الدرس في كتاب الحج 22، الدرس الثاني والعشرون : من : ( ثم ذكر أن حرمة هذا البيت ... فيه شوك من باب أولى وكذلك الكلأ ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أحكام مكة والبيت الحرام، مبينا حرمتها وتحريم قطع شجرها وتنفير صيدها. يُبين كذلك أحكام لقطة الحرم واستثناء الإذخر من النبات الممنوع قطعه.
يُبين النص أهمية الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ويوضح انقطاع الهجرة من مكة بعد فتحها وبقاء الهجرة من بلاد الكفر. يُشدد على أن الخوف ليس عذرًا كافيًا لعدم إتمام الهجرة.
يتناول المقطع شروط طاعة الإمام في القتال وحرمة مكة وتحريم قطع الشوك في حرمها، موضحًا أن الطاعة تكون في المعروف. يُبين كذلك أحكام قطع الشجر في منى ومزدلفة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الشيخ البسام رحمه الله تعالى في شرحه: ثم ذكر أن حرمة هذا البيت شملت ما حوله من شجر فلا يقطع، ومن صيد فلا يزعج وينفر من مكانه. فما بالك بقتله؟ كما حرم لقطة الحرم إلا من أخذها ليعرفها دائمًا. قال: ثم ذكر أن حرمة هذا البيت شملت ما حوله من شجر فلا يقطع، ومن صيد فلا يزعج؛ نفر، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقتل صيده، لا يقطع شجره، ولا ينفر صيده». لا يعضد شجره، ولا ينفر صيده. ومر معنا أن العضد هو معنى من معاني القطع، فاجتناب القطع من باب أولى. وذكر الشوك اجتناب ما هو نافع من باب أولى. فإذا كان الشوك الضار لا يقطع، فكذلك من باب أولى غيره. وسيأتي معنا الكلام عليه في المسائل إن شاء الله. وهذا بصيد لا ينفر، ومن باب أولى قتله. ولهذا قال: فما بالك بقتله؟ إذا كان تنفيره وإزعاجه لا يجوز، فكذلك من باب أولى القتل. وأما قوله: كما حرم لقطة الحرم إلا من أخذها ليعرفها دائمًا؛ يعني بيان أن لقطة الحرم لها حكم ليس كحكم اللقطة خارج الحرم. فلقطة الحرم لا تلتقط إلا لمعرف. أما يأخذها لنفسه لا يجوز، أو يأخذها ليمتلكها لا يجوز، ولا يضع في ذهنه أبدًا أنه يمكن أن يمتلكها أبدًا. لقطة الحرم لا تمتلك؛ مبالغة في تعظيم هذا البيت وهذا البلد، حتى يكونوا فيها من الأمان والاطمئنان وحفظ الحقوق ما يستدعي جلب الناس إلى هذا المكان. قال: فلما حرم النبي صلى الله عليه وسلم قطع النبات، قال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر؛ فهم في حاجة إليه لتسقيف بيوتهم وسد خلل قبورهم وإيقاد نيرانهم. فقال صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر». هذا معنى كلام العباس. الشيخ رحمه الله يذكر معنى كلامه: إلا الإذخر. لماذا استثنى الإذخر؟ لأن له منافع. فقال: «إلا الإذخر؛ فإنه مباح»؛ يعني يجوز قطعه. وسيأتي إن شاء الله بالأحكام الكلام على مسائله. قال: ما يأخذ من الحديث أولًا: انقطاع الهجرة من مكة إلى غيرها؛ لأنها ولله الحمد بلاد إسلامية. أما الهجرة من غيرها فهي باقية؛ من كل بلد لا يقيم الإنسان فيه دينه. وهذا كما ذكر رحمه الله. وعليه يكون الجمع بين الأحاديث التي فيها انقطاع الهجرة والأحاديث التي فيها بقاء الهجرة؛ فالجمع بينها أن الهجرة من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر تنقطع بكون البلاد بلاد إسلام. والهجرة الشرعية كما مر معنا التي فيها الأجر الخاص للمهاجرين انتهى من مكة بفتحها؛ لأنه بفتح مكة صارت البلاد - أي بلاد العرب - أكثرها بلاد إسلام. وقوله: فهي باقية؛ يعني الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، من بلاد المعصية إلى بلاد الطاعة؛ هجرة باقية. فإن قال قائل: وهذه شبهة تثار ويقذف بها الشيطان أحيانًا في قلوب بعض من يبتلى ببلاد الكفر، فيقول: كيف إذا كان خشي الإنسان أن لا تتم له الهجرة؟ فهل يجوز له أن يهاجر وهو يخشى أن يرد في هجرته ولا يسمح له بالبقاء في بلاد الإسلام؟ الجواب: أن هذا ليس بعدر كافٍ. بل يجتهد ويبدل الوسع كما فعل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ فهم رضي الله عنهم خرجوا وبدلوا الوسع، اجتهدوا. مع أنهم خرجوا من مكة في أول الأمر وهي بلاد كفر إلى الحبشة وهي كذلك بلاد كفر؛ كلاهما بلاد كفر. لكن بلاد كفر أهون من مكة؛ ممكن أن يقيم دينهم. فإذا كان كذلك وقد تبعهم المشركون وحاولوا إرجاعهم، فصبروا واجتهدوا. وهذه سنة الله أن أهل الحق يحصل لهم من البلاء ما يكون به عظم الأجر ورفع الدرجة وتكفير السيئات. فهذا ربما فيه خير حتى ولو رجعوا ولم يتيسر لهم؛ فهم فيما بينهم وبين الله قد أعذروا أنفسهم. قد أعذروا أنفسهم فيما بينهم وبين الله؛ امتثلوا الأمر الشرعي، هاجروا وأنفقوا الأموال وبدلوا الوقت وتعبوا. فإذا رجعوا أُعذروا فيما بينهم وبين الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم قد بدلوا كل ما يستطيعون في الوصول إلى الواجب الشرعي. هذا من الناحية الشرعية. ثم في هذه الهجرة في الغالب مصالح كثيرة دينية ودنيوية؛ فإن المهاجر إذا هاجر يحصل له من اليقين والثبات على الدين ما لا يكون لو لم يهاجر. لو لم يكن إلا أن يتعرف على الإسلام عن قرب؛ التعرف على الإسلام عن قرب ليس مثل السماع والقراءة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الخبر كالمعاينة». إذا أتوا إلى بلاد الإسلام رأوا فيها ما يستوجب زيادة الإيمان وحصول العلم ودخول اليقين في قلوبهم. وهذا كله خير لهم؛ حتى لو رجعوا إلى بلادهم رجعوا بإيمان ويقين وعلم ومعرفة. وكذلك قربهم من الإسلام ما لم يكن لو كانوا في بلادهم؛ ما لم يكن لو كانوا في بلادهم. ولو لم يكن إلا هذا لكان هذا كافيًا؛ لكان هذا كافيًا في إيجاب الخروج من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. قال رحمه الله تعالى ثانيًا: أن الجهاد باق واجب عند وجوده، ونيته عند عدمه؛ يعني إذا كان الجهاد موجودًا فهو ينبغي أن يجاهد، وإذا كان غير موجود فالنية موجودة في القلب. كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من لم يجاهد وحدث نفسه بجهاد أو بقتال مات على شعبة من النفاق. قال: وكذلك النية الصالحة ركن أساس في قبول الأعمال؛ عليها المدار. «أساس» الصواب؛ الأفصح «أساس». ومراده النية الصالحة؛ يعني عند عدم الجهاد ينبغي الإنسان أن يحتسب الأجر. قال ثالثًا: قوله: «وإذا استنفرتم فانفروا»؛ أي إذا طلبتم للجهاد فأجيبوا؛ ففيه وجوب النفر من المسلم إذا طلبه الإمام لقتال عدو. وهذا إذا كان هذا القتال شرعي. أما إذا كان القتال ليس بشرعي؛ فإنما الطاعة بالمعروف، لا طاعة لمخلوق في معصية الله؛ لأن الإمام قد يكون مسلمًا وقد يكون كافرًا، قد