نعمة القرآن

نعمة القرآن

المحاضرة بعنوان نعمة القرآن، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

فضل القرآن وأوصافه العظيمة في كتاب الله

يتحدث الشيخ عن نعمة إنزال القرآن بوصفه أعظم النعم، مستعرضاً أوصافه كهدى ورحمة وشفاء ونور وفرقان وروح تحيي القلوب. ويؤكد على وجوب شكر الله على هذه النعمة والحرص على حياة القلوب به.

القرآن معجزة النبي الخالدة وأهمية تعلمه وتلاوته

يوضح المقطع أن القرآن هو المعجزة الباقية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث تحدى الله المشركين وأهل الكتاب أن يأتوا بمثله فعجزوا. ويؤكد على وجوب حرص المسلم على تعلم القرآن وتلاوته بتجويد مستنداً إلى الآيات والأحاديث الدالة على فضله.

أهمية المواظبة على تلاوة القرآن وحفظه وتدبره والعمل به

يشدد الشيخ على وجوب الاستمرار في تلاوة القرآن وعدم هجره مع تحديد مواعيد لختمه دورياً. ويبين فضيلة حفظه وتدبر معانيه عبر كتب التفسير المعتمدة، مختتماً بأن الغاية هي العمل بأحكامه والتخلق بأخلاقه.

خلق النبي صلى الله عليه وسلم كان القرآن

تذكر عائشة رضي الله عنها أن خلق النبي صلى الله عليه وسلم كان القرآن، داعية إلى التلاوة والعمل به وتدبر آياته. وتسأل الله أن يوفق المسلمين لاتباع أحسن القول والعمل بالقرآن.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: نعمة القرآن، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فإن الله عز وجل أنعم على عباده بالنعم العظيمة والجليلة، وكان من أجل هذه النعم عباد الله أن أنزل عليهم هذا القرآن. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾. فالله تبارك وتعالى حمد نفسه على إنزال هذا القرآن، وفي هذا إشارة عباد الله إلى أن العباد مطالبون بشكر الله عز وجل على هذه النعمة العظيمة. وصفه الله تبارك وتعالى بالأوصاف العظيمة والجليلة ليعرف قدره المسلمون، فالله تبارك وتعالى جعله هدى ورحمة، والله عز وجل جعله شفاء للناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. فهكذا يصف الله تبارك وتعالى هذا القرآن العظيم بهذه الأوصاف الجليلة. وكذلك: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. هكذا عباد الله يصف الله عز وجل هذا القرآن الكريم بأنه روح، كما أن الأجساد لا تحيا إلا بوجود هذه الروح، وهكذا عباد الله القلوب لا تحيا القلوب إلا بوجود هذا الروح. فهذه القلوب تحتاج إلى غذاء، وتحتاج إلى مدد، وتحتاج إلى حياة. فمن الناس من يكون ميت القلب، ومن الناس من يكون حي القلب. هذه الحياة التي ينبغي على كل مسلم أن يحرص على أن يكون من أهلها، أن يكون من أهل حياة هذه القلوب بالإيمان، بالهدى، بالعلم النافع، بالبصيرة. قال الله عز وجل أيضا في وصف هذا القرآن: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾. فالله تبارك وتعالى وصف هذا القرآن بأنه فرقان، يفرق بين الحق والباطل، يفرق بين الهدى والضلال، يفرق بين الصواب والخطأ، بين الغي والرشاد، بين النافع والضار. هكذا وصفه الله عز وجل بأنه نور: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾، تستنير به القلوب وتستنير به الجوارح، نور لك يا عبد الله في الدنيا، ونور لك في قبرك، ونور لك يوم بعثك ونشورك ووقوفك بين يدي الله تبارك وتعالى. ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾. نعم عباد الله، فهكذا أيضا يصف ربنا تبارك وتعالى هذا القرآن بأنه شفاء: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾. هذا وصف القرآن في كتابه أنه شفاء لأمراض القلوب من الكفر والشك والنفاق والغل والحسد والعجب والرياء وغير ذلك. فالله تبارك وتعالى... فالله عز وجل ينفع العبد بهذا القرآن في قلبه من أمراضه الكثيرة، وهكذا شفاء للأبدان. هذا القرآن شفاء للأبدان من مرض السحر والعين والمس، وهكذا كثير من الأمراض إذا وجد القارئ المتوكل على الله سبحانه وتعالى، المعتمد عليه، المعتقد في تأثير هذا القرآن، وكان المريض كذلك ممن يتوكل على الله وممن يثق في تأثير القرآن، فإن هذا القرآن من أعظم أسباب الشفاء والعلاج، من أعظم أسباب الشفاء والعلاج. فالمطلوب منا عباد الله، وقد عرفنا أهمية هذا القرآن الذي له منزل العالي عند رب العالمين: ﴿حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، في الملأ الأعلى له قدره، وله فضله، وله مكانته. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ﴾، لو أن كتابا تسير به الجبال عن أماكنها، أو يخاطب به الموتى في قبورهم، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك. ولهذا عباد الله لما طلب الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم آية تدلهم على صدقه في رسالته، أرشدهم الله عز وجل إلى هذا القرآن: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فيه خبر من كان قبلنا، ونبأ من كان بعدنا، وفيه الحكم فيما بيننا. هذا الكتاب العظيم الذي جعله الله عز وجل أعظم آية وأعظم معجزة لنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن الله عز وجل أيد أنبياءه ورسله بالبراهين والآيات البينات التي تدل على صدقهم، ليؤمن من آمن على اقتناع وبانشراح صدر. فكانت آيات الأنبياء قبله آيات مؤقتة ما دام النبي حيا، أما آية نبينا صلى الله عليه وسلم فهي باقية وهي مستمرة. وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإني أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا». تحدى الله عز وجل مشركي العرب، وإليهم المنتهى في الفصاحة والبلاغة، إلى أشعارهم ومعلقاتهم، المنتهى في الفصاحة والبلاغة. تحداهم الله عز وجل أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو أن يأتوا بعشر سور من مثل هذا القرآن، أو أن يأتوا بسورة واحدة من مثل هذا القرآن. قال الله عز وجل في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. فيقول الله عز وجل في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. هكذا تحداهم الله عز وجل أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يستطيعون ولو تعاونوا، ولو تضافروا، ولو اجتمعوا: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. ثم تحداهم الله عز وجل في المجتمع المدني الذي فيه العلماء من أهل الكتاب أن يأتوا بمثل هذا القرآن: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. فعجزوا، وقطع الله عز وجل عليهم الأمل، فقال: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. نعم عباد الله، فالمطلوب مننا تجاه هذه النعمة العظيمة أننا نحرص عباد الله على تعلم القرآن. فإن من الناس من يكتفي بمجرد التهجي والتغني، فينبغي على المسلم أن يحرص في نفسه، ويدفع أولاده وأسرته على تعلم كتاب الله عز وجل، كيف يقرأه القراءة الصحيحة والمتقنة. فالله عز وجل يقول: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، والله يقول: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. فحرص عبد الله على تعلم كتاب الله، والحمد لله حلق القرآن موجودة وحاصلة في كثير من المساجد. والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وفي رواية: «إن من أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه». وهو القائل: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران». الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة، الملائكة الذين هذا هو وصفهم، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، هذا مقدوره وهذا جهده، هو حريص على أن يتعلم وعلى أن يتقن القراءة لكن لم يفتح عليه في ذلك، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران، له أجران. هكذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عقبة بن عامر، مرة على أصحابه، فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي بناقتين كوماوين من غير إثم ولا قطيعة رحم؟» قالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله. قال: «فإن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آية من كتاب الله خير له من ناقة، وآيتين خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، من عدادهن من الإبل». فهكذا عباد الله، العلم بالتعلم، احرصوا على تعلم كيف تكون القراءة لكتاب الله سبحانه وتعالى. وهكذا الأمر الثاني: الحرص على الاستمرار في تلاوة كتاب الله عز وجل. فالإنسان ليس هو في إعدادية أو في ثانوية أو في كلية يتعلم لمدة شهر أو شهرين أو سنة أو سنتين ثم يعرض عن كتاب الله سبحانه وتعالى، تمر عليه الأيام الطوال وهو هاجر لتلاوة كتاب الله عز وجل. هذا من الخطأ، وهذا من التقصير. ينبغي على المسلم إن استطاع أن يختم القرآن تلاوة في كل شهر فهذا خير كثير، وإن استطاع أن يختمه في كل عشرين فهو خير، إن استطاع أن يختمه في كل عشر فهو خير، إن استطاع أن يختمه في كل سبع فهو خير، إن استطاع أن يختمه في كل ثلاث، ولا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث. والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها». فهكذا يا عبد الله، أن يكون لك ورد تقرأ فيه كتاب الله عز وجل، ولا تهمل القراءة، فإنك في عبادة. أليس نحن في عبادة إذا قرأنا كتاب الله عز وجل؟ أنت في عبادة تتلو كتاب ربك، فاحرص على أن لا تهمل تلاوة القرآن، ليكون لك ورد بعد الفجر، بعد الظهر، بعد العصر، بعد المغرب، بعد العشاء. تسيما قراءة الليل، يتواطأ فيها القلب واللسان، فقرآن الفجر: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، أي صلاة الفجر، لكن الآية الأخرى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، يتواطأ القلب واللسان. وهذا يجرنا إلى الأمر الثالث: إلى أن المسلم مطالب تجاه كتاب الله سبحانه وتعالى أن يقرأ كتاب الله، وأن يحفظ ما تيسر من كتاب الله سبحانه وتعالى. ففي الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». هنيئا لمن وفقه الله لتلاوة كتابه، هنيئا لمن وفقه الله لحفظ كتابه أو ما تيسر من آيات كتابه: «اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». فاحرص يا عبد الله على أن تتفهم معاني كتاب الله سبحانه وتعالى، فهذه من المقاصد العظيمة التي أجل أنزل الله هذا القرآن: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. فالله سبحانه وتعالى دعانا وحثنا وأمرنا بتدبر كتابه وتعلم معانيه، ففيه الخير في العقيدة، في العبادة، في المعاملة، في الأخلاق، في الآداب، في السلوك، في الدعوة، في المنهاج. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾. لا يكون حب المسلم فقط مجرد التلاوة بدون فهم. الله عاب على أهل الكتاب ذلك، فقال في أحد التفاسير في الآية: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، يعني مجرد التلاوة: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. لا أنت يا مسلم، الله أكرمك بهذا الكتاب، كتاب عظيم. من قرأه بتدبر وتفاهم وفرغ قلبه، يحصل له التأثير العظيم، يزاد الإيمان، ويخشع القلب، ويشتاق الإنسان إلى لقاء الله سبحانه وتعالى والجنة التي أعدها لعباده المتقين، ويرهب ويخاف من النار التي توعد الله عز وجل الكفار والمعرضين. قال الله سبحانه وتعالى مبينا تأثير هذا القرآن لأهل التدبر والتفهم: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. لو قد أن هذا القرآن أنزل على جبل، جبل يضرب به المثل في القسوة والشدة، وأعطاه الله فهما وعقلا لهذا القرآن، لتصدع ولتخشع من عظيم تأثير القرآن. إذا كان هذا تأثير القرآن على الجبال الصم الرواسي، فكيف يكون تأثيره على القلوب المؤمنة التي تحب الله ورسوله؟ لا شك أنه يكون أشد تأثيرا فيها. فاحرصوا عباد الله على أن يقرأ المسلم ما تيسر من كتب التفسير السهلة والميسرة، مثل التفسير الميسر، من الكتب المفيدة المختصرة التي موجودة في الأسواق، التفسير الميسر، أو تفسير العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى، تفسير مليء بالفوائد ومليء بالعلم الغزير. ليكن لك أيضا وقت تقرأ في تفسير القرآن. ومن كانت عنده همة ليقرأ في تفسير ابن كثير رحمه الله، فهو من التفاسير العظيمة التي جمع بين الأثر والفهم والاستنباط، يعتمد على الأحاديث والآثار، ويستنبط الاستنباطات العظيمة والمفيدة. هكذا إخواني في الله، أيضا مما يطالب به المسلم العمل بكتاب الله. تقرأه وتلازم قراءته، وتحفظ ما تيسر منه، وتتدبر، والعمل بكتاب الله عز وجل، العمل بكتاب الله عز وجل: تحل حلاله، وتحرم حرامه، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه، وتتخلق بأخلاقه، وتتحلى بآدابه. فلما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: «كان خلقه القرآن»، كان خلقه القرآن. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لتلاوة كتابه والعمل به وتدبر آياته، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يأخذ بأيدينا إليه، ويجعلنا وإياكم من الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه.