الدرس في شرح اللآلئ البهية 42، الدرس الثاني والأربعون : فيه : ( وأخرج الترمذي والبيهقي عن أنس رضي الله عنه ... قاله الإمام القرطبي في تذكرته والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الحديث عن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بذكر حديث ضعيف ثم شرح حديث صحيح عن أبي هريرة يصف حال الناس يوم القيامة. يلجأ الناس إلى الأنبياء للشفاعة حتى يصل الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
يشرح تفاصيل الشفاعة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، حيث يشفع لأهل الموقف بعد اعتذار الأنبياء. يبين أن للنبي ثلاث شفاعات اختص بها وهي الشفاعة العظمى ودخول الجنة والتخفيف عن عمه.
لا تنفع الشفاعة إلا بإذن الرحمن ورضاه عن الشافع والمشفوع له. الإذن بالشفاعة من الله تعالى هو الشرط الأساسي لحدوثها. كما يحذر من طلب الشفاعة في الدنيا لأنه لم يأذن بها الله ورسوله وقد يصل إلى الشرك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المرداوي رحمه الله تعالى: قال واخرج الترمذي والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وخطيبهم إذا أنصتوا، وقائدهم إذا وفدوا، وشافعهم إذا حبسوا، ومبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، ومفاتيح الجنة يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربي ولا فخر، يطوف علي ألف خادم كأنهم اللؤلؤ المكنون». وهذا الحديث بهذا اللفظ، كما أشار إليه، ضعيف، قد ضعفه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في المشكاة. وبعض معناه صحيح، قد دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وسيأتي إن شاء الله ذكر بعضها. قال: وعند البخاري ومسلم وغيرهما، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة». وألتدريون مم ذا؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما قد بلغكم؟ ألا ترون إلى من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول الناس بعضهم لبعض: أبوكم آدم. فيأتونه فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى إلى ما نحن فيه وما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري -يعني أنه اعتذر عن الشفاعة- قال: اذهبوا إلى نوح، فيحيلهم إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، وعيسى يقول: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد. فيأتونني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ قال: فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب. فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك. ثم قال: «والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى». وهذا الحديث، كما أشار إليه، ألفاظه أكثرها في البخاري، وبعضه في مسلم، وهو فيه دليل على الشفاعة العظمى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي الشفاعة لأهل الموقف. وهي أحد الثلاث شفاعات اختص بها نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد انفرد عليه الصلاة والسلام بثلاث شفاعات، هي له، ليس لأحد من الناس. أولها هذه الشفاعة، والتي تسمى بالشفاعة العظمى أو الشفاعة الكبرى، لأنها تكون لجميع المخلوقات الذين يتجمعون في أرض المحشر، فيشفع نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهم بعد اعتذار الأنبياء. وهذا أحد الأحاديث الذي وردت فيه، وقد ورد من حديث أبي سعيد، وحديث أنس، وغيرهم من الصحابة. والشفاعة الثانية مما اختص به عليه الصلاة والسلام: الشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أنا أول شفيع في الجنة»، رواه مسلم من حديث أنس، ورواه كذلك من حديث حذيفة، وأبي هريرة بنحوه. والشفاعة الثالثة: التخفيف عن عمه، وهي كما يقولون الشفاعة لبعض المشركين بالتخفيف عنهم، وهي من خصائص مما اختص به نبينا عليه الصلاة والسلام من الشفاعات. ودليل ما جاء في الصحيحين، في حديث أبي سعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أنا لكان عمي في الدرك الأسفل من النار، ولكنه في جمعالان أو شراكان من نار، يغلي منهما دماغه». وهذا أدنى التخفيف الذي خفف عن عمه، وليس ذلك لأحد إلا له عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: فصل الشفاعة العامة التي خص بها نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بين سائر الأنبياء عليهم السلام، هي المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي». وهذه الشفاعة هي الشفاعة لأهل الموقف، كما سبق. قال: وهذه الشفاعة لأهل الموقف إنما هي لأجل حسابهم ويرتاحوا من الموقف، يعني يتعبون وينصبون من قول انتظارهم في الموقف، كما مر معنا في الحديث. قال قاله الإمام القرطبي في تذكيرته، والله أعلم. وهذا كما سبق هو أحد شفاعة من شفاعات ثلاث اختص بها نبينا عليه الصلاة والسلام، وفيه دليل على ما سبق ذكره أن هذه الشفاعة لا تكون إلا بشروطها. هذه الشفاعة لا تكون إلا بشروطها، وأنها يوم القيامة يؤذن للنبي عليه الصلاة والسلام. أما في الدنيا فلا، أما في الدنيا يأتون إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام أو قبر غيره، فيقول: اشفع لي يا رسول الله، أو اشفع لي يا فلان، هذا مما لم يأذن الله فيه أولا. والعبادة مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن يحدث شيئا من الدعاء لم يأذن الله عز وجل به. فلو قال لك قائل: أليس النبي عليه الصلاة والسلام يشفع؟ نقول: نعم يشفع، لكن يشفع بما أذن الله فيه وبما رضيه. فلم يأذن الله سبحانه وتعالى ولا جاء الرسول عليه الصلاة والسلام أن الشفاعة تطلب في الدنيا، لا، وإنما الشفاعة تكون يوم القيامة بشروطها كذلك. وأما ما يفعله الناس في الدنيا اليوم فهو مما يناهي عنه الشرع، ويصل إلى البدعة، وقد يصل إلى الشرك بحسب دعاء الداعي. وقد مر معنا شروط الشفاعة: من يعيدها؟ نعم، من عنده: الرضا عن الشافع، الشافع الذي يشفع، والمشفوع له، الرضا عن المشفوع له، والثالث: الإذن بالشفاعة. نعم، تحفظ دليل نعم. هذا بالنسبة للثالث والأول: شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. فهذه فيها شروط الشفاعة جميعا وإن فصل. فقول الأول: الرضا عن الشافع، لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا، وعن المشفوع له: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى. والإذن بالشفاعة: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.