الدرس في كتاب الحج من الاختيارات الفقهية 8، الدرس الثامن:من( ولا يشرع تقبيل المقام ولا مسحه إجماعاً ... وهو إحدى الروايتين عن أحمد نقلها عبدالله عن أبيه كالمقارن ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حكم تقبيل المقام ومسحه وصعود جبل الرحمة، ويبين أن هذه الأفعال غير مشروعة وقد تؤدي إلى الشرك. يشدد على اتباع السنة النبوية في أداء مناسك الحج.
يتناول حكم الحلق والتقصير، ويشرح آراء الفقهاء. يبين أن الحلق أفضل من التقصير لورود دعاء النبي للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة واحدة.
يتناول حكم الطواف والسعي للمتمتع والقارن، ويرى أن المتمتع يكفيه سعي واحد عند الإمام أحمد، بينما الأحوط هو طوافين وسعيين للمتمتع وطوافين وسعي واحد للقارن.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا يشرع تقبيل المقام ولا مسحه إجماعًا، فسائر المقامات غيره أولى. ولا يشرع صعود جبل الرحمة إجماعًا. وها هنا نبه رحمه الله تعالى إلى هذا الاختيار من اختيارات شيخ الإسلام، فيما قد ذكره بعض الفقهاء في ثنايا كتبهم من تقبيل المقام أو مسحه، وهذا خطأ، والصواب الواجب بل هذا المجمع عليه كما نقل رحمه الله. وقد نقل معنا هذا الإجماع جماعة من أهل العلم دونت في المطولات، وأشار إليها الكثير من الحنابلة، بل وحتى بعض المالكية والشافعية والحنفية. وما نقله بعض المتأخرين فهو شذوذ وخروج عن الإجماع. فإذا كان المقام -والمقام المراد به مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام- لا يجوز التمسح به ولا تقبيله، فما كان دونه من باب أولى. وهذا قوله: «بسائر المقامات غيره أولى» يعني لا يقبل ولا يمسح، لا قبور الأنبياء ولا كذلك الصالحين، ولا التوابيت والمشاهد، ولا غير ذلك. بل هذا مظهر من مظاهر الشرك، ومعنى من معاني الوثنية التي ينهى عنها. وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى مولاه زيدًا رضي الله عنه أن يمس بيده الأوثان، وهذا فيه كذلك أنه عليه الصلاة والسلام فطر على التوحيد قبل أن يبعث بالإسلام. فنهاه أن يمسح أو يمس شيئًا من الأصنام، فأراد زيد مرة أن يجرب ما يصنع النبي صلى الله عليه وسلم إن فعل ذلك فصنع، فزجره النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: «ألم أنهك عن ذلك؟». فعلم بأدلة كثيرة أن هذا لا يجوز إلا على الوجه المأذون به. والحديث المشار إليه ذكره شيخنا بالصحيح المسند مما ليس بالصحيحين. فإذا كان مسح الحجر الأسود والركن اليماني هو على وجه التعبد والطاعة لله، فمسح غيره لا يجوز. وفعل ذلك من معاني الشرك، إذا كان معه اعتقاد. يعني مثلًا لو أن إنسانًا مسح قبر ولي أو تابوت أو مشهد أو غير ذلك، لماذا هو يمسح؟ إن مسح لا يدري لماذا يمسح، فهو من الشرك الأصغر الذي هو أعظم من الكبائر، ويعلم أن هذا لا يجوز لأنه قلد المشركين. وأما إن كان على عقيدة أولئك عباد القبور، فيظن أن مسحه هذا ينفعه أو يدفع عنه ضرًا، فهذا من الشرك الأكبر والعياذ بالله، فإنه لا ينفع ولا يضر إلا الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك قد يقع ذلك جهلًا حتى في مناسك الحج، ولهذا نرى الكثير من الحجيج بجهلهم، وبذلك تراكم بعض الوثنيات التي أتوا بها من بلادهم، عليهم يتمسحون ببعض ما يجدونه أمامهم في طريق حجهم. فتارة يتمسحون بالمقام أو كذلك بجدران الكعبة كلها، بل ربما بعضهم يصل به الأمر