول؛ لأن شرطًا من شروط قبول الحج وهو الإسلام غير موجود. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فالإيمان بالله ومن أعظم علاماته الصلاة شرط حتى يقبل الحج. قال رحمه الله تعالى: ومن جرد مع الحاج أو غيره... انظروا النسخ الأخرى إذا كان هناك اختلاف نبهوني عليها. ومن جرد مع الحاج أو غيره وجمع له من الجند المقطعين ما يعينه على كلفة الطريق ويباح له أخذه ولا ينقص أجره، وله أجر الحج والجهاد. وليس في هذا اختلاف. قوله: من جرد مع الحاج أو غيره، كأنه يشير إلى الجمع بين العمل والعمل مع العمل، فإن ذلك يكون بحسب نية العامل، وإنما الأعمال بالنيات. وهكذا كذلك قوله: وجمع له من الجند المقطعين... أحد عنده النسخة الأخرى؟ النسخة التي فيها... عندك؟ من جرد نفسه مع الحاج أو غيره وجمع له من الجند المقطعين ما يعينه على كلفة الطريق ويباح له أخذه ولا ينقص أجره، وله أجر الحج والجهاد. كأنه يشير كما قلنا إلى جمع بين عمل الحج وشيء آخر، ولو كان ذلك أخذ الأجر من الحاج لخدمته، فلا بأس أن يأخذ الأجر من الحاج. وننظر إن شاء الله في الفروع لعله ذكر شيئًا آخر. فإذا كان على ظاهر هذا السياق فيكون المعنى أنه لا بأس أن يأخذ الإنسان عملًا آخر مع الحج ما دامت نيته في الحج، وتلك النية إذا كانت تبعًا فلا بأس، مثل التجارة والبيع والشراء في الحج كما تقدم. وهكذا كذلك أخذ الأجر من الحجيج في خدمتهم أو كذلك في حراستهم، فربما كان هذا إذا احتسب الأجر أنه يعينهم على كلفة الطريق، كان من المباحات، بل قد يكون من المستحبات، كون أن الإنسان مثلًا ليس عنده كلفة الطريق كاملة، فجعل بعض كلفة الطريق من خدمة الحاج أو حراسته أو كذلك إعانته، فليس في هذا بأس ولا يضر إن شاء الله بحجه. ولهذا قال: وله أجر الحج والجهاد، الحج لأنه خرج لأجل الحج، والجهاد لأنه احتسب حماية الحاج وكذلك أن تكون كلمة الله العليا. قال: وشهر السلاح عند قدوم تبوك بدعة محرمة. ولعل هذا كان يفعل في زمن المؤلف رحمه الله أو ذكره بعض الفقهاء، فليس من السنة إشهار السلاح عند قدوم تبوك، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى تبوك على ما هو معلوم في السيرة، لكن لا يعني ذلك إشهار سلاح ولا غير ذلك. ولو كذلك قصد صاحبه نية حسنة كإعزاز دين الله، وكذلك رد المنافقين خائبين -يعني ما ورد في قصة تبوك من محاولة أولئك المنافقين أن يغتالوا النبي صلى الله عليه وسلم فدفع الله عز وجل شرهم وفرحهم أو غير ذلك- فكل ذلك لا يكون فيه الإذن، فضلًا أن يفعل على وجه التعبد والاستحباب بإشهار السلاح أو غير ذلك مما قد يفعل على وجه الدوام في مثل هذا المكان. قال رحمه الله: وما يذكره الجهال من حصار تبوك كذب لا أصل له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحاصر في تبوك، بل رجع عليه الصلاة والسلام حين لم يجد الروم، ولا شك أن الروم تهيبوا من ملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأتوا. وراء النبي صلى الله عليه وسلم في الجيش من أثر شدة الحر وطول السفر ما جعله عليه الصلاة والسلام يقفل به ويرجع. وكان في هذا معنى النصر؛ لأن الروم تخلفوا عن القتال، ولكن لم يحصل حصار ولا شيء. قال: والمحصر بمرض أو ذهاب نفقة كالمحصر بعدو، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. ومعناه: إن اشترط هذا المحصر فله باشتراطه ما اشترط. فمن قال مثلًا: اللهم إن حبسني حابس فمحل لي حيث حبستني، كما تقدم، فإنه يستفيد من هذا الإحصار أنه ليس عليه دم الإحصار. يستفيد من هذا الاشتراط أنه ليس عليه دم الإحصار. ومن لم يشترط فلم يستطع مواصلة الحج، فإنه عليه دم الإحصار. فإن حصرتم فما استيسر من الهدي. وقوله: وهو إحدى الروايتين عن أحمد، يعني إلحاق المريض أو المرض وكذلك ذهاب النفقة بحكم المحصر، أي بقتال أو غيره. أما المرض فقد دل عليه ما تقدم من حديث ابن عباس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن استأذنته أن تقول: إن حبسني حابس فمحل لي حيث حبستني؛ لأنها كانت تخشى على نفسها من المرض، وقد اشتكت. وأما ذهاب النفقة فهو بمعناه؛ لأنه لا يستطيع المواصلة، وقد ذهبت نفقته. على أن ذهاب النفقة قد يكون غير قاطع للحاج؛ لأن النفق قد تتيسر له أو يستطيع أن يجد بديلًا بأن يستعمل نفسه أو يكون أجيرًا أو نحو ذلك. ونحو المرض قد يشفى إذا كان بالحج بقية، فإذا كان كذلك فيكون فيه تفصيل والله أعلم. قال رحمه الله: ومثله حائض تعذر مقامها وحرم طوافها ورجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزيارة أو لعجزها عنه أو لذهاب الرفقة. فالحائض إذا طال حيضها فرجعت من دون حج، فهي بهذا تحتاج إلى ماذا؟ إلى التحلل. فهنا يكون حكمها كحكم المحصر، فتذبح ذبيحة؛ لأنها لم تكمل حجها، دخلت في النسق ولم تكمله. وهذا يدخل في عموم قول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. فمن مثلًا أتت فحاضت ولم تطف طواف الحج ولو كانت فعلت العمرة، ولكنها دخلت في نسق الحج ولم تطف طواف الحج، فسافرت لسفر رفقتها كما قال رحمه الله لجهلها. فماذا تصنع؟ هل تبقى محرمة سنينًا؟ الجواب: إن استطاعت أن ترجع فيجب عليها أن ترجع لتكمل الحج؛ لأن الله أمر بإكمال الحج وأتم الحج والعمرة لله. فإن لم تستطع أن ترجع لعجزها كما ذكر رحمه الله، فإنها عليها أن تفتدي بدم. فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. وهل معنى ذلك أنها أدت الحج؟ الجواب: لا، لكن سقط عنها الإثم وتحللت من الإحرام، ويبقى في ذمتها الحج، فعليها أن تحج متى يتيسر لها، ففريضة الحج ما زالت عليها. وأما إذا كانت ما زالت في مكة، فكما تقدم في الدرس السابق: الصحيح من أقوال أهل العلم أنها يجب أن تنتظر. فإن لم تستطع أن تنتظر وخشيت الضرر، فهنا تترخص برخصة من أفتى بذلك، طوافها على حالتها. وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم. قال رحمه الله: والمحصر يلزمه دم في أصح الروايتين، ولا يلزمه قضاء حجه إن كان تطوعًا، وهو إحدى الروايتين. وهذا واضح كما تقدم. المحصر يلزمه دم كما تقدم إذا لم يشترط، أما إذا اشترط فليس عليه دم. ولا يلزمه قضاء حجه -يعني إذا كان حج تطوع كما قال: إن كان تطوعًا- وأما إذا كان فرضًا فعليه ماذا؟ عليه أن يؤدي الحج مرة أخرى. أما حج التطوع فهو يسقط، ولا يلزمه أن يأتي بحج أخرى، لكن يلزمه الإتمام إن استطاع. فإن لم يستطع الإتمام، فعليه بفدية الإحصار. فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. وإذا فعل ذلك فقد رفع عنه الإثم إن شاء الله، وحل له التحلل من إحرامه، ولا يلزمه الإتيان بالحج مرة أخرى، لكن إن أحب أن يفعل ذلك فله ذلك. وبهذا نكون قد انتهينا من المسائل التي أشار إليها البعلي رحمه الله من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، واستغفر الله العظيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. وجزاكم الله خيرًا.