وجوب الاجتماع والاعتصام وحرمة الاختلاف والخصام

الخطبة بعنوان وجوب الاجتماع والاعتصام وحرمة الاختلاف والخصام، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 23 جمادى الآخر 1445هـ الموافق 5 يناير 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الاجتماع في الإسلام

يؤكد الخطيب على أهمية الاجتماع في الإسلام ويحذر من الاختلاف والفرقة، مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يشير إلى أن الله عز وجل قد أعان أهل الإسلام بأسباب الاجتماع وأمرهم بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله عند الخلاف.

التحذير من التفرق والاختلاف واتباع السنة

نبينا صلى الله عليه وسلم حذر من التفرق والتمزق والاختلاف، وأمر بالتمسك بسنة الخلفاء الراشدين، وحذر من محدثات الأمور. الأحاديث النبوية تشير إلى افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة.

أسباب الاجتماع والابتعاد عن الفرقة

يجب على المسلمين بذل أسباب الاجتماع ونبذ أسباب الفرقة، والحرص على طاعة ولاة الأمر والعلماء، والابتعاد عن أسباب الخلاف والفرقة. كما يجب التحذير من اتباع سبيل الشيطان والفرقة، والتمسك بالصراط المستقيم وطريقة أهل العلم من السلف الصالحين.

دعاء للأمة بالإصلاح والتمكين

يتضمن المقطع دعاءً للأمة الإسلامية بأن يأتيها أمر رشد وتعز فيه طاعة الله وتذل فيه المعصية، كما يتضمن دعاءً لإصلاح الإمام وتنوير الأمور وطلب ولاية الله لمن يخافه ويتبع رضاه.

