التقريرات السنية على المنظومة البيقونية  54

التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 54

الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 54، تابع الحديث المدرج . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف المدرج في الحديث وأقسامه

المدرج في الحديث هو ما أتت من بعض ألفاظ الرواة اتصلت، وينقسم إلى مدرج إسناد ومتن. مدرج الإسناد ينقسم إلى ثلاثة أقسام.

أمثلة وتطبيقات على الإدراج في متن الحديث

يتناول شرح الإدراج في متن الحديث وأنواعه، ويقدم أمثلة عليه مثل حديث وائل بن حجر، ويبين أن هذا النوع من الإدراج يعتبر شاذًا إذا خالف الاتفاق.

تحليل حديث وائل بن حجر وتوثيق رواية عبد الله بن الزبير

يناقش حديث وائل بن حجر ويشير إلى وجود خلط بين حديثين، ويبين أن لفظ التحريك الوارد في الحديث يحمل على الإشارة. كما يؤكد صحة رواية معينة من خلال رواية أخرى لعبد الله بن الزبير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والمدرجات في الحديث ما أتت من بعض ألفاظ الرواة اتصلت. قال المعلق رحمه الله: قرأنا الشرح في الدرس الماضي، وننتقل الآن إلى قراءة التعليق. قال المعلق رحمه الله تعالى: تعريفه لغة، المدرج اسم مفعول، فعله أدرج، وتقول: أدرجت الكتاب إذا طويته، وتقول: أدرجت الميت في القبر إذا أدخلته فيه، وتقول: أدرجت الشيء في الشيء أو أدرجت الشيء في الشيء إذا أدخلته فيه وضمنته إياه. ومنه قول الصرفيين: الإدغام إدراج أول المثلين في الآخر. فالإدراج إذن معناه مأخوذ من الإدخال مع التضمين، فهو إدخال وزيادة، إدخال على وجه مخصوص. قال رحمه الله تعالى: واصطلاحاً، الحديث المدرج ما كانت فيه زيادة ليست منه، وهو ينقسم إلى مدرج إسناد ومتن. وقوله: ما كانت فيه زيادة ليست منه، بعضهم زاد: فقال توهم أنها منه؛ لأنه ليس كل زيادة ليست من الحديث فهو إدراج، وإنما الإدراج الزيادة التي فيها معنى إيهام أنها من الحديث، كما سيأتي إن شاء الله معنا. ومر معنا بعضه فيما تقدم من كلام الشارح. قال رحمه الله تعالى: مدرج الإسناد أقسام. مدرج الإسناد قال: ينقسم إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول: أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راو يجمعهم على إسناد واحد من تلك الأسانيد، ولا يبين الاختلاف. قال مثاله: ما رواه الترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليل تجارك». فإن الأعمش ومنصور بن المعتمر روياه هذا الحديث عن شقيق عن عمر بن شرحبيل عن ابن مسعود، ورواه واصل الأسدي عن شقيق عن ابن مسعود، وأسقط عمر من بينهما. فلما رواه الثوري عنهم أدرج سند واصل في سند الأعمش ومنصور، فلم يبين الاختلاف، حيث قال: روى الأعمش ومنصور بن المعتمر وواصل الأسدي عن شقيق عن عمر بن شرحبيل عن ابن مسعود، وساق الحديث. هذا القسم الأول من أقسام إدراج الإسناد. قال: أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راو يجمعهم على إسناد واحد من تلك الأسانيد، ولا يبين الاختلاف. ومعناه أنه يدرج إسنادا في إسناد أو إسنادا في أسانيد، فيحصل الإيهام أنها كلها رويت كذلك، وليس الأمر كذلك، فصار إدخال هذا الإسناد على هذا إدراجا، ولهذا صار إدراجا. ثم مثل بقوله: ما رواه الترمذي، والحديث أصله في الصحيحين، قال: من حديث ابن مسعود، فذكر الحديث. قال: فإن الأعمش ومنصور بن المعتمر روياه هذا الحديث عن شقيق -يعني أبا وائل شقيق بن سلمة- عن عمر بن شرحبيل -وهو أبو ميسرة- عن ابن مسعود -أي عبد الله بن مسعود-. وهذا الإسناد رواه البخاري ومسلم -أي طريق الأعمش ومنصور-، فقد رواه البخاري في باب إثم الزنا وقول الله جل وعلا: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ من طريق سفيان عنهما عن الأعمش ومنصور. وهكذا رواه في مواضع أخرى، ونحوه مسلم رحمه الله تعالى. قال: ورواه واصل الأسدي -أي واصل الأحدب- عن شقيق عن ابن مسعود -يعني أسقط عمر بن شرحبيل-. وليس معناه أن هذا خطأ، وقد قال ذلك بعض أهل العلل، ولكن هي رواية صحيحة أخرى؛ فشقيق سمع من ابن مسعود، ولا مانع أن يكون سمع الحديث عن عمر بن شرحبيل بواسطة، وسمعه مباشرة عن ابن مسعود، خصوصا أن واصل الأحدب توبع في هذا الحديث بهذا الإسناد. تابعه الأعمش وعاصم بن بهدلة كما عند النسائي الكبرى بإسناد صحيح. فقد تابع واصل الأعمش وعاصم بن بهدلة، فرويا الأعمش وعاصم بن بهدلة كل منهما هذا الحديث كذلك من طريق شقيق عن ابن مسعود مباشرة من دون واسطة عمر بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد رواه بهذا الإسناد النسائي الكبرى، وكذلك جاء عند أحمد وغيره. فقد جاء من طريق شعبة عن واصل عن شقيق عن ابن مسعود هذا الحديث، رواه أحمد والنسائي الكبرى. وجاء كذلك من طريق يحيى -أي القطان- عن واصل عن شقيق عن ابن مسعود. وكذلك جاء من طريق الأعمش وعاصم بن بهدلة. ثم الإدراج حصل في هذا الذي قال في الأخير: فلما رواه الثوري عنهم أدرج سند واصل في سند الأعمش ومنصور -يعني قال: حدثنا واصل والأعمش ومنصور الثلاثة عن شقيق عن عمر بن شرحبيل عن ابن مسعود- يعني بذكر الواسطة، بينما رواية واصل الأسدي الصواب أنها من دون ذكر الواسطة بين شقيق وابن مسعود. واضح، فهنا حصل الإدراج. قال رحمه الله تعالى: القسم الثاني: أن يكون المتن عند راو بإسناد إلا طرفا منه، فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه عنه راو تاما بالإسناد الأول، ولا يذكر إسناد هذا الطرف. قال: وهذا هو المطعون بالمخالفة لاتفاق -يعني يكون فيه مخالفة لاتفاق- فيكون شاذا. قال مثاله: ما رواه أبو داود والنسائي من حديث وائل بن حجر قال: «صليت خلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا سلموا يشيرون بأيديهم كأنها أذناب خيل شهب» -صوابه شمس- قال: «ثم جئتهم بعد ذلك في زمان فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم جل الثياب تتحرك أيديهم تحت الثياب». فإن الحديث من أوله إلى قوله: «ثم جئتهم» من رواية عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر، ومن قوله: «ثم جئتهم» إلى آخره ليس بهذا السند، بل رواه عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل، كما بين ذلك المحققون من علماء الحديث. طيب، هذا المثال أولا في إيراده بهذه الصيغة خطأين. الخطأ الأول: أن قوله: «فكانوا إذا سلموا يشيرون بأيديهم كأنها أذناب خيل شهب» ليس هذا في حديث وائل بن حجر، إنما هذا في حديث جابر بن سمرة الذي رواه الإمام مسلم وغيره. فقد جاء في حديث جابر بن سمرة أنه قال: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا السلام عليكم، السلام عليكم» -يعني هكذا يشير بيده عن يمين وعن شمال- قال: «فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟». وأذناب الخيل الشمس قيل: حركة ذيل الخيل إذا وقفت في الشمس تضرب بها يمينا وتضرب بها شمالا، والذي رأى الخيل يعرف هذا، تلعب بذيلها إذا وقفت في الشمس عن يمين وعن شمال. وقيل: خيل شمس أي خيل شرسة؛ لأن من علامات الخيل الشرسة أنها تتحرك تحرك ذيلها عن يمين وعن يسار بكثرة، وهذا يدل على شراستها. والمعنى: أسكنوا في الصلاة، لا تحركوا أيديكم. ولهذا قال بعدها: «إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه»، ونهاهم أن يحركوا بأيديهم، وإنما أمرهم أن يضع أحدهم يده على فخذه، ثم يسلم عن يمينه وعن شماله. فترون أن هذا الحديث حصل فيه خطأ، فإدخال هذا اللفظ ليس هو حديث وائل بن حجر، وإنما هو حديث جابر بن سمرة. والتنبيه الثاني: قوله: «شهب» صوابه في حديث جابر بن سمرة «شمس». ولهذا لما مثل أهل المصطلح بهذا المثال لم يذكروه بهذا السياق، وإنما ذكروه بسياق آخر. وأقرأ عليكم ما ذكره السيوطي في التدريب، فقد ذكر السيوطي هذا المثال في التدريب فقال رحمه الله تعالى: «قال وروى أبو داود من رواية زائد وشريك، فرقهما، والنسائي من رواية سفيان بن عيينة، كلهم عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فيه: ثم جئتهم بعد ذلك في زمان فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم جل الثياب تحرك أيديهم تحت الثياب». فقوله: «ثم جئتم» إلى آخره ليس هو بهذا الإسناد، وإنما أدرج عليه، وهو من رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل. وهكذا رواه مبينا زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد، فميزا قصة تحريك الأيدي وفصلوها من الحديث، وذكر إسنادهما. قال: موسى بن هارون الحمال: «وهم أثبت ممن روى رفع الأيدي تحت الثياب عن عاصم عن أبيه عن وائل». فأنتم ترون أن في التدريب لم يذكر هذا اللفظ، فحصل هنا خلط بين حديثين، إنما هو حديث واحد. وحديث وائل بن حجر في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ذكر التحريك، جاء في تحريك التشهد، ومسألة تحريك التشهد فيها مبحث طويل. والحاصل أن عاصم بن كليب الراوي عنه زائد بن قدامة ذكر لفظ التحريك، وهو شدد به، وخالف بذلك أكثر من ثلاثة عشر رجلا، وفيهم من هو أوثق وأرفع منه، فلهذا كانت هذه الرواية شاذة. فإن هذا الحديث الذي ذكره جاء من طريق زائد بن قدامة عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر، وذكر في آخره أنه عقد بين أصبعيه فحلق بينهما ورفع إصبعه، قال: «فرأيت يحركها يدعو بها». هكذا انتهى الحديث. وزاد هذه الزيادة: «ثم جئتم» إلى آخره. وهذه الزيادة هي التي أشار إليها أنها من رواية عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل، كما أشار إليه. فيكون هذا فيه إدراج بالإسناد. وكذلك الحديث بهذا اللفظ ومن طريق زائد فيه شذوذ على الصحيح. وقد ذكر شيخنا في الجامع الصحيح أن زائد بن قدامة خالف ثلاثة عشر رجلا في هذا الباب، والصواب قول من خالفه الذين لم يذكروا التحريك. وأشار البيهقي رحمه الله إلى لطيفة، وهو أن لفظ التحريك الوارد يحمل على الإشارة؛ فإنه يأتي إطلاق لفظ التحريك للإشارة. ويؤيد هذا ويوثقه رواية عبد الله بن الزبير؛ فإن فيها هذا المعنى. طيب، نقف عند هذا الحد لانتهاء الوقت، والله تعالى أعلم.