شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 31

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 31

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 31، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

أهمية المحافظة على تلاوة القرآن وأحوال السلف في ختمه

يؤكد النووي على وجوب المحافظة على تلاوة القرآن والإكثار منها، مستعرضاً تنوع عادات السلف في عدد الختمات من كل شهرين إلى عدة ختمات في اليوم والليلة، مع ذكر نماذج من الصحابة والتابعين كعثمان بن عفان، تميم الداري، سعيد بن جبير، الشافعي، وسليم بن عتر الذين كانوا يختمون القرآن بوتيرة عالية.

أثر السلف في الإكثار من تلاوة القرآن وحكمه

يسرد المقطع آثارًا عن السلف الصالح تُبيّن حرصهم الشديد على تلاوة القرآن وإكثار الختمات، فمنهم من يختم ثماني مرات في اليوم والليلة، ومنهم من يختم بين الصلاتين أو في ليالي رمضان، ويقرر المصنف أن هذا الباب وارد على سبيل الاستحباب لا الوجوب حثًّا على المحافظة على التلاوة.

فضل القرآن والتحذير من هجره ومشروعية ختمه في الشهر

يبيّن المقطع أن القرآن شفاء وطمأنينة وحياة للقلوب، ويحذر من هجرانه سواء بعدم الإيمان به أو بالإعراض عن تلاوته، ويرشد إلى أن أفضل هدي في تلاوته هو ختمه مرة كل شهر بمعدل جزء يومياً استناداً إلى توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص.

ختام الجلسة ودعاء بالتوفيق لاستمرار القراءة

يختم المتحدث الجلسة بالتأكيد على أن القراءة تتيسر لمن يحرص عليها ويسأل الله التوفيق للجميع، ويعلن عن مواصلة القراءة وتوجيه آثار السلف في الجلسة القادمة.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: «فصل: ينبغي أن يحافظ على تلاوته ويكثر منها». وكان للسلف رضي الله عنهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه. فروى ابن أبي داود عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة واحدة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر ليال، وعن بعضهم في كل ثماني ليال، وعن الأكثرين في كل سبع ليال، وعن بعضهم في كل ست ليال، وعن بعضهم في كل خمس ليال، وعن بعضهم في كل أربع ليال، وعن كثير في كل ثلاث ليال، وعن بعضهم في كل ليلتين، وعن كثيرين في كل يوم وليلة ختمة. ومنهم من كان يختم في كل يوم وليلة ختمتين، ومنهم من كان يختم ثلاثًا، وختم بعض ثمانية ختمات: أربعًا في الليل وأربعًا في النهار. فممن كانوا يختمون ختمة في اليوم والليلة: عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتميم الداري. يقول النووي رحمه الله: «قال تميم الداري: منسوب إلى جد له اسمه الدار، وقيل منسوب إلى دارين موضع بالساحل، ويقال تميم الديري نسبة إلى دير كان يتعبد فيها، وقيل غير ذلك، قد وضحت الاختلاف فيه في أول شرح صحيح مسلم». قالوا: وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشافعي، وآخرون رضي الله عنهم. وممن كانوا يختمون ثلاث ختمات: سليم بن عتر رضي الله عنه، قاضي مصر في خلافة معاوية رضي الله عنه، قاص أهل مصر. فروى أبو بكر بن أبي داود أنه كان يختم في كل يوم أو في كل ليلة ثلاث ختمات. قال النووي رحمه الله: «سليم بن عتر: بكسر العين المهملة وإسكان التاء المثناة من فوق». قالوا: روى أبو عمر الكندي في كتابه في قضاة مصر أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات. وقال الشيخ الصالح الإمام أبو عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول: كان ابن الكاتب رضي الله عنه يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات. قالوا: هذا أكثر ما بلغنا في اليوم والليلة. هذا شيء كثير جدًا، يعني ثماني ختمات. الله أعلم: هل هذا صحة أو مجرد المرور على القرآن بدون تحريك اللسان؟ قد يكون. أما مع تحريك اللسان والقيام بالصلاة والطهارة وما يحتاج له، فالله أعلم. وقال: وروى السيد الجليل أحمد الدورق بإسناد عن منصور بن زاذان من عباد التابعين رضي الله عنهم أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر، ويختم أيضًا فيما بين المغرب والعشاء، ويختم فيما بين المغرب والعشاء في رمضان ختمتين وشيئًا، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل أو ثلث الليل. انظروا تخريج الآثار في الحاشية. وقال: وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهدًا كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء في كل ليلة من رمضان. هنا قال الدورق: بدال مهملة مفتوحة، ثم واو ساكنة، ثم راء مفتوحة، ثم قاف، ثم ياء النسبة. قيل إنها نسبة إلى القلانس الطوال التي تسمى الدورقية، وقيل كان أبوه ناسكًا أي عابدًا، وكانوا في ذلك الزمان يسمون الناسك دورقيًا، وقيل نسبة إلى دورق بلدة من فارس أو غيرهما. وقال: منصور بن زادان بالزاي وبالذال المعجمة. وقال: وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهدًا كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء في كل ليلة من رمضان. وعن منصور قال: كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان. قال: وعن إبراهيم بن سعد قال: كان أبي يحتفي فيقوم حتى يحل حبوته حتى يختم القرآن. قال: «يحتفي»: أي ينصب ساقيه ويحتوي على ملتقى ساقيه فخذيه بيده أو بثوب. والحبوة: بضم الحاء وفتحها، الحبوة لغتان، هي ذلك الفعل. قالوا: أما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم. هذه الآثار ذكرها رحمه الله في هذا الفصل: «ينبغي أن يحافظ على تلاوته ويكثر منها». هذا فصل ذكره المصنف رحمه الله في أهمية المحافظة على تلاوة القرآن والاستكثار من تلاوة القرآن. وهذا ليس على سبيل الوجوب لكل فرد، وإنما على سبيل الاستحباب: أنه يحافظ على تلاوة، وأنه يستكثر من تلاوة القرآن. فإن القرآن جعله الله سبحانه وتعالى شفاء لما في الصدور، وجعله طمأنينة ونورًا، وجعله حياة للقلوب، وجعله غذاء ومددًا لهذه القلوب والأرواح. فمحروم من حرم تلاوة القرآن والاستكثار من هذه التلاوة. فالله سبحانه وتعالى مدح أولئك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. فينبغي للمسلم أن يحذر من هجران القرآن: هجران القرآن بعدم الإيمان به، أو هجران القرآن بعدم تلاوته والإعراض عنه. فهذا أمر خطير بالنسبة للمسلم أن يعرض تمامًا، وأن يغفل عن تلاوة كتاب ربه سبحانه وتعالى الذي جعل الله فيه الخير والأجور والهدى والنور والرحمة والشفاء، فهو سبب لكل خير. فهكذا يخشى على الإنسان أن يصاب بداء الغفلة، ثم يطبع على قلبه بسبب إعراض عن كتاب ربه الذي أنزله لأمور منها تلاوته. فهكذا ذكر هذه الآثار عن هؤلاء السلف في اهتمامهم بكتاب الله وحرصهم على الختم تلو الختم، وذكر هذه الأحوال. وسيأتي من كلامه رحمه الله ما يفيد أن هذا محل اختلاف، وآخر الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. فينبغي للمسلم أن لا يهمل تلاوة القرآن. ينبغي لكل مسلم أن يكون له ورد مستمر من القراءة في كتاب الله سبحانه وتعالى، ورد مستمر. لو استطاع أن يقرأه في كل شهر مرة، وأفضل منه في كل عشرين مرة، أو في كل عشر مرة، أو في كل أسبوع مرة، أو في كل ثلاث مرة. فإن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «اقرأه في سبع، ولا تزد عليه». ولكن سيأتي أنه قال: «لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث». فالأفضل أنه يحرص على أن يختم في كل شهر، إن استطاع في كل شهر. فهذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص في أول الأمر. قال: «إني أخبرت أنك تقرأه في كل ليلة»، قال: نعم، قال: «فاقرأه في كل شهر». فما ينبغي للمسلم أن يهمل تلاوته وختمه في الشهر مرة. في بعض الروايات: «اقرأه في كل أربعين»، لكن الذي في الصحيحين أصح: أرشده إلى أن يقرأه في كل شهر، شهر مرة، يعني بمعدل جزء لكل يوم، بمعدل جزء لكل يوم. وإنه ليسير على من يسره الله عليه. إذا عند المسلم الرغبة والحرص فبإذن الله تسهل عليه القراءة. فنسأل الله أن يوفقنا وإياكم. نواصل إن شاء الله في الغد القراءة وتوجيه هذه الآثار عن السلف. وفق الله الجميع. وإلى هنا والحمد لله.