السعادة في الدنيا والآخرة بطاعة الله ورسوله

السعادة في الدنيا والآخرة بطاعة الله ورسوله

المحاضرة بعنوان السعادة في الدنيا والآخرة بطاعة الله ورسوله، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

الافتتاحية: الحمدلة والصلاة على النبي

يستهل المتحدث بالثناء على الله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. تُعد هذه الصيغة مقدمة معتادة في الدروس والخطب الإسلامية لاستحضار البركة والتوجه إلى الله قبل البدء في الموضوع.

السعادة في الدنيا والآخرة بطاعة الله ورسوله

تؤكد المحاضرة أن السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة لا تتحقق إلا بطاعة الله ورسوله والتمسك بالكتاب والسنة، مستشهدة بتحول العرب من الذل والضلال إلى العز والهداية بالإسلام. وتوضح أن الله غني عن عبادة العباد، بينما هم المحتاجون إلى دينه القويم، محذرة من اتباع غير سبيل المؤمنين.

السعادة الحقيقية في طاعة الله وخطر الغرور بالدنيا

يؤكد الخطيب أن السعادة الحقيقية تكمن في طمأنينة القلب بالإيمان وطاعة الله ورسوله، لا في المال أو المناصب أو ملذات الدنيا. ويحذر من اغترار الناس بالحياة الدنيا الفانية مستشهداً بقصص قارون وفرعون وقوم هود الذين عاقبهم الله لاستكبارهم وإعراضهم.