يكون تقيًا وقد يكون فاجرًا، وقد يكون عنده حسن نية ولكن ليس عنده علم؛ فربما يأخذ ويدفع المسلمين لقتال غير شرعي؛ إما لراية عامية أو كذلك لحمية جاهلية وعصبية قبلية أو غير ذلك مما هو أعظم من هذا. فإذا كان كذلك؛ فإنما الطاعة بالمعروف. لا تشارك في قتال فيه ما يخالف الشرع. أما إذا كان قتالًا شرعيًا؛ أفتى علماء بأنه قتال شرعي؛ فيجب طاعة الإمام في ذلك. وقوله: إما بتنفير عام أو تعيين؛ تنفير عام يعني استنفار؛ نداء لجميع الشعب والرعية؛ فيجب أن يجاب إذا ما دام شرعيًا. أو تعيين؛ زيد من الناس؛ تعال نحتاجك أن تقاتل مع المقاتلين؛ فإن كان جهادًا شرعيًا فيجيب ويطيع الأمير. قال: أو تعيين؛ فمن عينه الإمام خرج؛ يعني يجب أن يخرج على ما سبق. قال رابعًا: تحريم القتال في مكة؛ فلا يحل لأحد إلى يوم القيامة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك في هذا الحديث. وسيأتي بالمسائل. قال رابعًا فخامسًا: أن حلها للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة؛ من خصائصه. «خصائصه» هو الصواب. قالوا: أنها أحلت له ساعة؛ يعني لحظات ووقت قصير؛ ثم عادت حرمتها كما كانت منذ خلقت السماوات والأرض. وهذه الحرمة كما قلنا: حرمة في علم الله عز وجل؛ فالله عز وجل كتب لها الحرمة يوم أن خلق السماوات والأرض، وجعل لها هذه الحرمة؛ فيسر لها أسباب الحرمة حتى قبل أن تكون مكة. قال سادسًا: تحريم قطع الشوك في حرمها؛ وتحريم قطع الشجر الذي ليس فيه شوك من باب أولى. وكذلك الكلأ؛ لأنه قال: «لا يعضد شوكه». فإذا كان الشوك لا يقطع؛ فمن باب أولى الشيء الذي هو ليس بضار. وهل معنى أن الضار لا يقطع أبدًا؟ الجواب: لا؛ لأن الحديث لم يذكر قطع الشوك لأجل ضرره، وإنما ذكر قطع الشوك لأجل الاستهانة به؛ لأن الشوك من الأشجار التي لا يطمع ببقائها، ومع ذلك جعل لها النبي عليه الصلاة والسلام حرمة؛ فقطعها للاستهانة بها لا يجوز. وأما قطعها لأجل دفع ضررها فيجوز. وما هو الدليل على ذلك؟ الدليل على ذلك: الاستثناء؛ قول النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: «إلا الإذخر». قال: «إلا الإذخر». فإذا جاز الاستثناء لما فيه منفعة الناس ودفع ضرورتهم؛ فمن باب أولى الاستثناء لما فيه دفع الضرر عنهم. وهذا أولى؛ وهذا أولى. ولهذا إذا كان رجل سيضع خيمة، وتحت الخيمة شجر شوك؛ ولا يمكنه أن يضع خيمة إلا في ذلك المكان؛ مثل الحجاج في منى؛ وهذا يقتل به الذين ينصبون الخيمات؛ يسألون عن هذا كثيرًا؛ يقولون: ننصب الخيمة تحتها شوك؛ هل نتركه أو نقطعه؟ نقطعوه؛ حتى لا تضروا الحجاج. ولو كانت منى من الحرم؛ ميناء من الحرم؛ ومع ذلك يقطع الشوك منها لأجل أن لا يضر بالناس. أما شجرة بعيدة؛ شوك بعيد؛ هي مظنة الضرر؛ ليست بتحققة الضرر؛ تترك؛ تترك؛ ولا تقطع. كذلك شجر لا يضر؛ تحت الخيمة شجر لا يضر؛ تحت الخيمة مثل الحشيش وما كان بمعناه؛ لا يقطع؛ يترك؛ وتبسط الخيمة فوقه؛ والناس يحتاجون. وإذا أمكنه أن ينتقل إلى مكان آخر فعل. لكن تعرفون مع زحمة الناس؛ منى كلها تمتلئ؛ بل يمتد الخيام؛ تمتد الخيام إلى مزدلفة. قال رحمه الله تعالى: وكذلك الكلأ؛ يعني الحشيش؛ لا يقطع من باب أولى. نكتفي إلى هنا لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم.