الدرس في شرح اللآلئ البهية 26، الدرس السادس والعشرين : فيه : ( وأخرج ابن جرير وابن مردوية ... ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لإثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة، ويشير إلى تواتر أحاديث الرؤية عند أئمة الحديث. يشرح ذلك باستفاضة معتمدًا على مصادر السنة.
يناقش المقطع إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة رؤية حسية، ويستند إلى أحاديث نبوية صحيحة، ويرد على من يفسرها برؤية معنوية، مؤكدًا على أن رؤية الله تعالى تليق بجلاله وعظمته.
يبرز المقطع أهمية الأخذ عن الأكابر في العلم، ويبين أن إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة موروث عند أهل السنة، بينما ينكر المعتزلة هذه الأحاديث ويعتبرونها من الرأي والهوى، ويستدل على ذلك بالأحاديث والآيات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ المرداوي رحمه الله تعالى: وأما الحديث، قال: وخرج ابن جرير، وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي بصوت يسمع أولهم وآخرهم: يا أهل الجنة، إن الله وعدكم الحسنى والزيادة»، قال: والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن، والحديث ضعيف كما أشار إليه المعلق، ويغني عنه لحديث الصحيحة الواردة في الباب. قال رحمه الله تعالى: مثل حديث عدي بن حاتم: «ما منكم إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان»، حديث بحريره سيأتي معنا إن شاء الله. قال: وقال الإمام الحافظ البيهقي في كتاب الرؤية: هذا تفسير قد استفاض واشتهر فيما بين الصحابة والتابعين، ومثله لا يقال إلا بتوقيف، يعني أن تفسير هذه الآيات بالرؤية شيء قد استفاض، يعني كثرة النقل، والحديث المستفيض أو الأثر المستفيض هو عند أهل العلم الأثر الذي بلغ في الكثرة ما هو دون المتواتر وفوق الآحاد. قال: وغسروا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، قال ابن عباس رضي الله عنهما: حسنة إلى ربها ناظرة، قال: ناظرة إلى الخالق، يعني من النظر. وقال عكرمة: ناظرة من النعيم إلى ربها ناظرة، قال: تنظر إلى الله نظرًا، يعني من الرؤية. وهذه الآثار لو لم ترد لكفى لظاهر اللغة بما يفهم من اللسان العربي المبين أن النظر هاهنا من الرؤية؛ لأن النظر إذا عدي بإلى كما مر معنا فهو من الرؤية. قال رحمه الله تعالى: أخرج ابن أبي حاتم، واللالكائي عن الحسن في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، قال: إذا كان يوم القيامة برز ربنا تبارك وتعالى، فيراه الخلق، يعني المؤمنون، ويحجب عنه الكفار فلا يرونه، وهذا معنى سيأتي معنا في الأحاديث. قال: فهذه تفاسير هذه الآيات مسندة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يعني يريد الأحاديث التي مرت وغيرها مما لم يذكره المؤلف، وعن الصحابة، يعني هذه الآثار، والتابعين، يعني كذلك ما جاء عن عكرمة والحسن. قال: والتابعين بلغت مبلغ التواتر عند أئمة الحديث، وقد ذكر العلماء أن أحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة. قال رحمه الله تعالى: وأما أحاديث الواردة في الرؤية، فأخرج اللالكائي في السنة من طريق مفضل بن غسان، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: عندي سبعة عشر حديثًا في الرؤية كلها صحاح، يعني كلها أحاديث صحيحة. قال: وقد ورد ذلك من حديث الصديق، وأنس، وجابر، وجرير البجلي، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وصحيح، وعباد بن الصامت، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وليث بن عامر، وأبي رزين، وعلي بن أبي طالب، وعدي بن حاتم، وعمار بن ياسر، وفضالة بن عبيد، وأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، وبريدة بن الحصيب رضي الله عنهم مجمعين. وفي البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟» قالوا: لا، قال: «هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا، قال: «فإنكم ترونه كذلك»، يعني ترون الله عز وجل، لا يضركم شيء من رؤيته، يعني لا يمنعكم مانع من رؤيته. قالوا: وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جرير البجلي، قال: كنا جلوسًا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ننظر إلى القمر ليلة أربعة عشر، فقال: «إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا، لا تضارون في رؤيته»، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروب... إلى آخره. والحديث في الصحيحين. وعيانًا جاءت رواية في البخاري من طريق عبد الرزاق بن همام، وزعم بعض أهل العلم أنها شاذة وليس كذلك، فقد توبع عند ابن خزيمة في التوحيد بإسناد صحيح آخر، فهو صحيح. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «عيانًا»، تأكيد إلى أن الرؤية تكون بالعين، خلافًا للأشاعرة والكلابية والمعتزلة الذين زعموا أن الرؤية رؤية معنوية، وليست رؤية حسية، ومع ذلك مختلفون، ومنهم من قال: إنها رؤية بالقلب، ومنهم من قال: رؤية لا في محل، ومنهم من قال: رؤية المرآة، وغير ذلك من التفاسير التي تجتمع على أنها رؤية معنوية ليست رؤية حقيقية، وهذا باطل؛ فأدلة الكتاب والسنة تدل على أنها رؤية حقيقية تليق بجلال الله وعظمته. قال رحمه الله تعالى: قال العلماء: المعنى ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك وتنتفي معها الريبة كرؤيتكم القمر، لا ترتابون ولا تمترون. وفي لفظ: «لا تضامون»، يعني رؤية بالتخفيف والتشديد، لا تضامون، يعني لا يمنع بعضكم بعضًا، ولا تضامون بالتخفيف، قال: الرؤية بتخفيف الميم، مضموم أوله من الضيم، أي لا يلحقكم برؤيته ضيم ولا مشقة، وبتشديدها والفتح على حرف التاء، أي لا يضام بعضكم بعضًا، يريد أنكم ترونه وكل واحد في متانه، ما أحد يغطي على أحد. قال: وأخرج الترمذي عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة، قال أبو هريرة: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، قال سعيد: فيها سوق؟ قال: نعم، أخبرني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم، ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون ربهم، ويبرز لهم عرشه، ويتبدل لهم في روضة من رياض الجنة، فتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم -وما فيهم دنيء- يعني كلهم في مستوى واحد، وأدناهم يعني أقصاهم أبعدهم، ولكن لا يكون أحد منهم بعيد مثل القمر إذا اجتمع الناس وتراكبوا في رؤيته، فكان قوم في أول الصف وقوم في آخر الصف، هل يكون في ذلك أدنى وأقرب بالنسبة للقمر؟ الجواب: لا، فالكل يراه رؤية واضحة لا يمنع بعضهم بعضًا من الرؤية ولا يسبق بعضهم بعضًا من الرؤية، ولله المثل الأعلى، فهو تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي، تشبيه الرؤية بالرؤية يعني رؤية واضحة بيّنة حقيقية، وكذلك رؤية الرب سبحانه وتعالى واضحة بيّنة حقيقية. قال: والحديث هذا ضعيف سيأتي. قال: وما فيهم دنيء، يعني كلهم قريب. قال: على كثبان المسك والكافور، وما يرون أن أصحاب الكراسي أفضل منهم مجلسًا. قلت: يا رسول الله، ويرون ربنا؟ قال: نعم، هل تبارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلت: لا، قال: كذلك لا تبارون في رؤية ربكم، ولا يبقى بذلك المجلس رجل إلا حاضره الله محاضرة، يعني كلمه كلامًا معه. قال: حتى يقول الرجل: مهيم يا فلان ابن فلان، أتذكر يوم فعلت كذا وكذا؟ فيذكر بعض غدراته بالدنيا، يعني بعض سقطاته، فيقول: يا رب، أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه. وهذا الحديث ضعيف، وبعض ألفاظه معناها صحيح. فمر معنا قبل قليل من حديث أبي هريرة وغيره: «لمسألة الرؤية لا تبارون في رؤيته» الحديث. ومر كذلك قبل حديث عدي بن حاتم: «ما منكم إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه»، والحديث في الصحيحين. وأما ذكر السوق فهو ضعيف لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقد قص الله سبحانه رؤيته في الآخرة بالمؤمنين وحجب عنها الكافرين والمكذبين لها، يعني بالرؤية، بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ الآيات. قال: علي بن النبي سألت عبد الله بن المبارك عن رؤية الله تعالى، فقال: ما حجب الله عنه أحدًا إلا عذبه، يعني أن المحجوب عنها معذب. قال: ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. قال: واستدلل إما بهذه الآيات أن مكذب الرؤية كافر؛ لماذا؟ لأنه جحد بعد إقامة الحجة عليه، يكفر؛ لأنه جحد أدلة الكتاب والسنة المتواترة، وما نقل عن سلف الأمة في إثبات الرؤية، وأنه إذا جحد استحق الوعيد الشديد في هذه الآية: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. قال: وقد رُوي عن بعض الأئمة أنه توعد بعض المعتزلة حين نفى الرؤية بهذه الآية حين كذب بأحاديث الرؤية، فقال: ليهنئك ما في هذه الآية، يعني قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: الرؤية. قلت: إن عندنا قومًا من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث، يقول: هذا ابن المدينة لعبد الله بن المبارك الإمام. وبه تعرف أهمية العلم والأخذ عن الأكابر، وأن علم أهل السنة موروث، يقوله كابر عن كابر، ويقوله خَلَف عن سلف. وأما علم أهل البدعة فهو مستحدث. قال: فقلت: إن عندنا قومًا من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، وإن أهل الجنة يرون ربهم. قال: فحدثني ابن المبارك بنحو عشرة أحاديث في هذا، يعني في إثبات الرؤية. وقال: أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين، والتابعون أخذوه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم عن من أخذوه؟ يعني هؤلاء أخذوا دينهم من من؟ هؤلاء الذين يزعمون بنفي الرؤية عن من أخذوا هذا الدين؟ إنما هو الرأي والهوى والفجور. قال: وقال عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون: ولم يزل يملي لهم -يعني المفتونين من الجهمية وأضرابهم- الشيطان حتى جحدوا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فقالوا: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحدوا والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجه الكريم، ونظرته إياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ونظرته يعني نعيمه لهم بالرؤية وبغيرها. قال: فورب السماوات والأرض ليجعلن رؤيته يوم القيامة للمخلصين له ثوابًا لينظر بها وجوههم دون المجرمين كما في الآية، قالوا: يفلج بها حجتهم على الجاحدين، وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لا يرونه، كما زعموا أنه لا يرى، يعني في الدنيا، ولا يكلمهم ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم كما زعموا كذلك في الدنيا أنه لا يكلمهم ولا ينظر إليهم. قال: فهذه الآثار وهذه الأحاديث والآيات تدل دلالة واضحة لا شك فيها أن الله عز وجل يرى رؤية حقيقية تليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وسأتي إن شاء الله بتمت لهذا الفصل بثوس لاحق. والآن انتهى الوقت، نكتفي والحمد لله رب العالمين.