أن يقطع شيئًا أو ينتحت شيئًا من جدار أو كساء الكعبة، يريد بذلك الشفاء ويظن أن ذلك ينفعه. فهذا إن فعل ظانًا أنه ينفع ويضر بذاته فهو الشرك الأكبر، وإن كان يظن أن الله جعله سببًا للنفع والشفاء ودفع الضر، والله سبحانه وتعالى لم يجعل هذه أسبابًا، فهذا من الشرك الأصغر. فلا يخرج فاعل ذلك من الشرك الأكبر أو الأصغر. وهكذا كذلك ما يفعله بعض العامة، كلما وجدوا سارية جميلة أو جدارًا مزخرفًا أقبلوا عليه وتمسحوا به. وكل هذا خطأ، بل بعضه يفضي إلى الشرك الأصغر، وبعضه يفضي إلى ما هو أعظم، وهو الشرك الأكبر. وهكذا قوله: «ولا يشرع صعود جبل الرحمة إجماعًا». جبل الرحمة هو الجبل الذي وقف النبي صلى الله عليه وسلم في أسفله عند الصخرات، فللجبل جهات، جبل صغير اليوم هو في جهتي مؤخرة مسجد نمرة، ووضع عليه شاهد مبنى يسير مثل السارية أبيض، علامة أنه هذا هو جبل الرحمة. وقد فتن الناس، فصار الناس يأخذون من حجاره وترابه على تلك المعاني الفاسدة. فالشاهد لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد الجبل، بل وقف في أسفله عند الصخرات، وهو راكب عليه الصلاة والسلام. فصعوده خلاف السنة، مع ما فيه من المشقة وإضاعة الوقت، وأعظم من ذلك إذا تعبد لله بهذا الصعود. فلهذا نبه العلماء أنه لا يشرع صعود جبل الرحمة، وقد نقل ذلك على وجه الإجماع، سواء كان الإجماع السكوتي أو المنصوص الذي نص عليه بعض أهل العلم بقول الأكثرين، وعدم معرفة المخالف في ذلك. وهكذا يقال في كل موضع يتعبد لله فيه بعبادة ويظن أنه مستحب، وليس الأمر كذلك، لم يرد به دليل، فيقال مثله مثل صعود جبل مشعر الحرام في مزدلفة، ومثل صعود جبال منى على وجه التعبد، وكذلك أخذ شيء من حجارتها، أو كذلك زيارة ما يسمى بمواضع الزيارة، سواء في مكة أو في منى. فلا يستحب، بل قد يكره لكثرة ما ترى من منكرات ومن أمور باطلة لا يجوز تكثير سواد أهلها فيها، والإقرار لمثل ذلك. فلا يستحب زيارة غار حراء، ولا جبل ثور، ولا كذلك جبل النور، ولا مسجد عائشة، وغير ذلك من المواضع في مكة لا يستحب. وهل لا يجوز في هذا تفصيل؟ إن كان يؤدي إلى مفسدة فلا يجوز، وإن كان لا يؤدي إلى مفسدة، فبعض أهل العلم قال: هو مباح من المباحات، ولكنه لا ينبغي أن يكون على وجه الدوام حتى لا يكون فيه فتنة، ولا يكون بمعنى التعبد. ومثله كذلك في المدينة، لا المساجد السبعة، ولا مسجد القبلتين، أي ما يسمى بمسجد القبلتين، ولا غير ذلك من المواضع التي يسميها بعض العامة بمواضع الزيارة، إلا ما دل الدليل على مشروعية زيارته، إما بالدليل العام أو الخاص. كزيارة القبور للرجال بعد الوصول إلى البلد، وأما شد الرحل لزيارة القبور فلا، أو الدليل الخاص مثل المسجد النبوي أو إن كان الدليل خاصًا مثل المسجد النبوي أو مسجد قباء بعد وصول المدينة، أو غير ذلك مما يدل الدليل على مشروعية زيارته، إما بالدليل الخاص أو الدليل العام. أما ما لم يدل عليه الدليل، فهذا لا يستحب ولا يشرع، خصوصًا إذا كان يفضي إلى الغلو والفتنة. قال رحمه الله تعالى: «وتختلف أفضلية الحج راكبًا أو ماشيًا بحسب الناس والوقت، راكبًا أفضل، وهو المذهب». وقوله: «وتختلف أفضلية الحج راكبًا أو ماشيًا» يعني أن الصحيح فيه التفصيل، فلا يقال على الإطلاق: الركوب أفضل. لأن النبي مثلًا عليه الصلاة والسلام حج راكبًا، وقد صح أنه حج راكبًا عليه الصلاة والسلام، رواه عنه جماعة من الصحابة، بعضها في الصحيحين، وبعضها خارج الصحيحين. أي حديث حجه عليه الصلاة والسلام، كونه حج راكبًا. وهكذا كذلك لا يقال: المشي فيه مشقة أفضل، فيه مشقة أكثر فهو أفضل. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة: «إنما أجرك على قدر مشقتك». ولكن الصحيح في هذا التفصيل. فمن كان ركوبه أفضل في حقه أو في حق من ينتفع به، والثاني مثل النبي عليه الصلاة والسلام، فإن ظهوره وبروزه للناس وهو راكب أنفع للناس. ولهذا جاء في بعض الروايات أنه حج راكبًا حتى لا يفتقده الناس. فمن كان هذا حاله فحجه راكبًا أفضل، أو كذلك الأول، كأن يكون ضعيفًا، وحجه راكبًا يعينه على إتمام الحج، وحجه ماشيًا يتعبه ولا يعينه على إتمام الحج، فمثل هذا حجه راكبًا أفضل. والحج ماشيًا لمن ليس له نفقة وهو قوي خير له من الركوب، ولو كان هذا الركوب ليس على وجه المسألة، ولكنه على وجه التعرض بهدية الإخوان ونحوها، لأن فيها منة عليه. ولا شك أن الأفضل أن لا تكون له في حجه منة من مخلوق عليه. مثلًا شاب قوي ما عنده مال، لو سأل: هل الأفضل في حقي أن أحج ماشيًا أم أبحث لي عن رفقة يقبلوني معهم ويجدوا عندهم؟ يقال: الأفضل أن تحج ماشيًا، أنت شاب قوي وتستطيع أن تحج ماشيًا. وكونك تستعين بغيرك يكون عليك منه في هذه العبادة والفريضة خلاف الأفضل. ونحو ذلك مما قد يكون كذلك. وإذا كان الرجل قويا وعنده مال، فأيهم أفضل ماشيًا أو راكبًا؟ كذلك يقال بحسب ما يعرف الرجل من نفسه. فإن رأى من نفسه الصبر على الركوب، خصوصًا في هذه السنوات الأخيرة مع شدة الزحام، وأنه أخف عليه من المشي، حج راكبًا، أو رأى عدم صبره على طول المكث بكثرة زحام السيارات، ويرى أن المشي أخف عليه، حج ماشيًا، أو جمع بينهما بحسب الأصلح. تارة يمشي وتارة يركب، إن كان اليسر في الركوب ركب، وإن كان اليسر في المشي مشى. وهذا هو الأفضل أن يتتبع الإنسان في كل موضع ما هو أصلح، فتارة يركب وتارة يمشي. وهكذا قد يكون الرجل قويا ويحب المشي، لكنه عنده رفقة من الضعفة، إما نساء أو أطفال أو شيوخ وعجائز كبار، فلا يجوز له أن يتعبهم بالمشي، فهم ليست قوتهم كقوته، بل هذا فيه ضرر عليهم. فلذلك ينبغي عليه أن يرفق بهم، ومن الرفق أن يركبهم ويركب معهم. وهنا يأتي سؤال: من كان قويا وركب مع الضعفاء، فهل يترخص برخصة الضعفاء؟ الصحيح أنه يجوز له الترخص برخصة الضعفاء، خصوصًا إذا كان يشق ويضر الضعفاء، افتراق هذا القوي عنهم. ويدل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري وغيره، من حديث ابن عباس في إذن النبي صلى الله عليه وسلم للنساء والضعفة أن ينطلقوا من مزدلفة بعد غروب القمر، بعد منتصف الليل. فأذن لهم أن يمشي معهم بعض الشباب الأقوياء، وكان ممن مشى معهم ورافقهم، وكانوا من رفقة الضعفة، ابن عباس وجماعة من محارم أولئك النساء. واستدل به شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله إلى ما هو أوسع من ذلك. فأفتى رحمه الله أكثر من مرة، ومجموعة من طلابه يسمعون، وأنا معهم، أن أهل المركوب الواحد يجوز لهم أن يترخصوا بهذه الرخصة، إن كان يشق عليهم لقيام أهل هذا المركوب، خصوصًا إذا كان من الغرباء عن مكة. مثلًا حملة فيها تقسيم لأفراد الحملة في باصات، فجاء هذا الباص فيه ضعفاء، وفيه أقوياء، وفيه أناس محارم للنساء، ويوجد أناس وحدهم شاب، بعضهم رجال، لكنهم غرباء عن البلاد، يعرف نفسه مثلًا في مزدلفة، الباص قرر لأن أكثره فيه ضعفة، أكثر من في الباص ضعفة. فقررت الحملة أن هذا الباص من الباصات التي تمشي، فإذا مشى الباص يؤذن لمن؟ للضعفة ولرفقة الضعفة. طيب هؤلاء الأقوياء، الأفضل في حقهم ماذا؟ أن ينزلوا، أن ينزلوا ويبيتوا، بل هذا هو الواجب. لكن إذا كان هو غريب ويخاف أن يضيع، خصوصًا بعض الإخوة الغرباء يخاف أن يضيع، فيقول: أنا ما أستطيع أنزل، فين أنزل؟ كيف أفعل؟ كيف أذهب؟ كيف أرجع إلى الخيمة؟ فإذا خاف على نفسه من الضياع مع شدة الزحام، فلا بأس أن يمشي مع رفقته في نفس الباص، وإن كان الأحوط لا شك أنه يجلس. قال رحمه الله تعالى: «ويقصر من شعره إذا حل، لا من كل شعرة بعينها، والحلق أو التقصير إما واجب أو مستحب، ومن حكى عن أحمد أنه مباح فقد غلط». وهذه المسألة كذلك مما وقع فيه الناس، بل بعض من ينتسب إلى الفقه بين الإفراط والتفريط. فمنهم من ألزم بقص كل شعرة بعينها، وهذا فيه مشقة، يعني أنك تستوعب كل شعرة، خصوصًا لمن كان له شعر يسير، وكانت له مصلحة في التقصير. وربما في زمان متقدم ما عدم وجود الأدوات التي تعين على ذلك. في زماننا هذا يكون في هذا مشقة. وفي مقابل هذا أناس يسهلون ويوسعون، حتى أن بعضهم يأخذ نتفًا يسيرًا من الأمام واليمين والشمال والخلف، ويرى أن هذا تقصير يجزئه. وهذا ليس بالصحيح، بل التقصير الذي يجزئ هو التقصير الذي يدخل في معنى التقصير لغة وشرعًا وعرفًا. فليس من معنى التقصير لا في اللغة ولا في الشرع ولا في العرف، أخذ تلك النتف التي يفعلها العامة. يأتون بالمقص الذي يقص الشارب، تعرفون المقص، والناس تتاحفوا بهذا المقص، بعد هذه المقصات اليوم ما تقص الشارب، حتى الشارب تعجز أن تقصه. ثم يأخذ شعرة أو شعرتين من الأمام ومن اليمين ومن الشمال ومن الخلف، ويرى نفسه أنه قد تحلل. وقول المحققين من أهل العلم أن مثل هذا لم يتحلل، ولم يحصل له معنى التحلل، ولم يجزئه هذا التقصير. ولكن التقصير أن يظهر عليه أنه قصر، بأخذ شيء من شعره من جميع جهاته، مستوعبًا أكثره، وليس شرط أن يستوعبه كله كما ذكر. وأشار الشيخ رحمه الله على أن الأفضل لا شك الحلق. دعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة واحدة. ولهذا ترى أن التقصير ثقيل على بعض الناس الذين قد اغتبطت قلوبهم فرحة بشعورهم، وكرهوا أن يتركوها لله عز وجل. والعكس صحيح، من أحب العبادة فإنه يجد الفرحة والحب بماذا؟ بالحلق، طمعًا في زيادة الأجر. ولهذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام للمحلقين ثلاثًا، لأنه دليل على تمام وكمال استجابة لله عز وجل في هذه العبادة. وقوله: «إما واجب أو مستحب» لأنه كما تقدم مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أحد واجبات الحج. وقوله: «أو مستحب» يعني على ما قيل، وإلا فالصحيح أنه واجب من واجباته. بل لا يحصل التحلل إلا به، لا من العمرة ولا كذلك من الحج حتى يتمه، يعني التحلل الكامل. وإلا التحلل الأول كما تقدم بالرمي، والثاني بالطواف. ولهذا بعضهم قال: في الحج هو مستحب، والصواب أنه واجب. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم». وقال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». ولهذا قال: «ومن حكى عن أحمد أنه مباح فقد غلط» يعني أخطأ في هذا النقل والحكاية عن أحمد. قال رحمه الله: «ولا يستحب للمتمتع أن يطوف طواف قدوم بعد رجوعه من عرفة قبل الإفاضة، هذا هو الصواب، وقاله جمهور الفقهاء، وهو أحد القولين في مذهب أحمد». هذه المسألة في التنبيه على التعبد بإضافة هذا الطواف طواف القدوم، فإنه لا يستحب، ولا يمكن أن يفعل إلا على هذا المعنى. وإلا لماذا يفعل هذا الطواف؟ فليس للمتمتع طواف قدوم يعني للبيت، بل يطوف طواف الحج، وكذلك يسعى سعي الحج كما سيأتي إن شاء الله. وهذا الكلام إنما إذا كان يفعل على ما يظنه بعض الناس والعامة من التعبد لله بفعل ذلك، خصوصًا يوم العاشر. أما كونه مثلًا في أيام منى يأتي فيطوف تنفلًا، فهذا مستحب من عموم الأدلة: «وليطوفوا بالبيت العتيق». ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت في أيام منى، يزور البيت، وزيارة البيت ماذا يشرع لها؟ يشرع لها سائر ما يشرع من أصناف العبادات التي تشرع منها الطواف. لكن لو سأل السائل في هذا الزمان، يكثر الزحام، فأيهما أفضل؟ هل زيارة البيت؟ بل أخص من ذلك الطواف مع شدة الزحام؟ أما الأفضل عدم ذلك. الجواب: لا شك أن الأفضل إذا وقع الزحام والشدة، خلاف ذلك. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن اعتمر عمرته، وكان قارنًا، أنه خرج من البيت والمسجد الحرام، ونزل بالأبطح، وهو في موضع اليوم ما يسمى بمسجد المعابدة. الأبطح معروف اليوم، موضع معروف، فيه بلدية مكة المكرمة، فقد ابتعد عن البيت، وصلى صلواته الخمس في ذاك الموضع، حتى جاء يوم الثامن، ذهب إلى منى، ففعله ذلك استدل به العلماء على أن من معانيه أن لا يكون ذلك سببًا لسن ما يكون فيه المشقة على الناس، بازدحامهم على البيت. ولا شك أنه في وقت الحج من باب أولى. قال رحمه الله تعالى: «والمتمتع يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، نقلها عبد الله عن أبيه، كالقارن». وهذه المسألة مما اختلف فيها الفقهاء، خصوصًا في المتمتع والقارن. أما المفرد فلا إشكال فيه، المفرد لا إشكال فيه، لأن المفرد إذا أتى من خارج مكة، فسيطوف طواف الزيارة وطواف القدوم إذا أتى إلى مكة. فإن سعى أغناه سعيه ذلك عن سعي الحج، وإن لم يسعى فسيسعى يوم الحج مع طواف الحج، وذلك لأن من يأتي إلى الحج فهو على أحد أنساك ثلاثة كما تقدم: إما مفرد، وإما قارن، وإما متمتع، وعلمنا وصف هؤلاء الثلاثة. فالمفرد على هذا الوصف إذا أتى من خارج مكة، فسيطوف طواف القدوم، فإن سعى مع هذا الطواف، فسيجزئه هذا السعي عن سعي الحج، وإن لم يسعى فسيسعى يوم العاشر وما بعده، يعني إذا لم يستطع بيوم العاشر يسعى بعد طواف الحج. وأما القارن والمتمتع، فهل على كل واحد منهما أن يطوف طوافين وسعيين؟ أم يجزئهما طواف واحد وسعي واحد؟ أم فيه تفصيل؟ حكى الإمام ابن القيم رحمه الله، وقد بسط القول في هذه المسألة في تعليقه على مختصر المنذر، رحمه الله، على أبي داود. وأشار إلى أن العلماء اختلفوا إلى ثلاثة مذاهب. الأول: أنه على كل منهما أن يطوف طوافين وسعيين، أي القارن والمتمتع. وذكر أن ذلك روي عن علي وابن مسعود، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأهل الكوفة والأوزاعي، وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد. والقول الثاني: أنه على كل من القارن والمتمتع طواف واحد وسعي واحد، وأنه نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله، وأنه ظاهر حديث جابر بن عبد الله. وحديث جابر الذي أشار إليه هو ما رواه الإمام مسلم في صحيحه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطف أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول». رواه مسلم من حديث الزبير عن جابر. وسأتي توجيه هذا الحديث إن شاء الله. وأشار في القول الثالث إلى أن المتمتع يطوف طوافين ويسعى سعيين، والقارن يطوف طوافين ويسعى سعيًا واحدًا. فإن قدم سعيه في طواف عمرته أجزأه ذلك السعي عن طوافه الثاني. وهذا القول الثالث رواية عن عطاء وطاووس والحسن البصري، وأنه مذهب مالك والشافعي، وظاهر مذهب الإمام أحمد. ومن تتبع الأدلة وتأملها، علم أن الأحوط عملًا وجمعًا بين الأدلة: أن يكون حكم المتمتع أن يأتي بسعيين وطوافين، والقارن طوافين مع سعي واحد. والدليل على هذا ما جاء في الصحيحين في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه طاف طوافًا واحدًا، طوافه الأول، وطاف مرة ثانية، وسعى سعيًا واحدًا. ومعنى كذلك أن من تمتع أتى بطوافين وسعيين. ومعنى حديث عائشة رضي الله عنها جاء معنى كذلك في حديث عبد الله بن عباس. وقد أشار ابن القيم في ذلك الموضع إلى هذه الأحاديث، وبسط الكلام فيها. وهذه الأحاديث فيها من الصراحة ما هو أقوى مما جاء في حديث جابر بن عبد الله. بل حمل الكثير من أهل العلم حديث جابر بن عبد الله: أنه ليس عامًا في كل الحجيج، وإنما هو وصف خاص في حق من كان معه الهدي، وهم بضعة نفر كما ذكروا. وهؤلاء إنما سعوا سعيًا واحدًا صحيحًا، والطواف قد يعبر به ويراد به السعي، وهذا كثير في التعبير. وهذا هو الأحوط. وقوله رحمه الله: «والمتمتع يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة» هذا على ما روي عن إمام أحمد رحمه الله، وهو المروي عن ابن عباس وجابر بن عمر وطاوس وجماعة: أنه يستحب السعي الثاني ولا يجب. وهذا هو الذي قاله شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، بل في بعض المواضع في مجموع الفتاوى، أشار إلى أن الأفضل والأحوط أن يأتي المتمتع بسعيين مع الطوافين. ومن تأمل أنساك هؤلاء الثلاثة، علم أن هذا هو الصواب. لماذا؟ لأن المتمتع أتى بعملين منفصلين مكتملين، عمرة لوحدها، وسعي لوحدها، فاحتاجت العمرة إلى سعي، واحتاج الحج كذلك إلى سعي. وهذا الذي دل عليه معنى حديث عائشة وحديث ابن عباس، كما أشار إلى هذا المعنى والمفهوم الإمام ابن القيم رحمه الله في الموضع المشار إليه. وهذا هو الأحوط من أن نأخذ بشيء آخر ليس فيه هذه الصراحة، بل لهذا خالف الإمام ابن القيم رحمه الله قول شيخه، وبيّن أنه لا يترك لمثل هذه المجملات النصوص الصريحة الصحيحة، كما جاء في حديث عائشة. فمثل ذلك لا يترك، ولا يُعذر لمثله. وهذا لا شك أنه الأفضل والأحوط، كما أنه يفهم من حديث عائشة الآخر، في قول النبي صلى الله عليه وسلم حين جاء التشكي: «كيف الناس يرجعون بحج وعمرة، وأرجع بحج فقط؟». وهي لما حاضت، أخبرها النبي عليه الصلاة والسلام أن طوافها بالبيت وسعيها بين الصفا والمروة يجزئها عن الحج والعمرة. وأرادت وأبت إلا أن تأتي بعمرة، أذن لها، وأمر عبد الرحمن أخوها أن يعمرها من التنعيم. لكن الشاهد قوله لها: «أن طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يجزئك عن حجك وعمرتك» دل أن ذلك لا يجزئ لمن ليس له عذر، الذي له عذر كعائشة أجزأه. ومنه القارن الذي قد جمع بين العمرة والحج. لكن الذي لم يجمع بين العمرة والحج، ظاهر الحديث أنه لا يجزئه. ولا شك لأجل هذا وغيره يكون الأحوط أن يأتي المتمتع بطوافين وسعيين. طيب نقف عند هذا الحج، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.