شمولية العبادة والاستعداد ليوم الحساب

يؤكد الخطيب أن العبادة في الإسلام ليست مقصورة على الشعائر الظاهرة بل اسم جامع لكل ما يحبه الله من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة، مستغرقاً لوقت المسلم كله. ويحذر من الغفلة عن ذكر الله، مذكراً بهول يوم القيامة والحساب الدقيق، وأن النجاة الحقيقية تكون باتباع القرآن والسنة والاستعداد للقاء الله بالإيمان والعمل الصالح.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: السعادة في الدنيا والآخرة بطاعة الله ورسوله، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أيها الإخوة في الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وهكذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقول قتادة رحمه الله: «كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًا، وأشقاهم عيشًا، وأجوعهم بطونًا، وأعراهم جلودًا، وأبينهم ضلالًا، من عاش منهم عاش شقيًا، ومن مات منهم ردى في النار، حتى جاء الله بالإسلام فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكًا على رقاب الناس». فع علينا عباد الله أن نحمد الله عز وجل على هذه النعمة الكبرى، وهذه المنة العظيمة والجليلة، أن هدانا إلى دينه، وأن وفقنا إلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فما علينا عباد الله إلا المبادرة والمسارعة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وأنتم تسمعون، لا تكونوا كأهل الكتاب الذين قالوا... لا تكونوا كالمنافقين الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، لا تكونوا كالكفار الذين قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. بل سبيل أهل الإسلام والسنة أن يحمد الله عز وجل على نعمه العديدة وآلائه الجليلة، التي رأسها وأساسها منة ونعمة الهداية إلى دين الله، والتوفيق إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالله تبارك وتعالى يذكرنا في كتابه الكريم بهذه النعمة وهذا الفضل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. نعم عباد الله، تلا عليهم الآيات البينات، طهر قلوبهم من التعلقات الوثنية والعقائد السخيفة، نشر فيهم العلوم الفاضلة، نشر فيهم الأخلاق العالية، حتى صارت هذه الأمة أكرم أمة وأعز أمة، صاروا قادة الناس في العلم وفي الإيمان وفي العمل وفي العقيدة وفي الأخلاق وفي المنهاج. زكاهم الله عز وجل فقال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. هكذا كان سلفنا الصالح عباد الله، بعد أن كانوا رعاة للإبل والبقر والغنم، بعد أن كانوا بادية مضمحلة، بعد أن كانوا أذلة، لما تمسكوا بدين الله وعبوا على سنة رسول الله. انظروا عباد الله كيف أعزهم الله، وكيف شرفهم الله، وكيف رفعهم الله بهذا الدين، ليس بالقومية ولا بالوطنية ولا بالأنساب ولا بالأحساب، وإنما هو بدين الله، بكتاب الله عز وجل، وبسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فع علينا عباد الله، إذا أردنا أن يعزنا الله وأن يكرمنا الله وأن يرفعنا الله وأن نفلح في الدنيا والآخرة، أن نعود إلى دين الله، وأن نرجع إلى كتاب الله، وأن نتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ليس دين الله عز وجل بحاجة إلينا عباد الله، فنحن حينما نقيم حياتنا على مقتضى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حينما نصلي، حينما نصوم، حينما نزكي، حينما نجاهد، حينما نتقرب إلى الله تبارك وتعالى بأنواع الأعمال، ليس معناه أن دين الله عز وجل بحاجة إلينا، بل نحن المفتقرون ونحن المحتاجون، وإلا فالله عز وجل غني عنا، وغني عن بذلنا وإنفاقنا، وغني عن جميع عباداتنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. فع علينا عباد الله أن نعرف أن الله عز وجل كلفنا بتكاليف، وأمرنا بأوامر، وندبنا إلى مستحبات، ليس لي تقوى بنا، ولا لي تعزز بنا، ولا لي تكثر بنا، بل نحن المحتاجون إلى هذا الدين. فهذا دين عظيم، وشريعة عادلة، وعقيدة صحيحة، وأخلاق فاضلة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. نعم عباد الله، لا نحتاج إلى مذاهب أهل الشرق والغرب، لا نحتاج إلى أي مبادئ ولا أطروحات ولا مناهج ولا سبل، ولكن كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. إنه سبيل واحد، وإنه طريق واحد يوصل إلى الله، ويوصل إلى جنة الله، ويفضي إلى حصول السعادة في الدنيا والآخرة. ليست السعادة عباد الله في مال وفير، في قناطير مقنطرة من الذهب والفضة. ليست السعادة عباد الله في مناصب، في وزارات، في إمارات، في رئاسات. ليست السعادة عباد الله في فن أو رياضة، أو سلامة في الأبدان، أو صحة في المناخ، أو تمتع بالمآكل والمشارب. إنما السعادة: سعادة القلب، طمأنينة القلب، سكون النفس، أن يقوى الإيمان، وأن يعظم اليقين، وأن يتمتع العبد بمناجاة الله، أن يتمتع بعبوديته لله، أن يتمتع بطاعته لله وطاعته لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هؤلاء هم السعداء، وهؤلاء هم المفلحون، وهؤلاء هم الناجحون، هؤلاء هم المغبوطون الذين وفقهم الله عز وجل في هذه الدنيا إلى طاعته وطاعة رسوله، ثم أفضت بهم هذه الاستقامة وهذا الاعتصام إلى جنة ونهر عند مليك مقتدر. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وهكذا يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. هنيئًا لهؤلاء الفائزين، فازوا في الدنيا بطاعة الله، وفازوا في الآخرة بجنة الله، ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. هكذا عباد الله، كثير من الناس من يعرض ويدبر، ومن يتكاسل ويتوانى، ومن يأبى إلا الفرار من طاعة ربه وخالقه ومولاه الذي أسدى عليه بأنواع النعم، ثم يلجأ إلى تحصيل هذه الشهوات، ويلجأ في التنافس في هذه الملذات، يلجأ ويخلد إلى هذه الدنيا الفانية، هذه الدنيا الحقيرة، هذه الدنيا الغرارة، هذه الدنيا التي هي سريعة الفناء وسريعة الذهاب والزوال، حقيرة في كتاب الله. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. الله يدعونا إلى المكرمات، الله يدعونا إلى الرجوع إلى دينه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. وهكذا يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. الله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه، الله يدعو إلى الاستقامة، الله يدعو إلى الحياة السعيدة بالاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وأما هذه الدنيا فهذا مثلها في كتاب الله، أنها كزرع وثمار يأكل منها الناس والأنعام، وأنها طابت، وأنها تهيأت، وأنها صارت جاهزة للقطف وللأخذ، وأن أصحابها قد طابت وطالت نفوسهم وأعينهم إلى أخذها وقطفها وجناء ثمارها، بينما هم كذلك في سعادة، فإذا بريح باردة أو بصاعقة من السماء تيبس أوراقها وتذهب، ويذهب جمالها، وتذهب زهرتها. هكذا عباد الله شأن هذه الدنيا، أنها تتجمل للإنسان، وأنها تغر الإنسان، وأنها تدعو كثيرًا من الناس إلى التعلق بها حتى يغفلوا عن المورد وعن الموعد مع الله سبحانه وتعالى، مع أن الله عز وجل يناديهم من فوق سبع سماوات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. نعم عباد الله، لا نغتر بالشيطان الرجيم، فإنه كما قال الله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. لا نغتر بهذه الدنيا بزهرتها، بذهبها، بفضتها، بجمالها، بشهواتها، بملذاتها، فإنها تذهب سريعًا وتكون حملًا ثقيلًا على العبد إذا لم يتق الله ولم يرجع إلى الله ولم يعتصم بدين الله. فالمطلوب مننا عباد الله أن نراجع أنفسنا، وأن نبحث عن طريق السعادة، فليست السعادة عباد الله كما سمعتم في جمع الأموال، فإن قارون آتاه الله من الكنوز ما تنوء به العصبة أولو القوة عن حمل مفاتيحه، لكنه لم يشكر الله فكانت عذابًا عليه، كما قال الله عز وجل: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾. هكذا قال، فقال الله جوابًا: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. وهكذا عباد الله، هكذا فرعون الذي طغى أشد طغيان، الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، والذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. أخبر الله عز وجل عنه أنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وهو القائل كما أخبر الله عز وجل عنه في كتابه الكريم: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾. ترفع وتجبر واستكبر، فأجر الله عز وجل الماء فوق رأسه وأغرقه وجنوده. وهكذا قوم هود، وهكذا قوم عاد، فانظروا كيف متعه الله بالقوة وبالجنات وبالحدائق وبالأموال وبالبنين وبالأنهار، فاستكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، وكانوا بآياتنا يجحدون. هكذا عذبهم الله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل يدعونا إلى أن نعمر آخرتنا، وإلى أن نعتبر بما حل بالأمم قبلنا من أنواع العذاب والنكال، حينما أعرضوا وتغافلوا واستكبروا. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. نعم يا عباد الله، علينا أن نحذر من هذه الغفلة وهذا البعد عن ديننا، فنحن كما سمعتم في أمس الحاجة إلى أن نرجع إلى ديننا، وأن نراجع أنفسنا، وأن نستعد للقاء ربنا، فإن هناك جنة ونار، وهناك أهوال، وهناك شدائد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. كيف تفوز وكيف تفلح وقد كثرت الفتن، وكثرت الشهوات، وكثرت الشبهات؟ لا عاصمة لنا عباد الله من هذه الفتن وهذه الضلالات والانحرافات وأنواع الشهوات والشبهات، إلا بما جعله الله عز وجل لنا عاصمة بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. من تمسك بهما نجاه الله، من تمسك بهما هداه الله، من تمسك بهما سعد في الدنيا والآخرة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. نعم، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة». فتمتعوا عباد الله بمناجاة الله وطاعة الله والعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وعبوديتنا لله ليست العبادة مقصورة على صلوات نؤديها، أو على أموال ننفقها، إنما عبادة الله هي مستغرقة لوقت المسلم من صباحه إلى مساءه، في ليله ونهاره. فإن العبادة معنى أوسع وأشمل وأكبر مما يظن كثير من الناس. كثير من الناس من إذا صلى الصلاة - ويا لها من نعمة - أو أنفق بعض الأموال، أو حج إلى بيت الله الحرام، يرى أنه من السابقين إلى الخيرات وأنه قد أدى ما عليه، ثم تحصل الغفلة، وتحصل المعاصي، ويحصل الضياع، مع أن العبادة كما عرف أهل العلم: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. أعمال القلوب: من محبة الله ورسوله، والرجاء لرحمة الله، والخوف من الله سبحانه وتعالى، وهكذا الصبر لأقدار الله، وهكذا التوكل على الله، وهكذا الاستعانة بالله. وهكذا عباد الله العبادات اللسانية: من تلاوة القرآن، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أنواع الأذكار، من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل. وهكذا عباد الله الأعمال التي هي بالجوارح. وهكذا عباد الله الأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة: من بر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالوعود، وأداء الأمانات، وكظم الغيظ، والحلم، والجود، والشجاعة، والكرم، والإحسان إلى الزوجات والأولاد، والإحسان إلى الجيران. هذه كلها داخل في عبادة الله تبارك وتعالى. فالعبادة عباد الله تستغرق وقت المسلم من الصباح إلى المساء، في الليل والنهار. فعلينا عباد الله أن نبادر إلى ربنا، وأن نعرف لمَ خلقنا الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. فهكذا عباد الله، المسلم يعرف أن الموت نازل، وأن الأجل قادم، فعليه أن يستعد للقاء الله عز وجل، لا يستعد للقاء الله بماله، ولا يستعد للقاء الله بقبيلته وعشيرته، لا يستعد للقاء الله بوظيفته ونسبه، لا يستعد لزوجه وأولاده، وإنما يستعد بالإيمان بالله والعمل الصالح. وإلا فإن الأموال والزوجات والأولاد والقبائل والعشائر، وإن كانوا نعمًا، فإنها نعم مؤقتة، تنفع صاحبها ما دام حيًا، فإذا مات لا المال ينفع ولا الولد يدفع، وإنما كما قال الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. نعم عباد الله، فعلينا أن نعرف ذلك وأن نتيقن ذلك، فنصرف أوقاتنا ونمضي حياتنا في طاعة الله، فإن الله سائلنا، سائلنا عن أعمالنا، سائلنا عن أموالنا، سائلنا عن زوجاتنا وأولادنا، سائلنا عن حياتنا: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾. هكذا يخبرنا الله عز وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. فهناك حساب وهناك سؤال، فعلينا أن نعد الجواب لذلكم اليوم العصيب، ولا يكفي أن نعد الجواب حتى نعد الصواب، فإنه ناس يتحسرون ويتندمون، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، نسأل الله عز وجل أن يحفظنا وإياكم، ويعيذنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه سميع الدعاء. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.