شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 33

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 33

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 33، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

أوقات الابتداء والختم في الأسبوع وآثارها

يناقش المقطع الأوقات المستحبة لابتداء قراءة القرآن وختمه لمن يختم في أسبوع مستعرضاً آثاراً عن عثمان بن عفان ورأي الغزالي. ويبين المحقق ضعف أسانيد هذه الآثار ويخلص إلى عدم مشروعية وقت محدد للابتداء بعد الفراغ من الختم لعدم ثبوت دليل من السنة.

فضل قراءة القرآن وقيام الليل وأدلة مشروعيتهما

يؤكد المقطع أن كل حكم شرعي يحتاج إلى دليل وينفي وجود وقت محدد لختم القرآن. ثم يستعرض فضائل قراءة القرآن وقيام الليل مستدلاً بالآيات والأحاديث الصحيحة وآثار السلف مبيناً أن الليل أجمع للقلب وأبعد عن الرياء.

تفضيل قراءة القرآن بالليل على النهار وضوابطه

يبيّن المقطع أن قراءة القرآن بالليل أفضل من النهار لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ ولأن الليل وقت سكون وصفاء قلب. لكن يؤكد أن أداء العبادة أصلاً مقدم على مراعاة زمانها فمن شُغل بالليل فليقرأ بالنهار ولا يفوت عليه الأجر.

أولوية فضيلة ذات العبادة على فضيلة الزمان والمكان وختام الدرس

يُبيّن المقطع أن مراعاة الفضيلة المتعلقة بجوهر العبادة تُقدَّم على مراعاة الفضيلة المرتبطة بوقتها أو مكانها. ويختتم المتحدث الجلسة مشيراً إلى مواصلة الشرح في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: قال: "وقت الابتداء والختم لمن يختم في الأسبوع". فقد روى ابن أبي داود بإسناده أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يفتتح القرآن ليلة الجمعة ويختمه ليلة الخميس. نعم، قال المحقق: الله أعلم بحاله. قال: أي يعني أسبوع. وقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في الإحياء: الأفضل أن يختم ختمة بالليل وأخرى بالنهار، ويجعل ختمة النهار يوم الاثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما، ويجعل ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعتي المغرب أو بعدهما، ليستقبل أول النهار وآخرة. هنا تعليق للنووي رحمه الله: قال الغزالي: هو محمد بن محمد بن أحمد، وهكذا يقال بتشديد الزاي: الغزالي. وقد روي عنه أنه أنكر هذا وقال: إنما أنا الغزالي بتخفيف الزاي، منسوب إلى قرية من قرى طوس يقال لها غزالة. وروى ابن أبي داود عن عمر بن مرة التابعي قال: كانوا يحبون أن يختم القرآن من أول الليل أو من أول النهار. عن طلحة... الله أعلم ما هو كتاب أبي داود، ليس هو كتاب المصاحف، فله عدة كتب في القرآن، فلعله شيء يتعلق بعلوم القرآن، وإلا هناك كتاب مطبوع لابن أبي داود: كتاب المصاحف، كتاب عظيم في هذا الباب. قال: عن طلحة بن مصرف التابعي. يقول النووي رحمه الله: طلحة بن مصرف بضم الميم وفتح الصاد وكسر الراء، وقيل يجوز فتح الراء وليس بشيء. قال: "من ختم القرآن أية ساعة كانت من النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وأية ساعة كانت من الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح". يقول المحقق: سنده حسن. قال: عن مجاهد نحوه. وروى الدارمي في مسنده بإسناده عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن وافق ختمه آخر الليل صلت عليه الملائكة حتى يمسي". قال الدارمي: هذا حسن عن سعد. في سنده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، فلعله يقصد الحسن من حيث المعنى أو اللفظ. قالوا: عن حبيب بن أبي ثابت التابعي، أو كان يرى أن ليث بن أبي سليم هو حسن الحديث لكن هو ضعيف. قالوا: عن حبيب بن أبي ثابت التابعي أنه كان يختم القرآن قبل الركوع. قال ابن أبي داود: وكذا قال أحمد بن حنبل رحمه الله. وفي هذا الفصل بقايا ستأتي إن شاء الله تعالى في الباب الآتي، ما يتعلق بهذه المسألة: وقت الابتداء والختم لمن يختم في الأسبوع. يعني الحديث المتقدم: "يقرؤه في كل سبع ولا تزد". هل هناك وقت مشروع في أن يبتدأ فيه من انتهى من قراءة المصحف كاملا؟ هل يشرع أن يبدأ في ليل أو في نهار أو في صلاة أو خارج صلاة؟ ذكر معظم الآثار وليس هناك شيء ثابت عن المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلأجل هذا فلا يشرع شيء من ذلك. فإن الاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل. من قال يشرع كذا أو يستحب كذا فيحتاج إلى دليل، كما أن الوجوب يحتاج إلى دليل والتحريم يحتاج إلى دليل، فهكذا الاستحباب والكراهة تحتاجان إلى دليل. فإذا كان الأمر كذلك، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، فيقرأ في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، ويختم في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، ويسأل ربه تبارك وتعالى أن يتقبل منه عمله وأن يصلح نيته وأن يعينه على مواصلة الخير. فليس هناك وقت محدد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأفضلية أو في الانتهاء، وهكذا ليس هناك عن الصحابة شيء ثابت. وأما هذه الآثار: "صلت عليه الملائكة حتى يمسي، صلت عليه الملائكة حتى يصبح"، فهي تحتاج إلى دليل، تحتاج إلى دليل. قال رحمه الله: فصل في المحافظة على القراءة في الليل. قال: ينبغي أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في الليل أكثر، وفي صلاة الليل أكثر. قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: وثبت في الصحيح أو في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي في الليل". نعم، متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر. وقالوا في الحديث الآخر في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه". وهذا متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: وروى الطبراني وغيره عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "شرف المؤمن قيام الليل". نعم، أفاد المحقق أن العلامة الألباني حسنه بشواهد في الصحيحة. قالوا: الأحاديث الآثار في هذا كثيرة. قد جاء عن أبي الأحوص الجشمي. قال رحمه الله: أبو الأحوص بالحاء المهملة والصاد المهملتين، واسمه عوف بن مالك الجشمي بضم الجيم وفتح الشين المعجمة منسوبا إلى جشم جد قبيلة. قال: "إن كان الرجل يطرق الفسطاط". قال: الفسطاط فيه ست لغات: فسطاط، وفسطاط بالتبديل الطاء، وفسطاط بتشديد السين، والفاء فيهن مضمومة ومكسورة، والمراد به الخيمة والمنزل. "طروقا أن يأتيه ليلا فيسمع لأهله دويا كدوي النحل، قال: فما بال هؤلاء يأمنون ما كان أولئك يخافون". نعم، هو أثر صحيح كما قال المحقق. قالوا: عن إبراهيم النخعي قال: كان يقال: "اقرؤوا من الليل ولو حلب شاه". قال النووي: قال النووي رحمه الله: النخعي بفتح النون والخاء المعجمة منسوب إلى النخع جد قبيلة. تقدم أن اسمه عامر بن حبيب، والنخع هذا لقب لأنه تنحى وابتعد عن قومه. قال: "حلب شاه" بفتح اللام ويجوز إسكانه في لغة قليلة. قال: وعن يزيد الرقاشي قال: "إذا أنا نمت ثم استيقضت ثم نمت فلا نامت عيناي". قال: الرقاشي بفتح الراء وتخفيف القاف. نام وأفاد المحقق أن سنده ضعيف. قال: إنما رجحت صلاة الليل وقراءتها لكونها أجمع للقلب وأبعد من الشاغلات والملهيات والتصرف في الحاجات، وأصون من الرياء وغيره من المحبطات، مع ما جاء الشرع به من إيجاد الخيرات في الليل. فإن الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلا، وحديث: "ينزل ربكم كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل فيقول: هل من داع فأستجيب له"، وهذا الحديث وهو صحيح. قال: في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "في الليل ساعة يستجاب فيها الدعاء كل ليلة". نعم، هذا أيضا في مسلم. قال: وروى صاحب كتاب بهجة الأسرار بإسناده عن سلمان الأنماط قال: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام يقول: "لولا الذين لهم ورد يقومون وآخرون لهم سرد يصومون لدكت أرضكم من تحتكم سحرا لأنكم قوم سوء ما تطيعون". وهذا ليس له إسناد عن علي بن أبي طالب، يعني هذا كما يقول المحقق: صاحب الرؤية صوفي لا يعتمد عليه، قد اتهم بوضع الحديث. قال: وأعلم... نعم، بالنسبة لأفضلية قراءة القرآن في الليل وأنه مقدم على القراءة في النهار، فيأخذ من هذه الأحاديث التي ذكرها المصنف رحمه الله، وهذه الآية، وهذه الآية القرآنية أيضا فيها دليل. وأيضا من أحسن ما يستدل به على ذلك أيضا حديث عمر بن الخطاب: "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل"، رواه مسلم. وأيضا حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإنها مشهودة وذلك أفضل". فالقراءة في الليل أفضل من القراءة في النهار لمن استوى عنده القراءة في الليل والقراءة في النهار. أما من كان مشغولا في الليل وعنده فرصة في النهار فلا شك أنه لا يفوت على نفسه القراءة. المقصود هو القراءة، وهذا الذي فيه فضيلة. ومراعاة المكان أو مراعاة الزمن هذا يعتبر شيئا متأخرا على أصل العبادة، فمراعاة أصل العبادة مقدم على مراعاة زمن العبادة. يعني الفضيلة في زمن العبادة أو في مكان العبادة، فأنت تحرص على أن تقرأ كتاب الله سبحانه وتعالى وأن تكثر من ذلك كما تقدم في الفصول الأولى. لكن مسألة النظر في الوقت أو في المكان هذه أمور تكميلية. فمن استوى عنده الأمر فقراءة الليل أفضل، والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، يتواطأ القلب واللسان وتحصل الثمرة والفائدة. فهذا الوقت ووقت سكون الناس وحصول الهدوء والبعد عن الملهيات والمشاغل والعوائق، يعني يحصل التدبر ويحصل الانتفاع بتلاوة القرآن في أوقات الليل، لا سيما في ذلك من الزمن المتقدم إذا هجم الظلام، فإن الناس يكونون غالبا في سكون وهدوء. ولا يعني المصنف رحمه الله يعني ما عليه كثير من الناس اليوم في مساجدهم وشوارعهم وبيوتهم إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، فالأمر يختلف. لكن الأصل أن في الليل لا سيما تلك الأيام وفي البوادي وفي القرى أنه إذا هجم الليل تأتي الأوقات الجيدة للحفظ وللقراءة، فليست هناك أصوات ولا مشاغل ولا عوائق ولا صوارف، يقرأ الآية ويستطيع أن ينظر فيها ويتدبر معانيها، وهكذا. فإذا كان تفضيل قراءة الليل لأجل هذا المعنى، فمن شغل في الليل بملهيات فقد يكون الأفضل له أن يقرأ في النهار وأن يحفظ في النهار وأن يراجع في النهار. وإلا فالآية الكريمة فيها دليل واضح على تفضيل القراءة في الليل: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. وذكر هذه الآثار. ولكن كما تقدم: طالب العلم والمسلم عموما إذا لم يجد فرصة للقراءة إلا في النهار، فمراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة كما ذكر أهل العلم مقدمة على مراعاة الفضيلة المتعلقة بزمانها أو بمكانها. مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة مقدمة على مراعاة الفضيلة المتعلقة بزمانها أو بمكانها. ونواصل إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله.