اللقاء المفتوح 17

السؤال: اللقاء المفتوح 17، وكان يوم الجمعة 19 ربيع الآخر 1434هـ أجاب عنه الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية العلم والعمل الصالح

يؤكد الخطيب على أهمية العلم النافع والعمل الصالح في تحقيق السعادة الحقيقية. ينبغي على المسلم أن يحرص على العلم والعمل الصالح ليكون من أسعد الناس.

التحلي بالحكمة والرفق في الفتن

يُناقش أهمية لزوم الصراط المستقيم والتحلي بالحكمة والرفق في أوقات الفتن. يُشدد على أن سَلامة الدين هي أعظم ما ينبغي للمسلم أن يعتني به.

حكمة تأخير النصح ومراعاة المصلحة

يشرح كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر في بعض المواقف بسبب ظروف القوم. يُظهر هذا أهمية مراعاة المصلحة ودرء المفسدة في الدعوة.

حكم التبني في الشريعة الإسلامية

يتناول سؤالا حول حكم التبني في الإسلام، حيث الجواب هو أن التبني بهذا الشكل غير جائز شرعا. يُوضح أن التبني ليس له سند شرعي.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ، فَنَحْمَدُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْنَا مِنْ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَنُخَصِّصُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، عَلَى مَا خَصَّنَا مِنْ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالتَّوْفِيقِ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَذَلِكَ عَظِيمٌ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْعَمَ عَلَى أَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِهَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ الَّذِي فِيهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْهُدَى مَا هُوَ سَبَبٌ لِسَعَادَةِ هَذَا الْإِنْسَانِ فِي دُنْيَاهُ وَفِي أُخْرَاهُ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي هَذِهِ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، لِهَذَا الْعِلْمِ وَالْهُدَى، بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. فَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي نَيْلِ هَذِهِ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، بِتَفَاوُتِ أَخْذِهِمْ لِهَذَا الْعِلْمِ وَالْهُدَى الَّذِي بَعَثَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، تَأَكَّدَ عِنْدَنَا مَا يَتَكَرَّرُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِنْ أَهَمِّيَةِ اعْتِنَاءِ الْمُسْلِمِ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْحِرْصِ عَلَى إتْبَاعِهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ. لَيْسَتِ السَّعَادَةُ بِالدُّورِ وَالْقُصُورِ، وَلَا بِالْمَرَاكِبِ الْفَارِهَةِ وَالْقُصُورِ الْفَاخِرَةِ، وَلَا بِاسْتِكْثَارِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ، بَلْ بَعْضُ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الشَّقَاءِ. كَمْ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ صَارُوا بِسَبَبِ الْغِنَى مِنْ الْأَشْقِيَاءِ! وَكَمْ مِنْ أَهْلِ الْمَنَاصِبِ الْعَالِيَةِ وَالْمَرَاتِبِ الرَّفِيعَةِ صَارَتْ مَنَاصِبُهُمْ وَمَرَاتِبُهُمْ سَبَبًا لِشَقَاوَتِهِمْ وَتَعَاسَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا فَضْلًا عَنْ الْآخِرَةِ! وَكَمْ مِنْ مَنْ اسْتَكْثَرَ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَالزَّوْجَاتِ، وَتَسَابَقَ وَطَاشَتْ جَوَارِحُهُ فِي أَنْوَاعِ الشَّهَوَاتِ وَالْمَلَذَّاتِ، كَانَ وُصُولُهُ لِهَذِهِ الشَّهَوَاتِ وَاسْتِمْتَاعُهُ بِتِلْكَ الْمَلَذَّاتِ لَيْسَ سَبَبًا لِسَعَادَتِهِ، بَلْ صَارَ سَبَبًا لِشَقَاوَتِهِ وَسَبَبًا لِتَعَاسَتِهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فَضْلًا عَنْ الْآخِرَةِ! حَتَّى صَارَ الْعُقَلَاءُ إِذَا نَظَرُوا لِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، نَظَرُوا بِعَيْنِ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَمِ لِمَا أَصَابَ هَذَا الْإِنْسَانَ. يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِنَظَرَيْنِ: نَظَرٍ بِمَا عَلِمُوا مِنْ شَرْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَقَتُوهُ لِبُعْدِهِ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَإِعْرَاضِهِ عَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَنَظَرُوا إِلَيْهِ بِنَظَرِ قَدَرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَرَحِمُوهُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلِاتِّعَاظِ وَالِاعْتِبَارِ. هَذَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا مُلِئَتْ بِهِ هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ الْمُخْتَلِفَةِ وَمَعَاشِهِمْ الْمُتَنَوِّعِ، وَلَنَا فِي هَذَا عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ، عِبَادَ اللَّهِ، لِأَجْلِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ لَا تَكْمُنُ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي الْحِسِّيَةِ، وَلَكِنْ حَقِيقَةُ الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِمَا فِيهِ حَقِيقَةُ السَّعَادَةِ، بِأَنْ يُوَفِّقَكَ لِلْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي بِهِ مَا تَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ كَمَالُهُ وَتَمَامُهُ، وَالَّذِي بِهِ تَجِدُ الرَّاحَةَ فِي بَاطِنِكَ وَفِي ظَاهِرِكَ. مَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْتَشْعِرَ الْإِنْسَانُ هَذِهِ الرَّاحَةَ الَّتِي تَكُونُ بِهَا السَّعَادَةُ، رَاحَةَ الْبَاطِنِ وَرَاحَةَ الظَّاهِرِ، حَتَّى لَوْ نَقَصَ عَنْ الظَّاهِرِ بَعْضُ الْمَلَذَّاتِ أَوِ الشَّهَوَاتِ! فَبِمَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِ هَذَا الْمُؤْمِنِ مِنَ الْقَنَاعَةِ، وَالنَّظَرِ إِلَى عَظِيمِ مَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنَّ الْخَيْرَ فِيمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا لَهُ، يَجِدُ نَفْسَهُ أَنَّهُ مِنْ أَسْعَدِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ كَذَلِكَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ حَيَاةً طَيِّبَةً. وَالدُّنْيَا مَاضِيَةٌ مَاضِيَةٌ بِالْقَلِيلِ أَوْ بِالْكَثِيرِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلْنَحْرِصْ، عِبَادَ اللَّهِ، عَلَى مَا تَكُونُ بِهِ السَّعَادَةُ الْحَقِيقِيَةُ، مِنْ الْحِرْصِ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي بِهِ تَكُونُ سَعَادَةُ هَذَا الْإِنْسَانِ فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَنَنْتَقِلُ بِهَذَا إِلَى مَعْنًى آخَرَ، نَتَوَاصَى بِهِ وَنَتَذَاكَرُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ، وَكَذَلِكَ يَنْاسِبُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ، وَهُوَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ بَعْضُنَا بَعْضًا مِنْ أَمْرِ لُزُومِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ مَعْنَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَالدِّينِ الْقَوِيمِ الَّذِي هُوَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَمِيعًا، وَكَانَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ مَنْ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَخُتِمَتْ بِهِ رِسَالَةُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَلِكَ مَنْ اتَّبَعَ هَذَا الطَّرِيقَ الْقَوِيمَ وَالصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لُزُومُ هَذَا الْحَقِّ وَالْهُدَى الَّذِي هُوَ الْاعْتِنَاءُ بِأَمْرِ صَلَاحِ الدِّينِ، فَهُوَ أَعْظَمُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَنَى بِهِ الْمُسْلِمُ. بَيْنَمَا النَّاسُ يَلْتَفِتُونَ إِلَى أُمُورٍ مُشْرِقَةٍ وَمُغْرِبَةٍ، مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِهَذَا الطَّرِيقِ، يَنْظُرُ بِمَنْظَارٍ آخَرَ، وَيَعِيشُ عَيْشًا آخَرَ، وَيَزِنُ بِمَوَازِينَ أُخْرَى. فَأَهَمُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ سَلَامَةُ الدِّينِ، أَعْظَمُ شَيْءٍ عِنْدَهُ سَلَامَةُ الدِّينِ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، يَكُونُ لَهُ مِنْ الْأَمْرِ وَالْحَالِ وَالْعَيْشِ مَا يَخْتَلِفُ عَنْ أَمْرِ وَحَالِ وَعَيْشِ النَّاسِ. لَهُ حَيَاةٌ تَخْتَلِفُ عَنْ حَيَاةِ النَّاسِ، وَلَهُ عَيْشَةٌ تَخْتَلِفُ عَنْ عَيْشَةِ النَّاسِ، وَلَهُ أَحْوَالٌ تَخْتَلِفُ عَنْ أَحْوَالِ النَّاسِ. بَيْنَمَا النَّاسُ يُشْرِقُونَ وَيُغْرِبُونَ، وَيَزِنُونَ الْأُمُورَ بِمَوَازِينَ مُخْتَلِفَةٍ، إِذَا بِهِ يَزِنُ الْأُمُورَ بِمِيزَانٍ آخَرَ يَخْتَلِفُ عَنْهُمْ تَمَامًا، لِأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى سَلَامَةِ دِينِهِ. هَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْلَمُ لَهُ أَمْرُهُ فِي دُنْيَاهُ وَفَآخِرَتِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْزِمَهُ الْمُسْلِمُ فِي أَوْقَاتِ الْفِتَنِ مِنْ الرِّفْقِ وَالسَّكِينَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. مِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَمَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ. إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ. فَلُزُومُ الرِّفْقِ وَالسَّكِينَةِ مِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُلَازِمَهَا الْمُؤْمِنُ، خُصُوصًا فِي أَوْقَاتِ الْفِتَنِ. وَنَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَنَا جَمِيعًا التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ. وَالْمُوَفَّقُ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَكَذَلِكَ نَنْتَقِلُ لِأَمْرٍ آخَرَ، نَخْتِمُ بِهِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ، ثُمَّ نَشْرَعُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَى مَا يَتَيَسَّرُ مِنْ أَسْئِلَةٍ. هَذَا الْأَمْرُ هُوَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى بِهِ الْمُسْلِمُ عُمُومًا، وَطَلَبَةُ الْعِلْمِ وَالدُّعَاةُ خُصُوصًا، مِنْ الْحِكْمَةِ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَقْوَالِ، وَمُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ مِنَ الْمَفَاسِدِ. فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا حِفْظُ الدِّينِ. فَلَيْسَ الشَّأْنُ كُلُّ الشَّأْنِ أَنْ تُلْقِيَ مَا عَلِمْتَ مِنْ الْعِلْمِ. فَإِنَّ مِنْ الْحِكْمَةِ أَحْيَانًا أَنْ تَحْفَظَ بَعْضَ الْعِلْمِ إِنْ خَشِيتَ فِي بَثِّهِ فِتْنَةً. حَدِّثِ النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذِّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ وَكَذَلِكَ فِي الْأَثَرِ الْآخَرِ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً. قَدْ يَكُونُ مِنْ الْحِكْمَةِ وَمِنَ الدِّينِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالنُّصْحُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فِي مَقَامٍ مَا، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالدِّينِ قَبْضُ مَا عَلِمْتَ مِنْ الْعِلْمِ مِمَّا فِيهِ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ نَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ نُصْحٌ لِمُسْلِمٍ. فَإِنَّ لِهَذَا مَوْضِعًا، كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ لَهُ مَوَاضِعُ. هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ، كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ لَهُ مَوَاضِعُ. فَأَحْيَانًا عِنْدَ طَيْشِ الْمَنْصُوحِ وَخِفَّةِ عَقْلِهِ وَحِلْمِهِ، يَكُونُ مِنْ الْحِكْمَةِ عَدَمُ مُوَاجَهَتِهِ بِالنُّصْحِ. أَوْ كَذَلِكَ إِنْ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَى بَثِّ هَذِهِ النَّصِيحَةِ مَا يَكُونُ مَعَهُ مِنَ الْمُنْكَرِ أَعْظَمُ مِنْهُ. قَدْ يَكُونُ مِنْ الْحِكْمَةِ تَأْخِيرُ النَّصِيحَةِ إِلَى الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ وَالزَّمَانِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ هَذَا الْمَنْصُوحُ. وَلَنَا فِيمَا جَاءَتْ وَصَحَّتْ بِهِ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْعِظَةُ وَالْعِبْرَةُ. وَنَضْرِبُ فِي هَذَا ثَلَاثَةَ أَمْثِلَةٍ. الْمِثَالُ الْأَوَّلُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ حَمْزَةَ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ سَكِرَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَبَقَرَ بَطْنَ نَاقَتَيْنِ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْضَاهُ، أَهْدَاهُمَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُرْسِهِ. فَجَاءَ عَلِيٌّ يَبْكِي، يَشْكُو حَمْزَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حَمْزَةَ وَهُوَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ حَمْزَةُ كَلِمَاتٍ تَدُلُّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ حَالٍ، تَنَاوَلَ فِيهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ. فَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَهْقَرَى، لَمْ يَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَهْقَرَى، وَتَرَكَ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْضَاهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. هَذَا مَوْضِعٌ لَمْ يُحْصَلْ فِيهِ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ وَلَا نُصْحٌ، لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ ذَلِكَ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَعْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ. دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ -وَالْأَعْرَابُ يُوصَفُونَ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ- فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ. فَقَامَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، غَيْرَةً لِبَيْتِ اللَّهِ وَمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَرَادُوا أَنْ يَمْنَعُوهُ وَأَنْ يُزَجِرُوهُ. فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: «تَرَكُوهُ، لَا تُزْرِمُوهُ». أَيْ: لَا يَكُنْ نَهْيُكُمْ وَزَجْرُكُمْ لَهُ سَبَبًا لِلْإِضْرَارِ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ. فَنَهَاهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا أَرَادُوا، حَتَّى قَضَى قَضَاءَهُ. فَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا مَا فَعَلَهُ، وَدَعَا بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِقَ عَلَى ذَلِكَ الْمَبُولِ. فَتَأَمَّلُوا كَيْفَ أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْعِلْمَ فِي ذَاكَ الْوَقْتِ؟ لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى بَثِّ النُّصْحِ فِي ذَاكَ الْوَقْتِ أَكْبَرُ مِنْهُ. فَإِنَّهُ لَوْ زُجِرَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ -كَمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ- رُبَّمَا لَوَّثَ مَسَاحَةً أَكْبَرَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي بَالَ فِيهِ، فَازْدَادَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ، وَرُبَّمَا أَصَابَ بَدَنَهُ وَثِيَابَهُ، وَرُبَّمَا كَذَلِكَ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ الضَّرَرِ بِقَطْعِ بَوْلِهِ أَوْ تَقَطُّعِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَحْصُلُ مِنْ الْعُنْفِ الَّذِي قَدْ يَقَعُ مِمَّنْ حَالُهُ الْجَهْلُ بِالْعِلْمِ، إِذَا وُجِدَ النُّصْحُ عَلَى حَالٍ لَا يَكُونُ مَعَهَا قَبُولُ النُّصْحِ. فَالشَّاهِدُ مِنْ هَذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْحِكْمَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ. وَمِثَالٌ ثَالِثٌ: مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ كَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ -أَوْ قَالَ: بِإِسْلَامٍ- يَعْنِي: خُرُوجٌ مِنْ جَاهِلِيَّةٍ وَدُخُولٌ فِي إِسْلَامٍ- لَأَعَدْتُ الْبَيْتَ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَأَنْفَقْتُ كَنْزَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ لَهُ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ النَّاسُ، وَآخَرَ يَخْرُجُونَ مِنْهُ». مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ، كَوْنَ أَهْلَ مَكَّةَ حَدِيثِي عَهْدٍ وَدُخُولٍ بِالْإِسْلَامِ. فَلَمْ يَفْعَلْ مَا أَرَادَهُ مِنْ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ، وَمِمَّا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. بَلْ بَقِيَ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَهَذَا يُدَلِّلُنَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. فَلِذَلِكَ يَرْعَى الْمُسْلِمُ، وَكَذَلِكَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى طَلَبَةُ الْعِلْمِ وَالدُّعَاةُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هَذِهِ الْمَعَانِيَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا حِفْظُ الدِّينِ، وَوَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ انْتِفَاعُ الْجَمِيعِ. وَنَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَنَا جَمِيعًا التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ. هَذَا سُؤَالٌ عَنْ أَخْبَارِ الْمَشَايِخِ: الشَّيْخِ رَبِيعٍ وَالشَّيْخِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ مَشَايِخِ أَهْلِ السُّنَّةِ. فَالْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، هُمْ بِخَيْرٍ وَعَافِيَةٍ، وَعَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ، وَمَا يَلْحَقُ بِهِ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى الْعَارِفِينَ. إِلَّا أَنَّهُمْ -الْحَمْدُ لِلَّهِ- عَلَى جَدٍّ وَاجْتِهَادٍ فِي التَّعْلِيمِ وَفِي التَّأْلِيفِ، وَالنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ. وَمَنْ تَتَبَّعَ أَخْبَارَ الْمَشَايِخِ، يَجِدْ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ الشَّيْءَ الْجَدِيدَ مِنْ الْعِلْمِ، مِمَّا يُبَثُّ فِي الشَّبَكَةِ، وَكَذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي تُصْدَرُ. نَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَارِكَ فِي أَعْمَارِهِمْ وَفِي عِلْمِهِمْ، وَيَنْفَعَ بِهِمْ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا سَائِلٌ يَقُولُ: هَلْ مِنْ نَصِيحَةٍ لِمَنْ يَطْعَنُ فِي الْعُلَمَاءِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمْ مُخَذِّلُونَ؟ الْجَوَابُ: كَمَا تَقَدَّمَ عَلَيْنَا أَنْ نَلْزَمَ مَا يَكُونُ بِهِ حِفْظُ الدِّينِ. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ قَوْلًا نَنْشَغِلُ بِقَوْلِهِ، وَلَا كَذَلِكَ يَلْزَمُ أَنْ تُرَدَّ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ يُرْمَى فِي السَّاحَةِ. وَلَكِنْ يَكْفِي مِنْ نَصَائِحِ عُلَمَائِنَا وَتَوْجِيهَاتِ مَشَايِخِنَا مَا يَكُونُ بِهِ إِصْلَاحُ أَحْوَالِ الْأُمَّةِ، وَمَا يَكُونُ بِهِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- حُصُولُ الْخَيْرِ لِلْعِبَادِ وَالْبِلَادِ. وَأَنْتَ أَحْرَصُ عَلَى مُلَازَمَةِ غَرْزِ الْعُلَمَاءِ. فَهُمْ إِنْ تَكَلَّمُوا تَكَلَّمُوا بِعِلْمٍ، وَإِنْ سَكَتُوا وَأَحْجَمُوا سَكَتُوا وَأَحْجَمُوا كَذَلِكَ بِعِلْمٍ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا تُسَابِقْهُمْ، لِأَنَّ مُسَابَقَتَكَ لَهُمْ خُرُوجٌ عَنْ غَرْزِهِمْ وَعَنْ هَدْيِهِمْ وَسِمَتِهِمُ الَّذِي أَرَادُوا بِهِ الْإِصْلَاحَ لِلْعِبَادِ وَالْبِلَادِ. فَلِذَلِكَ أَبْقِ عَلَى مُلَازَمَةِ غَرْزِ الْعُلَمَاءِ. يَكْفِي أَنْ تُنْقِلَ كَلَامَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَلْتَعْلَمْ أَنَّ الْخَيْرَ بِلُزُومِ غَرْزِ الْأَكَابِرِ، كَمَا جَاءَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ». وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَهَذَا سَائِلٌ يَقُولُ: اسْتَقْدَمْتُ طِفْلًا مِنْ الْبَادِيَةِ مِنْ أَبْنَاءِ عُمُومَتِي، وَتَبَنَّيْتُهُ لِيَنَالَ الْأَوْرَاقَ الرَّسْمِيَّةَ أَوْ بُطَاقَةً وَطَنِيَّةً لِيَلْتَحِقَ فِي الْمَدْرَسَةِ. فَمَا حُكْمُ الشَّرْعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ الْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَتَبَنَّاهُ بِهَذَا الْم