التفريغ النصي الكامل

أجوب الإجتماع والاعتصام وحرمة الإختلاف والخصام أما أهل الإيمان وأهل الإسلام وأهل الإحسان، فإنهم يحرصون على الاجتماع والأخذ بأسبابه. وقد أعان الله عز وجل أهل هذا الدين الكريم بأسباب الاجتماع بأنواع وأصناف من الوسائل والأسباب. وكذلك الاختلاف في أهل الإسلام سيكون أكثر وأكثر. ولذلك كان هذا التدرج التصاعدي -إن لم يكن المقصود الرقم والعدد- ولكن المقصود الكثرة، أي أن اليهود كثير الاختلاف فيهم، والنصارى أكثر، وأهل الإسلام سيحصل فيهم اختلاف أكثر وأكثر. فرقم سبعين عند أهل العربية لا يراد به عين الرقم وعين العدد، ولكن يراد منه الكثرة، كما قال الله عز وجل: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. أيها المسلمون عباد الله، من شدة حرص نبينا صلى الله عليه وسلم على الاجتماع -من حرص ديننا على الاجتماع- أن جعل الله عز وجل أسبابًا لهذا الاجتماع، فأمر بصلوات خمس يجتمع فيها أهل الإسلام من أهل الحل والعقد من الرجال الذين هم محل الرأي والمشورة والقرار في المجتمع الصغير، يجتمعون خمس مرات، يجتمعون في عبادة من العبادات وطاعة من الطاعات، لأجل أن تتقارب أجسادهم وتتقارب معها قلوبهم وتتقارب معها أفكارهم، وكذلك تصرفاتهم، فيتشاورون ويتخاطبون ويأخذون بما ينفعهم في دينهم ودنياهم. فبالصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم وهو يسوي صفوفهم، فيمسح على صدورهم، «ألا يختلفوا فتختلف قلوبهم». ونزل في بعض الأسفار فرآهم تفرقوا يبحثون عن الظل في الأشجار، فقال: «إن تفرقكم هذا من الشيطان، ما لي أراكم عزين؟ فاجتمعوا تحت ظل شجرة كبيرة حتى وسعتهم كلهم». وبسط مرة حسيرًا ليجلس فيه الصحابة، فدعاهم أن يتقاربوا ويجتمعوا، فوسعهم الحسير الصغير على صغره، لشدة حرصهم على الاجتماع والاقتراب. فأيها المسلمون عباد الله، هذا قليل من كثير من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم بالأمر بالاجتماع والحذر من الفرقة، ونبذ أسباب الاختلاف والشقاء، لأن ديننا قوته بقوة اجتماع أهله، وضعفه بتفرق أهله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، أي تذهب قوتكم. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ الثالث والعشرين من شهر جماد الآخر لعام ألف وأربعمائة وخمسة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. إن الحمد لله، نحمد تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون عباد الله، أمرنا الله عز وجل بالاجتماع بكتابه في آياتٍ كثيرة، فقال الله عز وجل في كتابه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. ويقول الله عز وجل محذرًا المؤمنين أن يتشبهوا بالمشركين في التفرق والتمزق والتحزب، فقال الله عز وجل: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، هذه صفة المشركين والكافرين والفاجرين، وليست صفة المسلمين والمؤمنين. أما أهل الإيمان وأهل الإسلام وأهل الإحسان، فإنهم يحرصون على الاجتماع والأخذ بأسبابه. وقد أعان الله عز وجل أهل هذا الدين الكريم بأسباب الاجتماع بأنواعٍ وأصنافٍ من الوسائل والأسباب. ومن ذلك أن الله عز وجل أنزل لنا كتابًا واحدًا، أمرنا بالرجوع إليه والاحتكام إليه عند نشوب الخلاف، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وأرسل إلينا رسولًا واحدًا صلى الله عليه وسلم، ختم به الرسالات والديانات، لا يقبل من أحدٍ يتبع رسولًا غيره بعد مجيئه صلى الله عليه وسلم. وأمر أهل الإسلام وأهل الإيمان أن يحتكموا لأحكام هذا الدين في كل صغيرٍ وكبير، قال الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وأمر أهل هذا الدين إذا نابهم شيء أن لا يتخرص أحدٌ الأحكام، ولا يستعجل أحدٌ بالأقوال، ولا يستشرف أحدٌ بالعواطف وغيرها، أن يتقدم بين يدي الله ورتوسوله وحملة دينه، فقال الله عز وجل بكتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. أي إن لم تسلكوا هذا المسلك وتأخذوا بهذا الأدب، فإنكم ستتابعون طريق الشيطان لا محالة. فالواجب على أهل الإسلام إن أرادوا أن يحافظوا على اجتماعهم وعلى قوتهم، وأن لا تخترق قوتهم بالتفرق والتمزق والتنازع، أن يتأدبوا بهذا الأدب وأن يلزموا هذا الأمر