كتاب الحج 6

كتاب الحج 6

الدرس في كتاب الحج 6، الدرس السادس : من : ( وأجابوا عن حديث ابن عباس ... بغير إحرام والعمل على خلافه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فوائد حديث المواقيت وتوضيح الإحرام

يتناول شرحًا لأحد الأحاديث النبوية المتعلقة بمواقيت الإحرام للحج والعمرة ويستخرج فوائدها. يوضح أن من أراد دخول مكة لغير الحج أو العمرة فلا يجب عليه الإحرام.

حكم الإحرام عند دخول مكة لمن لا يريد الحج أو العمرة

يتناول اختلاف العلماء في وجوب الإحرام عند دخول مكة لمن لا يريد الحج أو العمرة، والراجح هو جواز الدخول بغير إحرام. يُذكر أن هناك أدلة متعارضة بين العلماء في هذا الشأن.

مسائل فقهية متعلقة بالإحرام وتحديد الميقات

يتناول مسائل فقهية متعلقة بالإحرام للحج والعمرة مثل حكم من ضاق عليه الوقت أو خاف من الرجوع إلى الميقات، وجواز الإحرام من عند باب الحرم في بعض الحالات. يُوضح أيضًا أهمية تحديد أقرب ميقات للإحرام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وأجابوا عن حديث بن عباس بأنه موقوف من طريق البيهقي، ولا يحتج به فيما عداها من الطرق، والموقوف ليس بحجة. ومر معنا الكلام على هذا، تبعًا لما سبق من الأحاديث الواردة في هذا الباب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث، رابعًا: يدل قوله ممن أراد الحج والعمرة أن من أراد دخول مكة لغير حج أو عمرة، بل لتجارة أو زيارة قريب ونحوه، أنه لا يجب عليه الإحرام. ثم إن تجدد له عزم على الإحرام، أحرم من حيث عزم على أداء النسك، ولو داخل المواقيت أو من مكة في الحج. قال: وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء، ويأتي تحقيقه قريبًا إن شاء الله تعالى. مر معنا الكلام على هذا المعنى، وأن الحديث دل على أن الذي يحرم هو الذي يأتي إلى جهة الميقات وهو يريد الحج والعمرة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ممن أراد الحج أو العمرة». فإذا كان مروره بالميقات لغير إرادة الحج والعمرة، فلا يلزمه الإحرام. وكذلك قلنا: لو أراد الحج والعمرة، ولكنه ليس الآن، وإنما هو متوجه إلى غير مكة، مثل ما يفعله بعض حملات الحج في هذا الزمان، فإنهم يفوجون الحجاج والمعتمرين إلى المدينة قبل تفويجهم إلى مكة في مصالح خاصة أو عامة، المهم إذا حصل هذا للحاج أو للمعتمر، فإنه لا يحرم، ولكن يحرم من ميقات المدينة. وهكذا أيضًا ما ذكره المؤلف رحمه الله، أنه من أراد دخول مكة، لكن لغير حج أو عمرة، بل لتجارة أو زيارة أو نحو ذلك، فلا يلزم أن يحرم. فإذا تجددت له نية إحرام، فمن حين يريد الإحرام يحرم من ذلك المكان، ولو كان إحرامه في غير العمرة، طبعًا كما مر معنا هذا في الحج، ولو كان من عند الحرم، فيحرم من عند الحرم بالنسبة للحج. وأما بالنسبة للعمرة، فإن أراد العمرة، فيخرج إلى أقرب الحل، كما مر معنا بحديث عائشة. قال رحمه الله تعالى: وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء، ويأتي تحقيق قريب إن شاء الله تعالى. قال خامسًا: رحمة من الله تعالى بخلقه، حيث جعل لكل جهة ميقاتًا، هذا ظاهر، لأنه يكون في طريق سالك إلى مكة، سواء كان من أهل تلك الجهة أم لا، لقولها عليه الصلاة والسلام: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن». قال: ولو جعل الميقات جهة واحدة، لشق ذلك على من لم يأتِ منه مشقة كبيرة. لو كان الميقات مثلًا هو ميقات أهل المدينة فقط، فكيف سيكون حال أهل اليمن إذا أرادوا الحج والعمرة؟ يلزمه أن يذهب إلى ميقات أهل المدينة، مشقة. أو كان الميقات هو ميقات أهل اليمن فقط، فكيف سيفعل من يريد الحج والعمرة من أهل المدينة أو من أهل الشام؟ يلزمه أن يأتي إلى ذلك الميقات، وهذا فيه مشقة. لكن من رحمة الله أن جعلت المواقيت من جميع الجهات حول مكة. قال رحمه الله تعالى: سادسًا: في تقدير النبي صلى الله عليه وسلم هذه المواقيت وتحديدها معجزة من معجزاته الدالة على صدق نبوته. وقد حددها ووقتها، وأهلها لم يسلموا، يعني في بعض المناطق أهلها لم يسلم بعد، مثل الجحفة لأهل الشام، وأهل الشام لم يسلموا في ذلك الوقت. وهكذا أيضًا بالنسبة لبعض المواقيت الأخرى، قال: وأهلها لم يسلموا، إشعارًا منه بأن أهل تلك الجهات سيسلمون ويحجون ويحرمون منها، وقد كان ولله الحمد والمنة. سابعًا: تعظيم هذا البيت يجعل له هذا الحمى، ومعنى الحمى: أي الحدود التي منها يحرم الناس، وهذا تعظيمًا للبيت. قال: الذي لا يتجاوز من قصده بنسك، والنسك: الحج والعمرة، إلا وجاء منه معظمًا مكرمًا خاشعًا خاضعًا، بهذه الهيئة الخاصة، وهو أنه يحرم. قال: اختلاف العلماء، أجمع العلماء على مشروعية الإحرام لمن أراد دخول الحرم، سواء كان دخوله لنسك أم غيره. يقول: أجمعوا على مشروعية الإحرام، ومعنى مشروعية: أي جواز. يحرم لمن أراد دخول الحرم، سواء كان دخوله لنسك أم غير النسك، يعني يجوز أن يدخل إنسان الحرم وهو محرم. وأجمعوا على وجوب الإحرام لمن أراد دخوله لنسك، كذلك أجمعوا أن من أراد الحج والعمرة، فيجب عليه أن يدخل الحرم وهو محرم. قال: واختلفوا في وجوبه على من أراد الدخول لغير نسك. وأما الإجماع الأول، فالصحيح أن فيه خلاف، أجمع العلماء على مشروعية الإحرام، لأنه سيأتي معنا لعله سيلمح إليه أن بعض أهل العلم عمم الحكم في هذا الباب. قال: واختلفوا في وجوبه على من أراد الدخول لغير نسك، كدخوله لتجارة وسكن ونحو ذلك. ومر معنا أن الراجح هو جوازه، أي أن يدخل بغير إحرام. قال: فذهب إلى إمامة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك وأحمد، إلى وجوب الإحرام على من دخله، سواء أكان لنسك أم غيره، مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم في مكة: «إنها حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما حلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها كما كانت بالأمس». وسيأتي معنا الحديث إن شاء الله في الأبواب الآتية. فذهب هؤلاء إلى وجوب الإحرام على من دخله، سواء دخل لنسك أو لغير نسك، وهذا قول. قال: واستدلوا بحديث بن عباس عند البيهقي: «بلغ لا يدخل أحد مكة إلا محرمًا». قال ابن حجر: إسناده جيد، والصحيح أنه موقوف كما سيأتي. قال: وذهب الإمام الشافعي، ومشهور عنه إلى جواز الدخول بلا إحرام لمن يريد الحج أو العمرة، وهو مذهب الظاهرية. لمن لم يرد الحج، يعني يجوز لمن لا يريد الحج والعمرة أن يدخل بغير إحرام. قال: وهو مذهب الظاهرية، ونصر ابن حزم بن محلة، ورواية عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام بن تيمية، والوفاء بن عقيل. قال ابن مفلح: بالفروع، وهي ظاهرة، يعني أن هذا هو أصح القولين عن الإمام أحمد، ويؤيده أحاديث سيأتي. قال: واستدلوا على ذلك بقوله بالحديث: «ممن أراد الحج والعمرة»، فهذا نص أن الإحرام إنما هو لمن أراد الحج والعمرة. وهكذا أيضًا كون النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة في عام الفتح وهو غير محرم، لأنه لم يرد الحج والعمرة. قال: دخلوا على رأسه المغفر، يعني اللباس الذي يلبس على الرأس ويكون من الحديد أو ما كان بمعناه، يقي ضرب السيوف. قال: وأجاب عن الدليل الأول للمجيبين بأن الحديث ليس له دخل في الإحرام، وإنما هو في تحريم القتال بمكة، يعني حديث: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي». وأما قول: «إنه حرام بحرمة الله»، فالمراد التحريم هنا ليس تحريم الإحرام، وإنما المراد بالتحريم تحريم القتال، وأن الحرم له حرمة، لا يجوز القتال فيه، لا يجوز أن تسفك فيه الدماء. قال: وإنما هو في تحريم القتال في مكة. وأجاب عن حديث ابن عباس لأنه موقوف من طريق البيهقي، ولا يحتج به فيما عداها من الطرق، والموقوف ليس بحجة، يعني خصوصًا إذا عارض مرفوع، وقد ورد المرفوع كما علمنا عام وخاص فيما يدل بمشروعية دخول مكة بغير إحرام لمن دخلها لا يريد الحج والعمرة. قال: ولم يوجب الله الحج والعمرة إلا مرة واحدة في العمر، والأصل براءة الذمة إلا بدليل موجب. الأصل براءة الذمة، وقد مر معنا في هواء هذا الكتاب أن النبي عليه الصلاة والسلام أوجب الحج مرة واحدة. قال: لو قلت: نعم، لما سئل في كل عام: يا رسول الله، قال: «لو قلت: نعم، لوجب، فكيف بعد ذلك يقال أنه لا بد من الإحرام في كل مرة يدخل فيها إلى مكة؟» وهكذا العمرة لا تجب إلا مرة واحدة لعموم الحديث: «حج عن أبيك واعتمر». قال: والأصل براءة الذمة، يعني الأصل عدم إلزام الناس إلا بما ألزمهم الله به، ولا دليل على هذا الإلزام. قال: إلا بدليل موجب، يعني يوجب عليهم ذلك، ولا وجود لهذا الدليل. قال: فائدة ما ذكر من الخلاف بحق غير المتردد إلى الحرم، لجلب الحطب أو الفاتحة ونحوهما، أو له بستان بالحل يتردد عليه، أو له وظيفة أو عمل في مكة وأهله في جدة أو بالعكس. فهؤلاء ونحوهم لا يجب عليهم الإحرام عند عامة العلماء، فيما اطلعت عليه من كلام بقاء المذاهب، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة من التحريم على كل داخل إلى مكة بغير إحرام، والعمل على خلافه. وبهذا نعرف أن قول المؤلف رحمه الله على مشروعية الإحرام، أن هذا ليس عليه إجماع، بل أبو حنيفة هنا كما ذكره رحمه الله يرى الإلزام بذلك. فإذا المسألة فيها خلاف، فإذا كان فيها خلاف، إذن لا يوجد إجماع. وكما قال الشافعي رحمه الله: «إنما الإجماع أي المعتبر ما إذا قلت: أجمع، لم تجد أحدًا يخالفك». وبهذا انتهى الكلام على هذا الحديث. بقي أن تذكر مسائل يختم بها هذا الحديث، أولها: أن من ضاق عليه الوقت أو خاف من الرجوع إلى الميقات، خاف أن يرجع إلى الميقات إما من عدو أو أي سبب آخر، فمر عليه وهو يريد الحج والعمرة، فالجمهور أنه ليس عليه أن يرجع إذا ضاق عليه الوقت. الجمهور ذهب أنه لا يجب عليه أن يرجع، لأنه يرجع فاته الحج، واختلفوا هل يجب عليه الدم أم لا يجب عليه الدم في ذلك؟ وذهب ابن جبير، ربيع عن سعيد بن جبير أنه يرجع ولو فاته الحج أو العمرة، أما العمرة فلا تفوت، لكن الحج هو الذي قد يفوت. وأما الدم ففيه خلاف، والصحيح أنه لا دليل على الإلزام بالدم. وأما من استدل بذلك بأثر عبد الله بن عباس: «من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليك دما»، فهو الصحيح أنه موقوف على عبد الله بن عباس، رواه مالك وغيره، هو موقوف، والموقوف كما قال المؤلف رحمه الله ليس بحجة، خصوصًا قد روي في المسألة خلافًا. فالجمهور يرون أن عليه الدم، وذهب بعض أهل العلم لعدم الدم، روي ذلك عن النخعي وعن عطاء أنه ليس عليه دم. وعطاء كما يقال: مفتي المناسك، يعني أفقه من أفقه التابعين في معرفة أحكام المناسك. وهكذا إبراهيم النخعي أفتى بذلك. فإذن لا يقال بالإلزام بالدم، هي المسألة خلافية. وهكذا أيضًا من هذه المسائل: أن من أراد الحج والعمرة وخاف أن يمر بغير إحرام، هل يجوز له أن يمر بغير إحرام ثم بعد ذلك يلبس الإحرام؟ أجاز ذلك بعض أهل العلم إذا لم يكن فيه مخالفة شرعية. أجاز له ذلك بعض أهل العلم، وأنه يحرم ولو من عند باب الحرم، كما أفتى بذلك الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل العلم، وهذا هو الأقرب لقول الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ولعموم الأدلة الواردة بهذا المعنى. ومسألة ثالثة كذلك: إذا حصل التجاوز وهو لا يريد الحج، وهو يريد الحج والعمرة، حصل له التجاوز وهو يريد الحج والعمرة، فمر معنا أنه يجب عليه أن يرجع، ولكن من أي جهاته يرجع؟ هل يرجع من موضعه الذي مر فيه؟ الصحيح أنه لا يلزمه أن يرجع من نفس المكان الذي مر فيه، فمثلًا أراد الحج والعمرة ومر من ميقات أهل المدينة، ثم لم يصل جدة، علم أنه لا يجوز له ما دام هو بنية الحج والعمرة، لا يجوز له أن يأتي بالعمرة إلا ويحرم من الميقات، ليس من جدة. فإذا ماذا يصنع؟ هل يجب أن يرجع إلى ذي الحليفة؟ أم إلى أقرب ميقات إليه؟ الجواب الثاني: إلى أقرب ميقات إليه. وسيكون أقرب ميقات إليه إما قرن وإما يلملم وإما الجحفة، وأحد هذه الثلاثة هي الأقرب، والجحفة أقرب المواقيت إلى جدة. وبهذا نكون انتهينا من هذا الحديث، ونقفل إن شاء الله بدرس اللاحق، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.