الرباني، فلا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا كي يتقدموا قبل أن يتكلم أهل العلم في كل صغيرةٍ وكبيرة، وفي كل نازلةٍ، حتى يقضي الله عز وجل على لسانهم ما يرونه من دين الله مما في كتاب الله ومما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحذر دينُنا أن يسلُك المسلم أي مسلكٍ قوليٍ أو فعليٍ بظاهر قوله وفعله أو بباطنه بما يكون في قلبه، فيخرج عن اجتماع المسلمين، أو يرى أن الخير في الخروج عن ذاك الاجتماع، فإن ذلك سببُ الخسارة والوبار، وسببُ كذلك الدخول في النار، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. أيها المسلمون عباد الله، هذا قليلٌ من كثير مما في كتاب الله، وهكذا أضعافه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من التفرق والتمزق، ومن الاختلاف والشقاء، وأن هذا من علامات الساعة، وأهلها الأشرار الذين يتركون طريق الأبرار، طريق النبي صلى الله عليه وسلم وصحابة الأخيار. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في السنن، من حديث العرباض بن سارية في الحديث المشهور العظيم: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار». وفي مسند الإمام أحمد والسنن، عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». تأمل قوله عليه الصلاة والسلام: «أن هذه الأمة ستفترق أكثر من افتراق اليهود والنصارى». فإن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، بينما اليهود والنصارى إلى إحدى وسبعين واثنين وسبعين. قال بعض أهل العلم بشرح هذا الحديث: «ليس المقصود هو عين هذا الرقم وهذا العدد، ولكن المقصود هو وجود الكثرة والتفاوت». فالفرقة والاختلاف في اليهود كان كثيرًا، وقد ذكرنا الله عز وجل به بكتابه وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكان الاختلاف في النصارى أكثر، وقد أخبرنا الله عز وجل به وذكرنا به بكتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم كذلك. وكذلك الاختلاف في أهل الإسلام سيكون أكثر وأكثر. ولذلك كان هذا التدرج التصاعدي، إذ ليس المقصود الرقم والعدد، ولكن المقصود الكثرة، أي أن اليهود كثير الاختلاف فيهم، والنصارى أكثر، وأهل الإسلام سيحصل فيهم اختلاف أكثر وأكثر. فرقم سبعين -عند أهل العربية- لا يراد به عين الرقم وعين العدد، ولكن يراد منه الكثرة، كما قال الله عز وجل: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فليس المقصود عدد ورقم سبعين، ولكن المقصود: «إن تستغفر لهم استغفارًا كثيرًا كثيرًا فلن يغفر الله لهم». وهكذا كذلك ها هنا، رقم سبعين معناه: أن الاختلاف كثير وكثير في اليهود، وسيكون أكثر منه في النصارى، وسيكون أكثر من اليهود والنصارى في أهل الإسلام. وهذا يورث لنا الخوف والقشعريرة أن نكون أو يكون أحدنا من أهل هذا الاختلاف، وأن يكون أحدنا من أهل النار. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: أخرجوا أهل النار». قال: «فيخرجوا من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين». حتى «اكشعر الرجل الصحابة وخافوا وهابوا»، فقالوا: «أينا ذلك الواحد يا رسول الله؟ أينا ذلك الواحد يا رسول الله؟» فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى ومن سبقهم من الأمم. تأمل هذا أيها المسلم، تأمل هذا مع هذا الحديث وغيره من الأحاديث الأخرى، لأجل أن يقع في قلبك من الخوف والوجل، وأن يكون في تصرفاتك ومواقفك من الحذر والنظر، ما يوجب لك اتقاء الوقوع في الخلاف والفرقة والشقاق والنفاق، واتباع سبيل الكافرين والمجرمين. أيها المسلمون عباد الله، من شدة حرص نبينا صلى الله عليه وسلم على الاجتماع -من حرص ديننا على الاجتماع- أن جعل الله عز وجل أسبابًا لهذا الاجتماع، فأمر بصلوات خمس يجتمع فيها أهل الإسلام من أهل الحل والعقد من الرجال الذين هم محل الرأي والمشورة والقرار في المجتمع الصغير، يجتمعون خمس مرات، يجتمعون في عبادة من العبادات وطاعة من الطاعات، لأجل أن تتقارب أجسادهم وتتقارب معها قلوبهم وتتقارب معها أفكارهم، وكذلك تصرفاتهم، فيتشاورون ويتخاطبون ويأخذون بما ينفعهم في دينهم ودنياهم. وأمرهم باجتماع أكبر منه في الأسبوع، وهو اجتماع يوم الجمعة، يجتمع فيه أهل الحي الأكبر، يجتمعون بأجسادهم وقلوبهم تحت إمامٍ واحد، يعظهم وينصحهم ويذكرهم، ويردهم إلى حياض هذا الدين، إلى ثوابته، إلى ما فيه الخير لهم. وأمرهم بأن يجتمعوا في عبادةٍ في السنة مرةً واحدة، يجتمع أهل الإسلام في الصعيد والأرض كلها، يجتمعون على الصيام، يجتمعون في عبادة في ابتدائها وفي انتهائها، وفي كل ما كان متضمنًا لها من طاعاتٍ وقربات وأركانٍ وواجباتٍ ومستحبات، يتقربون إلى الله ويرون بهذه العبادة الكريمة الشريفة أنه لا فرق بين أصفر وأبيض وأسود وأحمر، وأن كذلك لا فرق بين عربيٍ وأعجمين. والأمر كما قال الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. ويجتمع المسلم مع سائر إخوانه المسلمين من سائر الأرض في حج بيت الله الحرام في السنة مرة. ومن استطاع أن يكرر كرر. يجتمعون، تجتمع أجسادهم وتجتمع قلوبهم بما لا يفرق بينهم بلباس الإحرام الذي لا يكون فيه فرق بين غني وفقير ورفيع ووضيع وغير ذلك. كل هذا لأجل أن تتساقط معاني الفرقة الدنيوية، ويبقى الاجتماع على دين الله وعلى حب الله وعلى السير إلى الله بما يرضيه سبحانه وتعالى. وهكذا في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، أمر بالاجتماع في الطعام وفي الجلوس وفي الصلاة والقيام وغير ذلك. ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يأمرهم وهو يسوي صفوفهم، فيمسح على صدورهم، «ألا يختلفوا فتختلف قلوبهم». ونزل في بعض الأسفار فرآهم تفرقوا يبحثون عن الظل بالأشجار، فقال: «إن تفرقكم هذا من الشيطان، ما لي أراكم عزين؟ فاجتمعوا تحت ظل شجرة كبيرة حتى وسعتهم كلهم». وبسط مرة حسيرًا ليجلس فيه الصحابة، فدعاهم أن يتقاربوا ويجتمعوا، فوسعهم الحسير الصغير على صغره، لشدة حرصهم على الاجتماع والاقتراب. فأيها المسلمون عباد الله، هذا قليل من كثير من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم في الأمر بالاجتماع والحذر من الفرقة، ونبذ أسباب الاختلاف والشقاء، لأن ديننا قوته بقوة اجتماع أهله، وضعفه بتفرق أهله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، أي تذهب قوتكم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد عباد الله، بعد إذ سمعنا ما سمعنا، فلنحذر جميعًا -صغيرًا أو كبيرًا، رئيسًا أو مرؤوسًا- من التفرق وأسبابه، وأن يكون أحدنا مستشرفًا للفرقة والاختلاف بأي معنى من المعاني، سواء كان بالأقوال أو الأفعال أو المواقف والأحوال. ولكن علينا أن نبذل أسباب الاجتماع، وننبذ أسباب الاختلاف والفرقة، وأن نحرص على أن نكون مفاتيح خير في هذا المجتمع، ندعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة إلى حياض هذا الدين، ونحرص على أن لا نفتتح باب ضلالة، ولا باب شر وفرقة واختلاف. وهكذا كذلك أيها المسلمون، نأخذ العبر والعظة من حال نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار الأخيار، الذين أمرنا الله عز وجل بالأخذ بدينهم وسيرهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وهكذا كذلك تحذير ربنا سبحانه وتعالى من أن نسلك مسلكًا يكون به الخروج عن دينهم وإيمانهم وما كانوا عليه، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وغيرها من الآيات والأحاديث في هذا الباب. أيها المسلمون عباد الله، وإن من أعظم أسباب الاجتماع الحرص على العلم وأهله. فإن اجتماع أهل الإسلام، اجتماع علمائهم وأمرائهم، مما يغيض أعداء هذا الدين. ولذلك أمرنا الله عز وجل بطاعتهم في آيات كثيرة، وخصها بآية سورة النساء، بقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. وأولي الأمر هم العلماء والأمراء، فطاعتهم صمام أمان للمجتمع، ترد به الشرور وتغلق به أبواب الفتن. وقد جعل في هذا الدين العظيم من الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة، ما هي كفيلة بإصلاح حال الفرد والمجتمع، بكل أحكام هذا الدين وتشريعاته وتفصيلاته. ومن ذلك ما يتعلق بأمر طاعة ولاة الأمر من العلماء والأمراء، فإن له ضوابط وله أركان وشروط وله آداب وغير ذلك من الأحكام التي بها تنضبط أحوال المجتمع المسلم، ويكون الجميع لحمةً واحدة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى رضي الله عنه وأرضاه: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وفي هذا كذلك إشارة إلى أن من أسباب الاجتماع وإغلاق أبواب الفرقة، أن يحرص أهل هذا الدين على الرفق في تعاملاتهم، وفيما يقع بينهم من خلاف. فأمر أن يبقوا على هذا مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم. فأهل الجفاء والغلظة ليسوا على مسلك أهل الإيمان، بل هي طريقة أهل الشقاق والنفاق وأهل الكفر والفجور وأمثالهم ممن لم يعرفوا ثوابت هذا الدين. وفي مسند الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطًا مستقيمًا، وخطوطًا عن يمينه وشماله، وقال: «هذا صراط الله، وهذه سبل الشيطان، على كل سبيل شيطان يدعو إليه». ثم تلا قول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. يحذرنا عليه الصلاة والسلام بالقول والفعل، وبالكلام والرسم، ما يحذر من الفرقة واتباع أهل الفرقة. وفي الحديث إشارة أنه ربما دعا إلى الفرقة رؤوس، ولكنهم رؤوس ضلالة، ورؤوس في فرقة وشر. ولهذا كان من علامات الساعة أن يظهر الرؤوس الجهال، ويقل العلماء. ففي الصحيحين، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من علامات الساعة: «أن يموت العلماء، وأن يكون رؤوس جهال يظلون ويضلون، يظلون في أنفسهم ويضلون غيرهم». فحذرنا من الأخذ بسبيلهم، والسير بسيرهم وطريقهم. فحذر أيها المسلم أن ترمي بنفسك إلى طريق النار وأهلها، باستشراف فرقة وخلاف والخروج عن الدين القويم والصراط المستقيم، والبعد عن طريقة أهل العلم من السلف الصالحين. وأن تلزم ما أمرك الله عز وجل بلزومه، من طاعة الله ورسوله، وطاعة ولاة أمره فيما لا يخالف طاعة الله ورسوله. إنما الطاعة بالمعروف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وأن تراعي ما أمر الله عز وجل من مراعاته، مراعاة المصالح من المفاسد، ويعرف ذلك العلماء. فإذا جاءتك الوصية والنصيحة من العلماء، فينبغي عليك أن تتابع، وأن لا تتأخر. واعلم أن تأخرك ربما كان سببًا في تخلفك وخروجك عن أهل الاجتماع. وهكذا كذلك أن نعلم أن الخلاف أنواع وأقسام ودرجات، كما بيّنه العلماء من لدن الأئمة السابقين ومن اتبعهم بإحسان من أمة الدين. فإن من الخلاف ما هو خلاف تضاد، يجب أن يتابع الحق بدليله وبرهانه، ولن يجوز أن يتابع أي أحد مهما بلغ في الرفعة والمنزلة، ولو كان من الصحابة أو التابعين أو أتباع التابعين، ما دام أنه خالف الدليل. فالعبرة بالحق والبرهان والعلم والحجة، التي هي النور الذي أخبر الله عز وجل به، فيحيي الله عز وجل به العباد والبلاد. مع إبقاء كرامة المخالف ما دام من أهل العلم، وإبقاء منزلته، فهو في دين الإسلام بين الأجر والأجرين. ومن المسائل ما يكون الخلاف فيها مما يسع فيه الخلاف، فينبغي أن يسعنا ما وسع سلفنا وأئمتنا. وأما إذا خالف الدليل الصحيح والنص الصريح من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا طاعة لمخلوق في معصية خالق. وقد صح عند اللالكائي وغيره، عن ابن عباس ونحوه عن ابن عمر، أنه عورض وهو يفتي في متعة الحج بقول أبي بكر وعمر، فقال: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون قال أبو بكر وعمر». فالله الله أيها المسلمون عباد الله، بالحرص على الاجتماع والحذر من الفرقة، وبالحرص على الوفاق وترك الاختلاف، وبالحرص على التراحم والتعاطف، وترك كل سبب يهضي إلى ما ينافي ذلك. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا وإخواننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يدفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أصلح ولاة أمورنا وأحوال المسلمين بكل مكان يا رب العالمين. اللهم أصلح ولاة المسلمين في فلسطين وفي بورما وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم ادفع عن إخواننا المستضعفين في فلسطين وغزة خاصة يا رب العالمين. اللهم عليك باليهود ومن هاودهم ومن ناصرهم يا رب العالمين. اللهم اقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا. اللهم يا رب العالمين اجعل في هذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، وأن يجعل لهذه الأمة من التمكين ما يكون لها الرفعة في الدنيا والآخرة، اللهم آمين يا رب العالمين. اللهم أصلح إمامنا وتنور أمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين.